[النحل: 127] فالبلاء لأهل الولاء المنحة نعمة الصبر كقوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ} [البقرة: 155] ، إلى قوله: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155] ، أي: بشر بأن هذا البلاء ليس للإهانة كما كان في حق أهل الخذلان بل للإعانة على نيل درجة الصبر ليستحقوا به الصلاة والرحمة والهداية من الله تعالى، وإن أيوب عليه السلام وجد مرتبة الصابرين ونعم العبد بمعروف الصبر من الله تعالى، كما قال تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 44] ، وكذلك لو لم تكن منته على أهل السلامة في بلاء النعمة المنحة الشكر ورؤية النعم من المنعم لزالت قدمهم عن الجادة كما كان حال قارون وفرعون؛ انقطع نظريهم لحجاب البلاء في النعمة عن المنعم قال قارون: {قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} [القصص: 78] .
وقال فرعون: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي} [الزخرف: 51] ، وقال: {أَنَاْ رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات: 24] ، وهذه الآفة مذكورة في جبلة كل إنسان كما قال تعالى: {إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6 - 7] ، وإنما تخلص من هذه الورطة من تخلص بمنته عليه في عطية نعمة الصبر والشكر، فبقوه الصبر لا ينفق نعمة في معصية، وبقوة الشكر ينفقها في سبيل الله تعالى ويستعين بهما على طاعته ليصفو ويسلم قلبه عن كدورات الطغيان المنتهى عن الاستغناء، ويتنور بنور الشكر والصبر، فيرى بصر بصيرته بذلك النور نعمة الشكر من الشكور ونعمة الصبر من الصبور وهو الله تعالى، فبقدر الصبر والشكر يصل السالك إلى الصبر والشكور كما قيل: خطوتان وقد وصلت، وإن سليمان عليه السلام نال مرتبة العبدية بامتنان نعمة الشكر ودعوة {وَهَبْ لِي مُلْكًا} [ص: 35] كانت لاستكمال نعمة الشكر، وإنما أيوب وسليمان - عليهما السلام - اشتركا ي نيل مقام نعم العبد لأن كل منهما كان مخصوصًا بالاتصاف بصفة من صفات الله وهي الصبور والشكور، فلمَّا اشتركا في الاتصاف بصفات الله تعالى اشتركا في مقام نعم العبدية، والله أعلم.
ثم اعلم أن في {بِسمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} أربع مراتب: الاسم والذات وصفة الجلال وصفة الجمال، وهذه هي مراتب الموجودات كلها فإنها أربعة أقسام: الألوهية والروحانية والجسمانية والحيوانيات، وهي كل ذي روح، ففي الباء في أول هذه المراتب الأربع إشارة إلى أن وجود هذه العوالم لي وليس لغيري وجود حقيقي إلا بالاسم. فللعالم، أعني ما سوى الله تعالى، بالاسم والمجاز وجود لا بالمعنى والحقيقة، وإلى هذا إشارة بعضهم بقوله:"ما نظرت في شيء إلا ورأيت الله فيه"، وأوضح من هذا قول بعضهم:"ما نظرت في شيء إلا ورأيت الله قبله".
وصرَّح النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:"لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو الله"حديث متفق على صحته، فتحقق {بِسمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} أن وجودي بذاتي وهو الله وصفاتي كلها - التي هي إمَّا من قبيل الجلال أو من قبيل الجمال -، فبذاتي قائمة وما سواي وهو العالم اسم موجود بإيجادي وقائم بقيوميتي