الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فأما تأخر نزول المني عقب الجماع أو الاحتلام فأمر محسوس لا يفتقر إلى دليل، والعبرة في وجوب الغُسل بالاحتلام هي عند تحقق خروج المني، فمن احتلم ولم يجد منيا فلا غسل عليه، فإن خرج المني بعد استيقاظه وجب عليه الغُسل، وما صلاه من صلوات قبل خروج المني فقد وقع صحيحا مجزئا، وليس لذلك مدة يحد بها، قال ابن قدامة رحمه الله: إذا خرج الْمَنِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَهُ الْغُسْلُ، سَوَاءٌ اغْتَسَلَ قَبْلَ خُرُوجِهِ أَوْ لَمْ يَغْتَسِلْ لِأَنَّهُ مَنِيٌّ خَرَجَ بِسَبَبِ الشَّهْوَةِ، فَأَوْجَبَ الْغُسْلَ، كَمَا لَوْ خَرَجَ حَالَ انْتِقَالِهِ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ ـ رَحِمَهُ اللَّهُ ـ فِي الرَّجُلِ يُجَامِعُ وَلَمْ يُنْزِلْ، فَيَغْتَسِلُ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَنِيُّ: عَلَيْهِ الْغُسْلُ، وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ يُجَامِعُ فَاسْتَيْقَظَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، فَلَمَّا مَشَى خَرَجَ مِنْهُ، الْمَنِيّ قَالَ: يَغْتَسِلُ. انتهى.
وأما مع عدم تيقن خروج المني فلا يجب الغُسل، قال النووي رحمه الله: إذا قبل امرأة فأحس بانتقال المني ونزوله فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ فِي الْحَالِ شيء وَلَا عَلِمَ خُرُوجَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً إلَّا أَحْمَدَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ يَجِبُ الْغُسْلُ قَالَ وَلَا يُتَصَوَّرُ رُجُوعُ الْمَنِيِّ، دَلِيلُنَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ ـ وَلِأَنَّ الْعُلَمَاءَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحَسَّ بِالْحَدَثِ كَالْقَرْقَرَةِ وَالرِّيحِ وَلَمْ يخرج منه شيء لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ فَكَذَا هُنَا. انتهى.
وبه يتبين جواب مسألتك، وأن المني قد يتأخر خروجه عن الاحتلام وليس لذلك مدة معينة، ومن لم ير المني لم يلزمه غسل، فإذا تحقق خروجه وجب الغُسل وما صلي قبل ذلك من صلوات فهو صحيح مجزئ.
والله أعلم.