فهرس الكتاب

الصفحة 266 من 4314

و أوضح منه قوله تعالى: حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم: الزخرف - 4 فإنه ظاهر في أن هناك كتابا مبينا عرض عليه جعله مقروا عربيا ، وإنما ألبس لباس القراءة والعربية ليعقله الناس وإلا فإنه - وهو في أم الكتاب - عند الله ، علي لا يصعد إليه العقول ، حكيم لا يوجد فيه فصل وفصل.

وفي الآية تعريف للكتاب المبين وأنه أصل القرآن العربي المبين ، وفي هذا المساق أيضا قوله تعالى: فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين: الواقعة - 80 ، فإنه ظاهر في أن للقرآن موقعا هو في الكتاب المكنون لا يمسه هناك أحد إلا المطهرون من عباد الله وأن التنزيل بعده ، وأما قبل التنزيل فله موقع في كتاب مكنون عن الأغيار وهو الذي عبر عنه في آيات الزخرف ، بأم الكتاب ، وفي سورة البروج ، باللوح المحفوظ ، حيث قال تعالى: بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ: البروج - 22 ، وهذا اللوح إنما كان محفوظا لحفظه من ورود التغير عليه ، ومن المعلوم أن القرآن المنزل تدريجا لا يخلو عن ناسخ ومنسوخ وعن التدريج الذي هو نحو من التبدل ، فالكتاب المبين الذي هو أصل القرآن وحكمه الخالي عن التفصيل أمر وراء هذا المنزل ، وإنما هذا بمنزلة اللباس لذاك.

ثم إن هذا المعنى أعني: كون القرآن في مرتبة التنزيل بالنسبة إلى الكتاب المبين - ونحن نسميه بحقيقة الكتاب - بمنزلة اللباس من المتلبس وبمنزلة المثال من الحقيقة وبمنزلة المثل من الغرض المقصود بالكلام هو المصحح لأن يطلق القرآن أحيانا على أصل الكتاب كما في قوله تعالى: بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ ، إلى غير ذلك وهذا الذي ذكرنا هو الموجب لأن يحمل قوله: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ، وقوله: إنا أنزلناه في ليلة مباركة ، وقوله.

إنا أنزلناه في ليلة القدر ، على إنزال حقيقة الكتاب والكتاب المبين إلى قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دفعة كما أنزل القرآن المفصل على قلبه تدريجا في مدة الدعوة النبوية.

وهذا هو الذي يلوح من نحو قوله تعالى:"و لا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه": طه - 114 ، وقوله تعالى:"لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه:"القيامة - 19 ، فإن الآيات ظاهرة في أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان له علم بما سينزل عليه فنهي عن الاستعجال بالقراءة قبل قضاء الوحي ، وسيأتي توضيحه في المقام اللائق به - إن شاء الله تعالى -.

وبالجملة فإن المتدبر في الآيات القرآنية لا يجد مناصا عن الاعتراف بدلالتها: على كون هذا القرآن المنزل على النبي تدريجا متكئا على حقيقة متعالية عن أن تدركها أبصار العقول العامة أو تناولها أيدي الأفكار المتلوثة بألواث الهوسات وقذارات المادة ، وأن تلك الحقيقة أنزلت على النبي إنزالا فعلمه الله بذلك حقيقة ما عناه بكتابه ، وسيجيء بعض من الكلام المتعلق بهذا المعنى في البحث عن التأويل والتنزيل في قوله تعالى:"هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات:"آل عمران - 7 فهذا ما يهدي إليه التدبر ويدل عليه الآيات ، نعم أرباب الحديث ، والغالب من المتكلمين والحسيون من باحثي هذا العصر لما أنكروا أصالة ما وراء المادة المحسوسة اضطروا إلى حمل هذه الآيات ونظائرها كالدالة على كون القرآن هدى ورحمة ونورا وروحا ومواقع النجوم وكتابا مبينا ، وفي لوح محفوظ ، ونازلا من عند الله ، وفي صحف مطهرة إلى غير ذلك من الحقائق على أقسام الاستعارة والمجاز فعاد بذلك القرآن شعرا منثورا.

ولبعض الباحثين كلام في معنى نزول القرآن في شهر رمضان: قال ما محصله: إنه لا ريب أن بعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مقارنا لنزول أول ما نزل من القرآن وأمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بالتبليغ والإنذار ، ولا ريب أن هذه الواقعة إنما وقعت بالليل لقوله تعالى:"إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين:"الدخان - 2 ، ولا ريب أن الليلة كانت من ليالي شهر رمضان لقوله تعالى:"شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن:"البقرة - 185.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت