أصحاب الجنة


الحلقة مفرغة

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

حديثنا سيكون عن المال الذي هو الفتنة الكبرى التي يبتلي بها ربنا جل جلاله من شاء من عباده، وهذه الفتنة حملت بعض الناس على الكفر بالله عز وجل، كما فعل قارون، الذي قال: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي[القصص:78]، وكما قال صاحب الجنتين: وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنقَلَباً [الكهف:36]، وحملت بعض الناس على الفسق حين استعملوا هذا المال في الصد عن سبيل الله، ونشر الفواحش والموبقات، وقليل من الناس من يشكر نعمة الله عليه في المال.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( نعم المال الصالح للعبد الصالح، وإنما الدنيا لأربعة نفر: رجل آتاه الله مالاً وعلماً فهو يقضي في ماله بعلمه، يتقي ربه ويصل رحمه فهو بأرفع المنازل، ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً، فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً فهو يخبط في ماله، لا يتقي ربه ولا يصل رحمه فهو بأخبث المنازل، ورجل لم يؤته الله مالاً ولا علماً فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهما في الوزر سواء ).

أيها الإخوة الكرام! في سورة القلم يذكر لنا ربنا جل جلاله نموذجاً لأناس آتاهم الله مالاً، فما شكروا نعمة الله، ولا عرفوا حق الله، فبدل الله تلك النعمة نقمة، وذلك اليسر عسراً، يقول سبحانه: إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ [القلم:17-18]، وهؤلاء كما قال بعض أهل التفسير: كانوا في قرية على بعد ستة أميال من صنعاء، أو كانوا في الحبشة، الله أعلم! فالقرآن لا يهتم كثيراً بتعيين المكان، وكان لهم أب صالح، إذا كان وقت الجذاذ، فإنه يقسم هذا المحصول أثلاثاً:

ثلث يأكله هو وأهل بيته، وثلث للفقراء والمساكين، وثلث يرده في تلك الجنة، أو في ذلك البستان؛ من أجل أن يكون تثميراً وتنمية له، فخلف من بعده خلف ما عرفوا حق الله، ولا عرفوا أن المال امتحان وفتنة، وأنهم مستخلفون فيه، فلما مات أبوهم، وجاء وقت الحصاد، قالوا: لا نصنع كما صنع أبونا، ولا نعطي مالنا لهؤلاء، نحن الذين تعبنا وأشرفنا وثمرنا ونمينا، فلابد أن نمسك مالنا علينا، وكانت تلك الجنة من العنب، يقول الله عز وجل: إِذْ أَقْسَمُوا[القلم:17]، أي: حلفوا بالله، لَيَصْرِمُنَّهَا[القلم:17]، أي: يحصدنها، مُصْبِحِينَ [الحجر:66] أي: عند الفجر، قبل أن يستيقظ المساكين، وَلا يَسْتَثْنُونَ [القلم:18]، يعني: ما قالوا إن شاء الله، فقد بلغ بهم الحال أنهم ظنوا أنهم قادرون على ما يريدون.

إهلاك الله للجنة

يقول سبحانه: فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ [القلم:19]، ينسب إلى ابن عباس رضي الله عنهما تفسير هذه الآية: بأن الله عز وجل أرسل ملكاً فاقتلعها، وحملها من مكانها إلى بلدة أخرى يقال لها: الطائف؛ ولذلك يقول الله عز وجل: فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ[القلم:19]، الله أعلم هل كان هذا الطائف حريقاً، أو كان صاعقة، أو كان كما ينسب لـابن عباس اقتلعها ملك فنقلها إلى مكان آخر، الله على كل شيء قدير، وكما قال سبحانه: فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [العنكبوت:40].

فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ [القلم:20]، أي: أصبحت كالليل البهيم، أصبحت مكاناً مظلماً بعد تلك الزهرة، وتلك النضارة، وذلك الجمال.

ثم يفصل القرآن مرة أخرى بعدما أجمل ما كان، يقول سبحانه: فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ [القلم:21]، في الصباح أيقظ بعضهم بعضاً، هلموا إلى حاجتكم: أَنْ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَارِمِينَ [القلم:22]، إن كنتم أصحاب همة وعزيمة ومضاء فيما نويتم فهلموا، فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ [القلم:23]، يتكلمون بالنجوى؛ لئلا يسمع بهم المساكين فيمشون وراءهم.

ثم قال: أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ [القلم:24]، أي: والله العظيم! لن يدخلها اليوم مسكين، والله جل جلاله يعلم السر والنجوى، يسمع دبيب النملة السوداء، في الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء.

فهذا التخافت وتلك النجوى الله عز وجل مطلع عليها؛ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا[المجادلة:7].

رجوع أصحاب الجنة باللوم على أنفسهم وتوبتهم إلى ربهم

قال: وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ [القلم:25]، (الغدوة) الذهاب في الصباح، عَلَى حَرْدٍ[القلم:25]، قال مجاهد بن جبر : على غيظ، فقد كانوا مغتاظين من أولئك المساكين، حاقدين عليهم، وقال ابن كثير رحمه الله: على قوة وشدة.

فلما وصلوا إلى المكان ورأوا ما هنالك، قالوا: إِنَّا لَضَالُّونَ [القلم:26]، أي: قد أخطأنا الطريق، فما هي بجنتنا التي نعرف، ولا بأرضنا التي ألفناها، ثم استدركوا واستيقظت عقولهم، فقالوا: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ[القلم:27-28]، أي: أعدلهم وخيرهم: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ [القلم:27-28]، أي: قد قلت لكم: اتقوا الله، فما هذا بالعمل الفاضل ولا بالفعل النبيل، ولا بالخصلة الجميلة أن تمنعوا حق الله عز وجل في مالكم.

قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [القلم:29]، لكن بعد أن انتهى كل شيء، فهم كالأحمق الذي رآه الناس ذاهباً إلى السوق، فقالوا له: أين تريد؟ فقال: أريد أن أشتري بقرة، قالوا: قل إن شاء الله، قال: ولم؟ المال في جيبي والسوق مليء بالبقر! لا أحتاج إلى أن أقول إن شاء الله، فذهب المسكين فسرقوه، فرجع بخفي حنين، فقالوا له: أين البقرة؟ فقال: سرقت الفلوس إن شاء الله!

فهؤلاء أيضاً قالوا: سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ [القلم:29-30]، بدأ يلوم بعضهم بعضاً، ويعنف بعضهم بعضاً.

قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ [القلم:31]، أي: كنا متجاوزين للحدود، ما اتقينا الله عز وجل في هذا المال الذي جعلنا مستخلفين فيه، ثم رجعوا وأنابوا فقالوا: عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْراً مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ [القلم:32]، أي: تائبون، تابوا ورجعوا إلى الله عز وجل، ومن تاب تاب الله عليه، والله عز وجل يجازي عبده بالخير خيراً، ويجازيه بالسوء سوءاً، كما قال سبحانه: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ[النساء:123]، وفي الحديث: ( اللهم أعط منفقاً خلفاً، اللهم أعط ممسكاً تلفاً )، وهذه قاعدة مطردة أن الجزاء من جنس العمل، يقول صلى الله عليه وسلم: ( من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة )، ولا يظلم ربك أحداً.

يقول سبحانه: فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ [القلم:19]، ينسب إلى ابن عباس رضي الله عنهما تفسير هذه الآية: بأن الله عز وجل أرسل ملكاً فاقتلعها، وحملها من مكانها إلى بلدة أخرى يقال لها: الطائف؛ ولذلك يقول الله عز وجل: فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ[القلم:19]، الله أعلم هل كان هذا الطائف حريقاً، أو كان صاعقة، أو كان كما ينسب لـابن عباس اقتلعها ملك فنقلها إلى مكان آخر، الله على كل شيء قدير، وكما قال سبحانه: فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [العنكبوت:40].

فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ [القلم:20]، أي: أصبحت كالليل البهيم، أصبحت مكاناً مظلماً بعد تلك الزهرة، وتلك النضارة، وذلك الجمال.

