فهرس الكتاب

الصفحة 264 من 4314

و يرد عليه: عدم الدليل على اختصاص التطوع بالمستحبات كما عرفت مع خفاء النكتة في التفريع ، فإنه لا يظهر لتفرع التطوع بالزيادة على حكم الفدية وجه معقول ، مع أن قوله: فمن تطوع خيرا ، لا دلالة له على التطوع بالزيادة فإن التطوع بالخير غير التطوع بالزيادة.

قوله تعالى: وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون ، جملة متممة لسابقتها ، والمعنى بحسب التقدير - كما مر -: تطوعوا بالصوم المكتوب عليكم فإن التطوع بالخير خير والصوم خير لكم ، فالتطوع به خير على خير.

وربما: يقال إن الجملة أعني قوله: وأن تصوموا خير لكم ، خطاب للمعذورين دون عموم المؤمنين المخاطبين بالفرض والكتابة فإن ظاهرها رجحان فعل الصوم غير المانع من الترك فيناسب الاستحباب دون الوجوب ، ويحمل على رجحان الصوم واستحبابه على أصحاب الرخصة: من المريض والمسافر فيستحب عليهم اختيار الصوم على الإفطار والقضاء.

ويرد عليه: عدم الدليل عليه أولا ، واختلاف الجملتين أعني قوله: فمن كان منكم إلخ ، وقوله: وأن تصوموا خير لكم ، بالغيبة والخطاب ثانيا ، وأن الجملة الأولى مسوقة لبيان الترخيص والتخيير ، بل ظاهر قوله: فعدة من أيام أخر ، تعين الصوم في أيام أخر كما مر ثالثا ، وأن الجملة الأولى على تقدير ورودها لبيان الترخيص في حق المعذور لم يذكر الصوم والإفطار حتى يكون قوله: وأن تصوموا خير لكم بيانا لأحد طرفي التخيير بل إنما ذكرت صوم شهر رمضان وصوم عدة من أيام أخر وحينئذ لا سبيل إلى استفادة ترجيح صوم شهر رمضان على صوم غيره من مجرد قوله: وأن تصوموا خير لكم ، من غير قرينة ظاهرة رابعا ، وأن المقام ليس مقام بيان الحكم حتى ينافي ظهور الرجحان كون الحكم وجوبيا بل المقام - كما مر سابقا - مقام ملاك التشريع وأن الحكم المشرع لا يخلو عن المصلحة والخير والحسن كما في قوله:"فتوبوا إلى بارئكم واقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم: البقرة - 54 ، وقوله تعالى:"فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون:"الجمعة - 9 ، وقوله تعالى"تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون:"الصف - 11 ، والآيات في ذلك كثيرة خامسا: قوله تعالى: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى ، شهر رمضان هو الشهر التاسع من الشهور القمرية العربية بين شعبان وشوال ولم يذكر اسم شيء من الشهور في القرآن إلا شهر رمضان."

والنزول هو الورود على المحل من العلو ، والفرق بين الإنزال والتنزيل أن الإنزال دفعي والتنزيل تدريجي ، والقرآن اسم للكتاب المنزل على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) باعتبار كونه مقروا كما قال تعالى:"إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون": الزخرف - 3 ، ويطلق على مجموع الكتاب وعلى أبعاضه.

والآية تدل على نزول القرآن في شهر رمضان ، وقد قال تعالى:"و قرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا: ، الإسراء - 106 ، وهو ظاهر في نزوله تدريجا في مجموع مدة الدعوة وهي ثلاث وعشرون سنة تقريبا ، والمتواتر من التاريخ يدل على ذلك ، ولذلك ربما استشكل عليه بالتنافي بين الآيتين."

وربما أجيب عنه: بأنه نزل دفعة على سماء الدنيا في شهر رمضان ثم نزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نجوما وعلى مكث في مدة ثلاث وعشرين سنة - مجموع مدة الدعوة - وهذا جواب مأخوذ من الروايات التي سننقل بعضها في البحث عن الروايات.

وقد أورد عليه: بأن تعقيب قوله تعالى: أنزل فيه القرآن بقوله: هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ، لا يساعد على ذلك إذ لا معنى لبقائه على وصف الهداية والفرقان في السماء مدة سنين.

وأجيب: بأن كونه هاديا من شأنه أن يهدي من يحتاج إلى هدايته من الضلال ، وفارقا إذا التبس حق بباطل لا ينافي بقاءه مدة على حال الشأنية من غير فعلية التأثير حتى يحل أجله ويحين حينه ، ولهذا نظائر وأمثال في القوانين المدنية المنتظمة التي كلما حان حين مادة من موادها أجريت وخرجت من القوة إلى الفعل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت