إِتْيَان الْكَاهِن؛ لِأَنَّهُمْ يَتَكَلَّمُونَ فِي مُغَيَّبَات قَدْ يُصَادِف بَعْضهَا الْإِصَابَة؛ فَيُخَاف الْفِتْنَة عَلَى الْإِنْسَان بِسَبَبِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ يُلَبِّسُونَ عَلَى النَّاس كَثِيرًا مِنْ أَمْر الشَّرَائِع، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة بِالنَّهْيِ عَنْ إِتْيَان الْكُهَّان وَتَصْدِيقهمْ فِيمَا يَقُولُونَ، وَتَحْرِيم مَا يُعْطُونَ مِنْ الْحُلْوَانِ، وَهُوَ حَرَام بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ) وقال رحمه الله تعالى ناقلا عن الخطابي كلاما نفيسا (وَقَالَ الْخَطَّابِيّ - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى: حُلْوَان الْكَاهِن مَا يَاخُذهُ الْمُتَكَهِّن عَلَى كِهَانَته، وَهُوَ مُحَرَّم. وَفِعْله بَاطِل، قَالَ: وَحُلْوَان الْعَرَّاف حَرَام أَيْضًا، قَالَ: وَالْفَرْق بَيْن الْعَرَّاف وَالْكَاهِن، أَنَّ الْكَاهِن إِنَّمَا يَتَعَاطَى الْأَخْبَار عَنْ الْكَوَائِن فِي الْمُسْتَقْبَل، وَيَدَّعِي مَعْرِفَة الْأَسْرَار، وَالْعَرَّاف يَتَعَاطَى مَعْرِفَة الشَّيْء الْمَسْرُوق، وَمَكَان الضَّالَّة وَنَحْوهمَا، وَقَالَ الْخَطَّابِيّ أَيْضًا فِي حَدِيث(مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُول فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّه عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: كَانَ فِي الْعَرَب كَهَنَة يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ كَثِيرًا مِنْ الْأُمُور، مِنْهُمْ مَنْ يَزْعُم أَنَّ لَهُ رِئْيًا مِنْ الْجِنّ يُلْقِي إِلَيْهِ الْأَخْبَار، وَمِنْهُمْ مَنْ يَدَّعِي اِسْتِدْرَاك ذَلِكَ بِفَهْمٍ أُعْطِيه وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمَّى: عَرَّافًا وَهُوَ الَّذِي يَزْعُم مَعْرِفَة الْأُمُور بِمُقَدِّمَاتِ أَسْبَاب اِسْتَدَلَّ بِهَا، كَمَعْرِفَةِ مَنْ سَرَقَ الشَّيْء الْفُلَانِيّ، وَمَعْرِفَة مَنْ يُتَّهَم بِهِ الْمَرْأَة، وَنَحْو ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّي الْمُنَجِّم كَاهِنًا قَالَ: وَالْحَدِيث يَشْتَمِل عَلَى النَّهْي عَنْ إِتْيَان هَؤُلَاءِ كُلّهمْ، وَالرُّجُوع إِلَى قَوْلهمْ وَتَصْدِيقهمْ فِيمَا يَدَّعُونَهُ. هَذَا كَلَام الْخَطَّابِيّ وَهُوَ نَفِيس) .
ومن الأدلة أيضا:- ما رواه أبو داود في سننه قال:- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ح وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حَكِيمٍ الأَثْرَمِ عَنْ أَبِى تَمِيمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «مَنْ أَتَى كَاهِنًا» . قَالَ مُوسَى فِي حَدِيثِهِ «فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ» ثُمَّ اتَّفَقَا «أَوْ أَتَى امْرَأَةً» قَالَ مُسَدَّدٌ «امْرَأَتَهُ حَائِضًا أَوْ أَتَى امْرَأَةً» قَالَ مُسَدَّدٌ «امْرَأَتَهُ فِى دُبُرِهَا فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ» قال الأزهري (وَكَانَتْ الْكِهَانَة فِي الْعَرَب قَبْل مَبْعَث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا بُعِثَ نَبِيًّا وَحُرِسَتْ السَّمَاء بِالشُّهُبِ وَمُنِعَتْ الْجِنّ وَالشَّيَاطِين مِنْ اِسْتِرَاق السَّمْع وَإِلْقَائِهِ إِلَى الْكَهَنَة بَطَلَ عِلْم الْكِهَانَة وَأَزْهَق اللَّه أَبَاطِيل الْكِهَانَة بِالْفُرْقَانِ الَّذِي فَرَّقَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِهِ بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل وَأَطْلَعَ اللَّه سُبْحَانه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَحْيِ عَلَى مَا شَاءَ مِنْ عِلْم الْغُيُوب الَّتِي عَجَزَ الْكَهَنَة عَنْ الْإِحَاطَة بِهِ، فَلَا كِهَانَة الْيَوْم بِحَمْدِ اللَّه وَمَنّهُ وَإِغْنَائِهِ بِالتَّنْزِيلِ عَنْهَا) قَالَ اِبْن الْأَثِير: