ومن الأدلة أيضا:- قوله تعالى {وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ} والمتقرر أن الجمع إن دخلت عليه الألف واللام الاستغراقية فإنها تكسبه العموم، فيدخل فيه كل السحرة , والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالفلاح منفي عنهم، وهو نفي مطلق، والأصل بقاء المطلق على إطلاقه ولا يقيد إلا بدليل، فيدخل فيه نفي الفلاح في الدنيا والآخرة، فمن نفي عنه الفلاح بهذه الصورة، فبالله عليك كيف نقول للمسلمين:- يجوز الذهاب له لطلب العافية بسببه، كيف نعلق قلوب المسلمين بمن هذه صفته شرعا؟ ألا إن تجويز الذهاب إلى هذه الطائفة الفاسدة خطأ ظاهر، وإن قال به من قاله.
ومن الأدلة أيضا:- قوله تعالى {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ ... الآية} وهي دالة على منع إتيان السحرة من عدة وجوه:
الأول:- أن فيها دلالة على أن ما عند الساحر من العلم إنما أصله وأساسه من تعليم الشياطين وقد عرفت عداوتها لبني آدم، قال تعالى {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} وقال تعالى {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ} فلا مودة ولا رحمة ولا صلح يرجى من الشيطان، لأنه لا يريد إلا هلاك بني آدم، ومن هذه حاله فكيف سيكون تعليمه إن باشر هو تعليم بني آدم؟ لا جرم أنه سيستفرغ طاقته، ويأتي بنهاية جهده فيما هو مضر ومفسد ومهلك لبني آدم، فلا يرجى من تعليم الشيطان نفع ولا خير ولا شفاء، فالساحر إنما تلقف علم السحر من الشيطان، فبالله عليك هل يجوز لنا أن نقول للمريض من بني آدم:- اذهب إلى هذا الساحر لعلك تجد عنده ما فيه سبب لشفائك؟ أين النفع الذي سيجده المريض من تعليم الشيطان؟ بل والله لا يوجد عند هذه الطائفة الكاسدة والثلة الفاسدة إلا الكفر والبعد عن عافية الدين والدنيا، ولا يوجد عندهم إلا الأمراض الروحية، وقتل الإيمان فالذهاب لهم ضرر محض، ومفسدة ظاهرة , لا يجيزها إلا من غفل عن استحضارها وقت الإفتاء فالله المستعان,
الثاني:- أن هذه الآية فيها إثبات أن الساحر كافر، لقوله تعالى {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} وفي آخر الآية قال {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} فهذه من الأدلة على كفره، وهو إنما كفر بسبب تعلمه للسحر، فالسحر هو الآفة التي أوجبت كفره،