ثم يفصل القرآن مرة أخرى بعدما أجمل ما كان، يقول سبحانه: فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ [القلم:21]، في الصباح أيقظ بعضهم بعضاً، هلموا إلى حاجتكم: أَنْ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَارِمِينَ [القلم:22]، إن كنتم أصحاب همة وعزيمة ومضاء فيما نويتم فهلموا، فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ [القلم:23]، يتكلمون بالنجوى؛ لئلا يسمع بهم المساكين فيمشون وراءهم.

ثم قال: أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ [القلم:24]، أي: والله العظيم! لن يدخلها اليوم مسكين، والله جل جلاله يعلم السر والنجوى، يسمع دبيب النملة السوداء، في الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء.

فهذا التخافت وتلك النجوى الله عز وجل مطلع عليها؛ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا[المجادلة:7].

قال: وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ [القلم:25]، (الغدوة) الذهاب في الصباح، عَلَى حَرْدٍ[القلم:25]، قال مجاهد بن جبر : على غيظ، فقد كانوا مغتاظين من أولئك المساكين، حاقدين عليهم، وقال ابن كثير رحمه الله: على قوة وشدة.

فلما وصلوا إلى المكان ورأوا ما هنالك، قالوا: إِنَّا لَضَالُّونَ [القلم:26]، أي: قد أخطأنا الطريق، فما هي بجنتنا التي نعرف، ولا بأرضنا التي ألفناها، ثم استدركوا واستيقظت عقولهم، فقالوا: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ[القلم:27-28]، أي: أعدلهم وخيرهم: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ [القلم:27-28]، أي: قد قلت لكم: اتقوا الله، فما هذا بالعمل الفاضل ولا بالفعل النبيل، ولا بالخصلة الجميلة أن تمنعوا حق الله عز وجل في مالكم.

قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [القلم:29]، لكن بعد أن انتهى كل شيء، فهم كالأحمق الذي رآه الناس ذاهباً إلى السوق، فقالوا له: أين تريد؟ فقال: أريد أن أشتري بقرة، قالوا: قل إن شاء الله، قال: ولم؟ المال في جيبي والسوق مليء بالبقر! لا أحتاج إلى أن أقول إن شاء الله، فذهب المسكين فسرقوه، فرجع بخفي حنين، فقالوا له: أين البقرة؟ فقال: سرقت الفلوس إن شاء الله!

فهؤلاء أيضاً قالوا: سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ [القلم:29-30]، بدأ يلوم بعضهم بعضاً، ويعنف بعضهم بعضاً.

قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ [القلم:31]، أي: كنا متجاوزين للحدود، ما اتقينا الله عز وجل في هذا المال الذي جعلنا مستخلفين فيه، ثم رجعوا وأنابوا فقالوا: عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْراً مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ [القلم:32]، أي: تائبون، تابوا ورجعوا إلى الله عز وجل، ومن تاب تاب الله عليه، والله عز وجل يجازي عبده بالخير خيراً، ويجازيه بالسوء سوءاً، كما قال سبحانه: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ[النساء:123]، وفي الحديث: ( اللهم أعط منفقاً خلفاً، اللهم أعط ممسكاً تلفاً )، وهذه قاعدة مطردة أن الجزاء من جنس العمل، يقول صلى الله عليه وسلم: ( من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة )، ولا يظلم ربك أحداً.

ورسولنا صلى الله عليه وسلم حكى لنا قصة شبيهة بمن بدلوا نعمة الله كفراً، ثبت في الصحيحين: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى، أراد الله أن يبتليهم، فأرسل إليهم ملكاً، فقال للأبرص: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يعطيني الله جلداً حسناً، ولوناً حسناً، وأن يذهب عني هذا الذي قذرني الناس من أجله، فمسح الملك عليه فأعطاه الله جلداً حسناً، ثم قال له: أي المال أحب إليك؟ قال: الإبل، فأعطاه ناقة عشراء )، (الناقة العشراء): التي حملت لعشرة أشهر من طروق الفحل إياها، ( ثم قال له: بارك الله لك فيها، فأنتجت، فكان له واد من الإبل.

