و في معنى الآية بعض وجوه رديئة أخرى: منها: ما يظهر من الزجاج أن ضمير قوله"قبل موته"يرجع إلى الكتابي وأن معنى قوله"و إن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته"أن جميعهم يقولون: إن عيسى الذي يظهر في آخر الزمان نحن نؤمن به.
وهذا معنى سخيف فإن الآيات مسوقة لبيان دعواهم قتل عيسى (عليه السلام) وصلبه والرد عليهم دون كفرهم به ولا يرتبط ذلك باعترافهم بظهور مسيح في آخر الزمان يحيي أمر شعب إسرائيل حتى يذيل به الكلام.
على أنه لو كان المراد به ذلك لم يكن حاجة إلى ذكر قوله:"قبل موته"لارتفاع الحاجة بدونه ، وكذا قوله"و يوم القيامة يكون عليهم شهيدا"لأنه على هذا التقدير فضل من الكلام لا حاجة إليه.
ومنها: ما ذكره بعضهم أن المراد بالآية: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بمحمد قبل موت ذلك الكتابي.
وهذا في السخافة كسابقه فإنه لم يجر لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ذكر في سابق الكلام حتى يعود إليه الضمير.
ولا أن المقام يدل على ذلك ، فهو قول من غير دليل.
نعم ، ورد هذا المعنى في بعض الروايات مما سيمر بك في البحث الروائي التالي لكن ذلك من باب الجري كما سنشير إليه وهذا أمر كثير الوقوع في الروايات كما لا يخفى على من تتبع فيها.
قوله تعالى:"فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم"الفاء للتفريع ، وقد نكر لفظ الظلم وكأنه للدلالة على تفخيم أمره أو للإبهام ، إذ لا يتعلق على تشخيصه غرض مهم وهو بدل مما تقدم ذكره من فجائعهم غير أنه ليس بدل الكل من الكل كما ربما قيل ، بل بدل البعض من الكل ، فإنه تعالى جعل هذا الظلم منهم سببا لتحريم الطيبات عليهم ، ولم تحرم عليهم إلا في شريعة موسى المنزلة في التوراة ، وبها تختتم شريعة موسى ، وقد ذكر فيما ذكر من فجائعهم ومظالمهم أمور جرت ووقعت بعد ذلك كالبهتان على مريم وغير ذلك.
فالمراد بالظلم بعض ما ذكر من مظالمهم الفجيعة فهو السبب لتحريم ما حرم عليهم من الطيبات بعد إحلالها.
ثم ضم إلى ذلك قوله"و بصدهم عن سبيل الله كثيرا"وهو إعراضهم المتكرر عن سبيل الله"و أخذهم الربوا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل". قوله تعالى:"و اعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما"معطوف على قوله"حرمنا عليهم طيبات"فقد استوجبوا بمظالمهم من الله جزاءين: جزاء دنيوي عام وهو تحريم الطيبات ، وجزاء أخروي خاص بالكافرين منهم وهو العذاب الأليم.
قوله تعالى:"لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك"استثناء واستدراك من أهل الكتاب ، والراسخون"وما عطف عليه مبتدأ و"يؤمنون"خبره ، وقوله"منهم"متعلق بالراسخون و"من"فيه تبعيضية."
والظاهر أن"المؤمنون"يشارك"الراسخون"في تعلق قوله"منهم"به معنى والمعنى: لكن الراسخون في العلم والمؤمنون بالحقيقة من أهل الكتاب يؤمنون بك وبما أنزل من قبلك ، ويؤيده التعليل الآتي في قوله"إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده"إلخ ، فإن ظاهر الآية كما سيأتي بيان أنهم آمنوا بك لما وجدوا أن نبوتك والوحي الذي أكرمناك به يماثل الوحي الذي جاءهم به الماضون السابقون من أنبياء الله: نوح والنبيون من بعده ، والأنبياء من آل إبراهيم ، وآل يعقوب ، وآخرون ممن لم نقصصهم عليك من غير فرق.
وهذا المعنى - كما ترى - أنسب بالمؤمنين من أهل الكتاب أن يوصفوا به دون المؤمنين من العرب الذين وصفهم الله سبحانه بقوله"لتنذر قوما ما أنذر ءاباؤهم فهم غافلون": يس: 6.
وقوله"و المقيمين الصلاة"معطوف على"الراسخون"ومنصوب على المدح ، ومثله في العطف قوله"و المؤتون الزكاة"وقوله"و المؤمنون بالله واليوم الآخر"مبتدأ خبره قوله"أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما"ولو كان قوله"و المقيمين الصلاة"مرفوعا كما نقل عن مصحف ابن مسعود كان هو وما عطف عليه مبتدأ خبره قوله"أولئك".