اقتضتها حماية المصالح الجوهرية للدولة أو متطلبات التعاون الدولي في مكافحة الإجرام [1] .
والأصل أن عناصر الركن المادي للجريمة تكتمل في مكان واحد، أو بالأحرى في نطاق إقليم دولة واحدة، حيث يقع السلوك الإجرامي (النشاط) ، وتترتب عليه آثاره الضارة في إقليم دولة واحدة، كأن يقدم أحدهم على طعن المجني عليه أو إطلاق الرصاص عليه، ما يفضي إلى وفاته في الحال أو بعد لحظة وجيزة، ومن ثم تعتبر الجريمة مرتكبة في هذا المكان. وعلى ضوء ذلك يتحدد القانون الواجب التطبيق، وبالتبعية المحكمة المختصة بنظر الدعوى.
بيد أن بعض الجرائم يتجاوز مداها ـ أحيانًا ـ حدود الدولة، حينما يتجزأ ركنها المادي أو يتوزع على أكثر من مكان بحيث يمكن وقوع السلوك في مكان، وليكن إقليم دولة (س) ، في حين تتحقق النتيجة الجرميّة الضارة في نطاق إقليم دولة (ص) ، ومن أمثلة ذلك أن يطلق شخص النار من داخل الأراضي الليبية تجاه آخر موجود على الأراضي المصرية، فيرديه قتيلًا أو العكس.
ويتجلى ذلك في عدد من الجرائم العابرة للحدود الإقليمية للدول والقارات، مثل جرائم تلويث البيئة البحرية والهوائية والاتجار بالمخدرات وغسل الأموال والقرصنة المعلوماتية وما إليها.
وهذا يقودنا إلى التساؤل عن مكان وقوع الجريمة في هذه الحالة، فهل هو مكان وقوع السلوك الإجرامي أم المكان الذي تحققت فيه النتيجة؟
لقد حاول الفقه الإجابة عن ذلك منذ وقت مبكر، من أجل حل مشكلة تنازع القوانين من حيث المكان (تنازع الاختصاص) بصدد هذه الفروض المثارة.
وانقسم الرأي إلى ثلاثة اتجاهات [2] ، فذهب الاتجاه الأول إلى أن العبرة في تحديد مكان وقوع الجريمة بالمكان الذي وقع فيه السلوك بقطع النظر عن المكان الذي تحققت فيه النتيجة، أو من المفترض تحققها فيه، وفي المقابل ذهب اتجاه آخر إلى أن مكان وقوع الجريمة يتحدد بالمكان الذي تحققت فيه النتيجة أو كان من المفترض تحققها فيه، وبين هذا وذاك انبرى اتجاه ثالث إلى أن العبرة في ذلك تكون بمكان حصول أي منهما (السلوك أو النتيجة) ، ولكل مذهب من هذه المذاهب مبرراته وأسانيده التي تعززه وتدعمه [3] .
وقبل الخوض في مسألة الاختصاص في جرائم المعلوماتية عبر الوطنية، وما يمكن أن يثيره من إشكاليات، ينبغي استعراض هذه الاتجاهات ومحاولة تقييمها
(1) ـ انظر: د. علي أحمد راشد، المدخل وأصول النظرية العامة 1974، ص 185؛ د. عدنان الخطيب، موجز القانون الجزائي، الكتاب الأول، المبادئ العامة في قانون العقوبات، مطبعة جامعة دمشق، 1963، ص 79؛ د. موسى مسعود ارحومة، الأحكام العامة لقانون العقوبات الليبي، الجزء الأول، النظرية العامة للجريمة، الطبعة الأولى، منشورات جامعة قاريونس (بنغازي) ، 2009، ص 110 وما يليها.
(2) ـ د. موسى مسعود ارحومة، تحديد النطاق المكاني لجرائم تلويث البيئة البحرية والقانون الواجب التطبيق، ورقة مقدمة إلى المؤتمر العلمي الخامس لكلية الشريعة والقانون/جامعة إربد الأهلية بعنوان:"البيئة في ضوء الشريعة والقانون ـ واقع وتطلعات"ـ الأردن، خلال الفترة 12 ـ 13/تموز (يوليو) 2006، ص 5 وما بعدها.
(3) ـ انظر: بحثنا السابق، الموضع ذاته؛ د. كمال أنور محمد القاضي، تطبيق قانون العقوبات من حيث المكان، رسالة دكتوراه، مقدمة إلى كلية الحقوق ـ جامعة القاهرة، 22 إبريل 1965، دار مطابع الشعب، ص 90 وما يليها.