فهرس الكتاب

الصفحة 265 من 4314

و الحق أن حكم القوانين والدساتير غير حكم الخطابات التي لا يستقيم أن تتقدم على مقام التخاطب ولو زمانا يسيرا ، وفي القرآن آيات كثيرة من هذا القبيل كقوله تعالى:"قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما": المجادلة - 1 ، وقوله تعالى:"و إذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما": الجمعة - 11 ، وقوله تعالى:"رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا": الأحزاب - 23 ، على أن في القرآن ناسخا ومنسوخا ، ولا معنى لاجتماعهما في زمان بحسب النزول.

وربما أجيب عن الإشكال: أن المراد من نزول القرآن في شهر رمضان أن أول ما نزل منه نزل فيه ، ويرد عليه: أن المشهور عندهم أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إنما بعث بالقرآن ، وقد بعث اليوم السابع والعشرين من شهر رجب وبينه وبين رمضان أكثر من ثلاثين يوما وكيف يخلو البعثة في هذه المدة من نزول القرآن ، على أن أول سورة اقرأ باسم ربك ، يشهد على أنها أول سورة نزلت وأنها نزلت بمصاحبة البعثة ، وكذا سورة المدثر تشهد أنها نزلت في أول الدعوة وكيف كان فمن المستبعد جدا أن تكون أول آية نزلت في شهر رمضان ، على أن قوله تعالى: أنزل فيه القرآن ، غير صريح الدلالة على أن المراد بالقرآن أول نازل منه ولا قرينة تدل عليه في الكلام فحمله عليه تفسير من غير دليل ، ونظير هذه الآية قوله تعالى:"و الكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين": الدخان - 3 ، وقوله:"إنا أنزلناه في ليلة القدر:"القدر - 1 ، فإن ظاهر هذه الآيات لا يلائم كون المراد من إنزال القرآن أول إنزاله أو إنزال أول بعض من أبعاضه ولا قرينة في الكلام تدل على ذلك.

والذي يعطيه التدبر في آيات الكتاب أمر آخر فإن الآيات الناطقة بنزول القرآن في شهر رمضان أو في ليلة منه إنما عبرت عن ذلك بلفظ الإنزال الدال على الدفعة دون التنزيل كقوله تعالى:"شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن:"البقرة - 185 وقوله تعالى:"حم. والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة": الدخان - 3 ، وقوله تعالى:"إنا أنزلناه في ليلة القدر": القدر - 1 ، واعتبار الدفعة إما بلحاظ اعتبار المجموع في الكتاب أو البعض النازل منه كقوله تعالى:"كماء أنزلناه من السماء": يونس - 24 فإن المطر إنما ينزل تدريجا لكن النظر هاهنا معطوف إلى أخذه مجموعا واحدا ، ولذلك عبر عنه بالإنزال دون التنزيل ، وكقوله تعالى:"كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته": ص - 29 ، وإما لكون الكتاب ذا حقيقة أخرى وراء ما نفهمه بالفهم العادي الذي يقضى فيه بالتفرق والتفصيل والانبساط والتدريج هو المصحح لكونه واحدا غير تدريجي ونازلا بالإنزال دون التنزيل... وهذا الاحتمال الثاني هو اللائح من الآيات الكريمة كقوله تعالى:"كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير": هود - 1 ، فإن هذا الإحكام مقابل التفصيل ، والتفصيل هو جعله فصلا فصلا وقطعة قطعة فالإحكام كونه بحيث لا يتفصل فيه جزء من جزء ولا يتميز بعض من بعض لرجوعه إلى معنى واحد لا أجزاء ولا فصول فيه ، والآية ناطقة بأن هذا التفصيل المشاهد في القرآن إنما طرأ عليه بعد كونه محكما غير مفصل.

وأوضح منه قوله تعالى:"و لقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون ، هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق:"الأعراف - 53 ، وقوله تعالى: وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين - إلى أن قال: - بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله: يونس - 39 فإن الآيات الشريفة وخاصة ما في سورة يونس ظاهرة الدلالة على أن التفصيل أمر طار على الكتاب فنفس الكتاب شيء والتفصيل الذي يعرضه شيء آخر ، وأنهم إنما كذبوا بالتفصيل من الكتاب لكونهم ناسين لشيء يئول إليه هذا التفصيل وغافلين عنه ، وسيظهر لهم يوم القيامة ويضطرون إلى علمه فلا ينفعهم الندم ولات حين مناص وفيها إشعار بأن أصل الكتاب تأويل تفصيل الكتاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت