الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فلا شك أن ما وقعت فيه من سب الله تعالى، وسب رسوله صلى الله عليه وسلم، يعتبر كفرا أكبر مخرجا من الملة, وأما هل يسامحك الله تعالى؟
فالجواب: نعم، إن تبت إليه جل وعلا توبة صحيحة، مستجمعة لشروطها من الإقلاع، والندم على ما بدر منك، والعزم على عدم العودة إليه؛ وقد قال الله تعالى: { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ } الأنفال : 38 , وقال تعالى: { وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } الشورى : 25 , وقال تعالى فيمن فرط وأسرف على نفسه: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } {الزمر: 53}.
قال ابن كثير: هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله يغفر الذنوب جميعا لمن تاب منها، ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت، وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر. اهـ.
وقد أحسن القائل:
يستوجبُ العفوَ الفتى إذا اعترفْ ثم انتهى عما أتاه واقْتَرفْ
لقوله سبحانه في المعترِفْ إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سَلَفْ.
بل إن الله تعالى يفرح بتوبتك إن تبت فرحا عظيما، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ فِي أَرْضٍ دَوِّيَّةٍ، مَهْلِكَةٍ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَنَامَ، فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ، فَطَلَبَهَا حَتَّى أَدْرَكَهُ الْعَطَشُ، ثُمَّ قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِيَ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَاحِلَتُهُ وَعَلَيْهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ، وَشَرَابُهُ، فَاللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ. متفق عليه واللفظ لمسلم.
فاتقي الله أيتها السائلة، وأقبلي عليه بالتوبة النصوح، وأبشري بعدها بقبوله لتوبتك وفرحه بها.
وأما كيف تبدئين؟ فأول ما يبدأ به المرتد أن يدخل إلى الإسلام, فينطق الشهادتين, ثم اغتسلي، واجتهدي في المحافظة على أداء الصلاة في وقتها؛ وانظري الفتوى رقم: 217117 عن نصائح للثبات على فعل الصلاة، والفتوى رقم: 230965 عن ما يشرع لتوبة المرتد وما لا يشرع.
ومن أعظم ما يعينك على لزوم الاستقامة اختيار الرفقة الصالحة، فابحثي لك عن رفقة صالحة من المؤمنات يكن عونا لك على طاعة الله, وابتعدي كل البعد عن ما تشاهدينه وتسمعينه من المحرمات, واقطعي عنك دابر الوسوسة التي أوصلتك إلى تلك الحال، فلا تلتفتي إليها ولا تسترسلي معها.
وأما هل يقبل الله صومك من دون صلاة؟ فعلى القول بأن تارك الصلاة كسلا، لا يكفر كفرا أكبر، فإن صيامك صحيح, ولا يمكننا الحكم بأنه مقبول أم لا؟ لأن هذا غيب، وإنما نحكم عليه بالصحة من عدمها, وحتى المسلم المستقيم لا يُعلم هل صيامه مقبول أم لا؟ فكيف بتارك الصلاة، بل هو أحرى أن لا يقبل منه صيامه؛ وانظري الفتوى رقم: 38087 عن حكم صيام من لا يصلي, والفتوى رقم: 102857 حول نصائح لمن أراد التوبة, ونسأل الله أن يهديك.
والله أعلم.