وصون حقوقهم مذموم، فالنبي صلى الله عليه وسلم لو أراد الدنيا لكان أكثر الناس مالًا وحظًا فيها، ولكن زهد فيها، ومع هذا فكان أكثر الناس حرصًا على العطاء وإغداق المال على الناس، وإصلاح ذات البين والحث على حفظ أموال الناس وتحريم أكلها.
ففي الصحيح عن أنس أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم غنما بين جبلين فأعطاه إياه فأتى قومه فقال: أي قوم أسلموا فوالله إن محمدا ليعطي عطاء ما يخاف الفقر، فقال أنس: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها.
وكان ينتصر لحق الضعيف بالبيان للناس إذا أُخذ ماله ولو كان عبدًا مملوكًا، فبريرة أمة مظلومة اشترط أهلها الولاء لهم بعد عتقها لنفسها، فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر وقال: ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط.
ومع هذا فكان زاهدًا في حق نفسه ينام على حصير يؤثر على جنبه، ويقول له الصحابة: لو اتخذنا لك وطأة؟ فقال: مالي وما للدنيا ما أنا فيها إلا كراكب استظل تحت ظل شجرة ثم راح وتركها.
بل الخوض في مصالحهم بالصلح أفضل من الانشغال بنوافل الصلاة والصيام ففي سنن الترمذي عن أبي الدرداء قال صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: صلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة.
وهذا أكثر وقعًا على العامة أن يزهد في المال من يُعطيه، لأنه كان في يده فأوصله لغيره، ويمكنه حبسه لنفسه.
والزهد في الحديث عن حفظ أموال الناس والمجتمعات وبيان خطورة التعدي عليها ثلم عظيم في مهمة الرسالة، وكسر لمفاتيح قلوب الناس، التي لا يُدخل إليها إلا بدنياهم.