لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق لغزوهم أقرع بين نسائه من يخرج معه، فكانت القرعة على عائشة الطاهرة رضي الله عنها وأرضاها، وفي طريق العودة كانت تحمل على هودج، فقدر الله في ذلك اليوم أن تكون خارج هودجها لتبحث عن عقد سقط منها، فلما أرادوا الرحيل لم يشعروا بعدم وجودها ورحلوا؛ فقد كانت صغيرة خفيفة الوزن، فلما رجعت لم ترهم.

قالت عائشة رضي الله عنها: (فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدوني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرس من وراء الجيش فأدلج، فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل أن يضرب الحجاب علي، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، ووالله ما يكلمني كلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حتى أناخ راحلته، فوطئ على يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش، بعدما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي بن ابن سلول،.
.
.
)
فاتهموها مع صفوان وبدأ هذا الإفك المبين ينتشر في المدينة، وبقيت عائشة شهرا لا تعلم شيئا عن ذلك، حتى علمت بذلك صراحة من أم مسطح، وكل ذلك ولم تتبين الحقيقة، ثم نزلت آيات تتلى إلى يوم القيامة من قوله تعالى: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم} [النور: 11] إلى قوله: {ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم} [النور: 21] آيات تبرئ الطاهرة المطهرة مما افتراه المفترون.


كانت غزوة دومة الجندل -موضع على طرف الشام بينها وبين دمشق خمس ليال، وبينها وبين المدينة خمس عشرة أو ست عشرة ليلة- في ربيع الأول من السنة الخامسة للهجرة.

وسببها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن بدومة الجندل جمعا كثيرا من القبائل، وأنهم يظلمون من مر بهم، وينهبون ما معهم، وأنهم يريدون أن يدنوا من المدينة لمهاجمتها؛ فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ألف من المسلمين، فكانوا يسيرون الليل، ويكمنون -يستترون- النهار، ومعه صلى الله عليه وسلم دليل له من بني عذرة يقال له: (مذكور)؛ فلما دنوا من دومة الجندل، هجموا على ماشيتهم ورعاتهم، فأصابوا ما أصابوا منهم، وهرب من هرب في كل وجه؛ فلما علم أهل دومة الجندل تفرقوا، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بساحتهم فلم يجد بها أحدا؛ فأقام بها أياما وبث السرايا وفرقها، فرجعت ولم تصب منهم أحدا، وأخذ منهم رجل؛ فسأله رسول الله عنهم، فقال: هربوا حين سمعوا أنك أخذت نعمهم؛ فعرض عليه الإسلام فأسلم، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ولم يلق كيدا.


هي من أعمال المدينة، تقع شمالي نجد وهي طرف من أفواه الشام، بينها وبين دمشق خمس ليال، وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة.

أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدنو إلى أداني الشام، وقيل له: إن ذلك مما يفزع قيصر، وذكر له أن بدومة الجندل جمعا كبيرا وأنهم يظلمون من مر بهم، وكان لها سوق عظيم وهم يريدون أن يدنوا من المدينة، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فخرج في ألف من المسلمين، فكان يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليل له من بني عذرة يقال له: مذكور، هاد خريت.

فلما دنا من دومة الجندل، أخبره دليله بسوائم بني تميم، فسار حتى هجم على ماشيتهم ورعائهم فأصاب من أصاب وهرب من هرب في كل وجه، وجاء الخبر أهل دومة الجندل فتفرقوا، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بساحتهم فلم يجد فيها أحدا، فأقام بها أياما، وبث السرايا ثم رجعوا، وأخذ محمد بن سلمة مسلمة رجلا منهم فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عن أصحابه فقال: هربوا أمس، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام فأسلم، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.


اختلف العلماء في وقت وقوع هذه الغزوة، والأصح والأظهر أنها كانت في شعبان من السنة الخامسة للهجرة، وذهب إلى هذا القول الذهبي، وابن القيم، وابن كثير، وابن حجر، وغيرهم.

فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، وأصاب يومئذ جويرية.

فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بني المصطلق يجمعون له، وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية بنت الحارث زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم خرج إليهم حتى لقيهم على ماء لهم يقال له: المريسيع.

من ناحية قديد إلى الساحل، فتزاحف الناس واقتتلوا فهزم الله بني المصطلق وقتل من قتل منهم، ونفل الله رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم ونساءهم وأموالهم فأفاءهم عليه.

وقد كان من بين السبي جويرية بنت الحارث سيد القوم، فأسلمت وتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، وأعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فكانت من أعظم الناس بركة على قومها.


بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بني المصطلق -وهم بطن من قبيلة خزاعة الأزدية اليمانية- يجمعون لقتاله، وقائدهم الحارث بن أبي ضرار؛ فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم خرج إليهم حتى لقيهم على ماء لهم يقال له: (المريسيع)، ولذلك تسمى هذه الغزوة أيضا: بغزوة المريسيع.

