الصفحة 22 من 25

على أن هذا المذهب لا يعير اهتمامًا للمكان الذي تحقق فيه الضرر أو أثر النشاط الإجرامي الذي كان الجاني يسعى إلى تحقيقه فيه. فالآثار الضارة هي التي تبعث الفزع في نفوس الناس، في حين أن مكان وقوع السلوك لا يعدو أن يكون مصدر الضرر ليس إلاّ، كما أن تمام الجريمة لا يكون إلاّ في المكان الذي ظهرت فيه آثارها الضارة التي كان الجاني يقصدها أو يرغب في تحقيقها.

يضاف إلى ذلك أن تقادم الجريمة يتم احتسابه من الوقت الذي تحققت فيه النتيجة (الضرر) ، كما يؤخذ في الحسبان جسامة الضرر كأساس لتقدير التعويض ولا عبرة بخطورة الفعل أو درجة الخطأ. كذلك يعد حصول الضرر شرطًا أساسيًا لقيام المسؤولية المدنية، فتنفى هذه المسؤولية متى ما انتفى الضرر، ومن ثَم لا مصلحة للمدعي في الدعوى، ما يجعلها بالتالي غير مقبولة.

ومن المبررات التي سيقت لتعزيز هذا الاتجاه أن الأخذ به يحقق وحدة الجريمة وعدم الفصل بين عناصرها، كذلك يمتاز هذا الاتجاه في نظر المدافعين عنه بأنه أكثر واقعية على اعتبار أن الضرر له مظهر خارجي ملموس خلافًا للنشاط الذي قد لا يكون كذلك متى ما اتخذ صورة الامتناع أو السلوك السلبي.

ومن هنا، فقد لقي هذا الاتجاه ترحيبًا من بعض الفقه إلى جانب ذلك تم تبنيه من بعض التشريعات المقارنة، ومنها القانون الألماني الصادر في 5 ديسمبر 1975، والقانون الدولي الخاص التركي الصادر سنة 1982. كما أقرّته اتفاقية بروكسل لسنة 1969 بشأن المسؤولية عن أضرار التلوث بالبترول.

بالإضافة إلى ذلك دأب القضاء على تطبيقه في بعض المناسبات، من ذلك في واقعة عرضت على القضاء الأمريكي مؤداها أن قام رئيس فرقة باليه وهو على متن مركب أمريكي على قتل شخص موجود بمركب أجنبي بإطلاق النار عليه، وعند تقديمه للقضاء قضى بعدم اختصاصه بهذا الفعل مؤسسًا ذلك على أن الوفاة (النتيجة) قد تحققت على متن مركب أجنبي.

كما تكرر ذلك في واقعة أخرى مفادها أن شخصًا يحمل الجنسية الإنجليزية قُدِّم إلى المحاكمة أمام إحدى محاكم ولاية ماسوشيست الأمريكية عن تهمة القتل العمدي التي قضت باختصاصها بنظر الدعوى عن الواقعة المذكورة، على الرغم من أن النشاط حصل على متن مركب إنجليزي في عرض البحر، في حين أن وفاة المجني عليه جراء هذا الفعل تمت إثر وصوله إلى الولاية المذكورة [1] .

ومع ذلك، فإن هذا الاتجاه لم يكن بمنأى هو الآخر عن النقد، الذي يتركز

(1) ـ المرجع السابق، الموضع ذاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت