ثم يوضح المشكلة من وجهة نظره وأنها تكمن في الخلط الذي وقع بين اللغتين الإلهية والبشرية، ويرى أن هذا الخلط وقع على مستويين، الأول ـ وهو الأخطر ـ وقع في الكتب السابقة للقرآن الكريم؛ وذلك بتحريف اللغة التي يسميها إلهية، وإدخال كلمات من اللغة البشرية فيها؛ مما أكسب الثانية قداسة الأولى، وهو خلط في الألفاظ.
أما المستوى الثاني فهو خلط في المعاني، ويرى أن هذا وقع من المسلمين في تفسير القرآن الكريم فيصف هذا النوع بقوله:"ويقابل ذلك ـ أيضا ـ ما حدث في العصور الإسلامية حين حكم ـ بتشديد الكاف ـ العقل المسلم"القاموس البشري بـ"اللغة الإلهية"من خلال بعض المفسرين واللغويين الذين فرضوا على العقول أن تفهم اللغة الإلهية في القرآن الكريم في حدود محتويات"اللغة البشرية"التي أفرزتها خبرات ـ عربي ما قبل الإسلام ـ التي دونها اللغويون في قواميس اللغة وأعطوها مكانة المرجع الأول في فهم"الآيات القرآنية"و"النصوص العلمية" [1] .
ويرى أن مما يزيد من خطورة هذا المنهج الثاني"الخلط في المعاني""أنه في كل توجه للقرآن يبدأ وينتهي بالمعاني التي خزنها ـ عربي ما قبل الإسلام ـ في اللفظة التي ركبها ثم استمرت القواميس تكرر محتويات تلك الألفاظ دون أن تضيف إلى هذه المحتويات المعاني التي ولدت في العصور التي تلت ... ولقد انعكس هذا على كتب التفاسير القرآنية التي ظهرت في تلك الفترات" [2] .
ويرى الباحث أن هذا التقسيم، وما نتج عنه من معاني، يحتاج إلى توضيح بعض القضايا المشكلة، ومنها: أولا: ما مدى صحة إطلاق مصطلح"اللغة الإلهية"على الكتب السماوية، ومنها القرآن الكريم؟ ومنهج أهل السنة والجماعة في إطلاق صفة ما على الله سبحانه وتعالى يتوقف على ورودها في الكتاب والسنة، وما لم يرد به نص، فإن المسلم يتوقف في إطلاق لفظه على الله، ويستفسر عن معناه، فإن كان معناه صحيحا تدل عليه الأدلة من الكتاب والسنة فلا مانع من إطلاق ذلك المعنى، وإن كان المعنى لا تدل الأدلة على جوازه فإنه ينفى عن الله عز وجل [3] .
ثانيا: الاستشهاد بالمعاجم اللغوية في بيان معاني الآيات القرآنية خطوة مهمة من خطوات التفسير عند أصحاب الفن المتخصصين فيه، الذين ينبغي الرجوع إليهم والأخذ بطريقتهم في التفسير، فالقرآن قد نزل بلغة العرب الموجودة وقت نزوله، وليس باللغة التي تطورت وتغيرت عبر الزمن.
(1) - نفس المرجع، ص ص 276 - 277.
(2) - المرجع السابق، ص ص 277 - 278.
(3) - محمد بن صالح العثيمين، تقريب التدمرية، دار ابن الجوزي، الدمام، 1412 هـ، ص 52.