فتزاحف الناس واقتتلوا، فهزم الله بني المصطلق وقتل من قتل منهم، ونفل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم ونساءهم وأموالهم فأفاءهم عليه، وكان فيمن سبي جويرية رضي الله عنها بنت الحارث بن أبي ضرار سيد بني المصطلق، التي تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءته تستعينه في كتابتها، وجعل صداقها رضي الله عنها أربعين أسيرا من قومها، فأعتق الناس ما بأيديهم من الأسرى؛ لمكان جويرية رضي الله عنها.

وأثناء الرجوع من هذه الغزوة تكلم أهل الإفك بما تكلموا به في حق أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، الصديقة بنت الصديق المبرأة من فوق سبع سموات.

وفيها أيضا قال ابن أبي ابن سلول قولته: "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل!"، فسمعه زيد بن أرقم، ونزلت سورة "المنافقون".


كان سبب هذه الغزوة هو إجلاء يهود بني النضير من المدينة؛ حيث إن الحسد والحقد قد تمكنا من قلوبهم، مما جعلهم يضمرون العداء ويتحينون الفرص للتشفي ممن طردهم من المدينة وما حولها.

ولما لم يستطع يهود خيبر وخاصة بني النضير مجابهة المسلمين لجأوا إلى أسلوب المكر والتحريش.

وقد ذكر ابن إسحاق بسنده عن جماعة: أن الذين حزبوا الأحزاب نفر من اليهود، وكان منهم: سلام بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة بن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، فلما قدموا على قريش، دعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقالت لهم قريش: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه، قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه !!! واختلف العلماء في زمن وقوع هذه الغزوة، فمال البخاري إلى قول موسى بن عقبة: إنها كانت في شوال سنة أربع، بينما ذهبت الكثرة الكاثرة إلى أنها كانت في سنة خمس، قال الذهبي: وهو المقطوع به.

وقال ابن القيم: وهو الأصح.

قام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم بحفر خندق في المنطقة المكشوفة أمام الغزاة، وذكر ابن عقبة: أن حفر الخندق استغرق قريبا من عشرين ليلة.

وعن أنس رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال: اللهم إن العيش عيش الآخره، فاغفر للأنصار والمهاجره، فقالوا مجيبين له: نحن الذين بايعوا محمدا.
.
.

على الجهاد ما بقينا أبدا.

وعن البراء رضي الله عنه قال: لما كان يوم الأحزاب، وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأيته ينقل من تراب الخندق، حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه، وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة، وهو ينقل من التراب يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا.
.
.

ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزلن سكينة علينا.
.
.

وثبت الأقدام إن لاقينا، إن الألى قد بغوا علينا.
.
.

وإن أرادوا فتنة أبينا.

قال: ثم يمد صوته بآخرها.

وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت في قوله تعالى: {إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار} كان ذاك يوم الخندق.

وعندما وصلت الأحزاب المدينة فوجئوا بوجود الخندق، فقاموا بعدة محاولات لاقتحامه، ولكنهم فشلوا.

واستمر الحصار أربعا وعشرين ليلة.

وثقل الأمر على قريش بسبب الريح التي أكفأت قدورهم وخيامهم، كما قام المسلمون بالتخذيل بين اليهود والمشركين، فأرغموا على الرحيل وهزمهم الله تعالى، وكف شرهم عن المدينة.


وكان سبب نزولها أن عمر رضي الله عنه كان يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أمرت نساءك أن يحتجبن، فإنه يكلمهن البر والفاجر، فنزل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم.
.
.

إلى قوله تعالى:.
.
وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن".


وقعت هذه الغزوة بعد غزوة الأحزاب مباشرة، وكان سببها نقض بني قريظة العهد الذي بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم بتحريض من حيي بن أخطب النضري.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أرسل الزبير لمعرفة نيتهم، ثم أتبعه بالسعدين –سعد بن عبادة وسعد بن معاذ- وابن رواحة، وخوات بن جبير لذات الهدف ليتأكد من غدرهم.

وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، بقتالهم بعد عودته من الخندق ووضعه السلاح، فأوصى عليه الصلاة والسلام أصحابه أن يتوجهوا إلى بني قريظة، وقال لهم: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة).

كما في رواية البخاري، أو (الظهر) كما في رواية مسلم.

فضرب الرسول صلى الله عليه وسلم الحصار على بني قريظة لمدة خمس وعشرين ليلة على الأرجح، حتى نزلوا على حكم الرسول صلى الله عليه وسلم، فأحب أن يكل الحكم عليهم إلى واحد من رؤساء الأوس؛ لأنهم كانوا حلفاء بني قريظة، فجعل الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ، فلما دنا من المسلمين قال الرسول صلى الله عليه وسلم للأنصار: قوموا إلى سيدكم -أو خيركم- ثم قال: إن هؤلاء نزلوا على حكمك.

قال -أي سعد بن معاذ-: تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم.

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قضيت بحكم الله تعالى.

ونفذ الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الحكم فيهم، وكانوا أربعمائة على الأرجح.

ولم ينج إلا بعضهم، ثم قسم الرسول صلى الله عليه وسلم أموالهم وذراريهم بين المسلمين.