قوله تعالى: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ، الإطاقة كما ذكره بعضهم صرف تمام الطاقة في الفعل ، ولازمه وقوع الفعل بجهد ومشقة ، والفدية هي البدل وهي هنا بدل مالي وهو طعام مسكين أي طعام يشبع مسكينا جائعا من أوسط ما يطعم الإنسان ، وحكم الفدية أيضا فرض كحكم القضاء في المريض والمسافر لمكان قوله: وعلى الذين ، الظاهر في الوجوب التعييني دون الرخصة والتخيير.
وقد ذكر بعضهم: أن الجملة تفيد الرخصة ثم فسخت فهو سبحانه وتعالى خير المطيقين للصوم من الناس كلهم يعني القادرين على الصوم من الناس بين أن يصوموا وبين أن يفطروا ويكفروا عن كل يوم بطعام مسكين ، لأن الناس كانوا يومئذ غير متعوذين بالصوم ثم نسخ ذلك بقوله: فمن شهد منكم الشهر فليصمه ، وقد ذكر بعض هؤلاء: أنه نسخ حكم غير العاجزين ، وأما مثل الشيخ الهرم والحامل والمرضع فبقي على حاله ، من جواز الفدية.
ولعمري إنه ليس إلا لعبا بالقرآن وجعلا لآياته عضين ، وأنت إذا تأملت الآيات الثلاث وجدتها كلاما موضوعا على غرض واحد ذا سياق واحد متسق الجمل رائق البيان ، ثم إذا نزلت هذا الكلام على وحدته واتساقه على ما يراه هذا القائل وجدته مختل السياق ، متطارد الجمل يدفع بعضها بعضا ، وينقض آخره أوله ، فتارة يقول كتب عليكم الصيام ، وأخرى يقول: يجوز على القادرين منكم الإفطار والفدية ، وأخرى يقول: يجب عليكم جميعا الصيام إذا شهدتم الشهر ، فينسخ حكم الفدية عن القادرين ويبقى حكم غير القادرين على حاله ، ولم يكن في الآية حكم غير القادرين ، اللهم إلا أن يقال: إن قوله: يطيقونه ، كان دالا على القدرة قبل النسخ فصار يدل بعد النسخ على عدم القدرة ، وبالجملة يجب على هذا أن يكون قوله: وعلى الذين يطيقونه في وسط الآيات ناسخا لقوله: كتب عليكم الصيام ، في أولها لمكان التنافي ، ويبقى الكلام في وجهه تقييده بالإطاقة من غير سبب ظاهر ، ثم قوله: فمن شهد منكم الشهر فليصمه في آخر الآيات ناسخا لقوله: وعلى الذين يطيقونه في وسطها ، ويبقى الكلام في وجه نسخه لحكم القادرين على الصيام فقط دون العاجزين ، مع كون الناسخ مطلقا شاملا للقادر والعاجز جميعا ، وكون المنسوخ غير شامل لحكم العاجز الذي يراد بقاؤه وهذا من أفحش الفساد.
وإذا أضفت إلى هذا النسخ بعد النسخ ما ذكروه من نسخ قوله: شهر رمضان إلخ لقوله: أياما معدودات إلخ ، ونسخ قوله: أياما معدودات إلخ ، لقوله: كتب عليكم الصيام ، وتأملت معنى الآيات شاهدت عجبا.
قوله تعالى: فمن تطوع خيرا فهو خير له ، التطوع تفعل من الطوع مقابل الكره وهو إتيان الفعل بالرضا والرغبة ، ومعنى باب التفعل الأخذ والقبول فمعنى التطوع التلبس في إتيان الفعل بالرضا والرغبة من غير كره واستثقال سواء كان فعلا إلزاميا أو غير إلزامي ، وأما اختصاص التطوع استعمالا بالمستحبات والمندوبات فمما حدث بعد نزول القرآن بين المسلمين بعناية أن الفعل الذي يؤتى به بالطوع هو الندب وأما الواجب ففيه شوب كره لمكان الإلزام الذي فيه.
وبالجملة التطوع كما قيل: لا دلالة فيه مادة وهيئة على الندب وعلى هذا فالفاء للتفريع والجملة متفرعة على المحصل من معنى الكلام السابق ، والمعنى والله أعلم: الصوم مكتوب عليكم مرعيا فيه خيركم وصلاحكم مع ما فيه من استقراركم في صف الأمم التي قبلكم ، والتخفيف والتسهيل لكم فأتوا به طوعا لا كرها ، فإن من أتى بالخير طوعا كان خيرا له من أن يأتي به كرها.
ومن هنا يظهر: أن قوله: فمن تطوع خيرا من قبيل وضع السبب موضع المسبب أعني وضع كون التطوع بمطلق الخير خيرا مكان كون التطوع بالصوم خيرا نظير قوله تعالى:"قد نعلم إنك ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون"أي فاصبر ولا تحزن فإنهم لا يكذبونك.
وربما يقال: إن الجملة أعني قوله تعالى: فمن تطوع خيرا فهو خير له ، مرتبطة بالجملة التي تتلوها أعني قوله: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ، والمعنى أن من تطوع خيرا من فدية طعام مسكين بأن يؤدي ما يزيد على طعام مسكين واحد بما يعادل فديتين لمسكينين أو لمسكين واحد كان خيرا له.