ثم أتى الأقرع، فقال له: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، فمسح على رأسه، فكساه الله شعراً حسناً، ثم قال له: أي المال أحب إليك؟ قال: البقر، فأعطاه بقرة حاملاً، وقال له: بارك الله لك فيها، فولدت، فكان له واد من البقر.

ثم أتى الأعمى، فقال له: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله إلي بصري، فأبصر الناس، فمسح على عينيه فرد الله إليه بصره، ثم قال له: أي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطاه شاة وقال: بارك الله لك فيها، فكان لهذا واد من الغنم، ولذاك واد من البقر، وللأول واد من الإبل.

ثم أرسل الله إليهم الملك في صورة مسكين، فأتى الأول -الأبرص- فقال له: أنا شيخ كبير، وابن سبيل، قد انقطعت بي الحبال، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالله أن تعطيني ناقة أتبلغ بها في سفري، فقال له: الحقوق كثيرة )، يعني: عندنا مشاكل، عندنا ضرائب وعندنا عوائد وعندنا كذا وكذا، ( فقال له: كأني أعرفك؟! ألم تكن أبرص يستقذرك الناس فعافاك الله، وكنت فقيراً فأغناك الله، فقال: كلا، إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر )، أي: ورثته من أبي وجدي، فقال له الملك: ( إن كنت كاذباً فصيرك الله كما كنت.

ثم أتى الأقرع، فقال له: أنا ابن سبيل، قد انقطعت بي الحبال فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك.

أسألك بالله أن تعطيني بقرة أتبلغ بها في سفري، فقال مثل ما قال الأول، فقال له الملك: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت.

ثم أتى إلى الأعمى، فقال له: أسألك بالله أن تعطيني شاة أتبلغ بها في سفري، فقال له: لقد كنت أعمى فعافاني الله، فقيراً فأغناني الله، فوالله لا أمنعك شيئاً أخذته لله، خذ ما شئت ودع ما شئت، فقال له الملك: أمسك عليك مالك، فإنما ابتليتم وقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك ).

فالمال فتنة، أعطاه الله عز وجل بعض عباده؛ لينظر كيف يعملون، كيف يتصرفون بهذا المال؟

وبعض أصحاب المال، الناس هم الذين يتسببون في طغيانه، يعرفونه جاهلاً، لا يعي شيئاً ولا يفقه من الدنيا إلا قليلاً، وهذا القليل هو الذي توصل به إلى جمع هذا المال، ومع ذلك يضفون عليه من الألقاب والمحاسن، والمديح الكاذب، والثناء بالباطل، ما يجعله ينتفخ ويظن نفسه فوق الناس، يعني: كما قال الأول:

إن الغني وإن تكلم بالخطا قالوا أصبت وما نطقت محالاً

وإذا الفقير أصاب قالوا كلهم أخطأت يا هذا، وقلت ضلالاً

إن الدراهم في المواطن كلها تكسو الرجال مهابة وجلالاً

فهي اللسان لمن أراد فصاحة وهي السلاح لمن أراد قتالاً

فصاحب الدراهم كلما قال شيئاً قالوا له: أصبت، ويوماً بعد يوم من كثرة الكذب الذي يدور من حوله يصدق أنه مصيب، وأنه علامة، وأنه على خير عظيم، وأنه لا ينطق إلا بالحق، ولا يقول إلا الصدق.

وبالمقابل يكون حال الفقير كما قال القائل:

رأيت الفقير وكل شيء ضده والناس تغلق دونه أبوابها

وتراه ممقوتاً وليس بمذنب ويرى العداوة لا يرى أسبابها

حتى الكلاب إذا رأت رجل الغنى حنت إليه وحركت أذنابها

وإذا رأت يوماً فقيراً ماشياً نبحت عليه وكشرت أنيابها

هذه المادية التي تطغى على الناس، فتجعلهم يزنون الإنسان بمقدار ما عنده من مال، إذا كان عنده مال فهو المقدم، وهو المعظم، حتى في الصلاة، أحياناً يقدمون صاحب المال، وإن كان لا يقيم لسانه بفاتحة الكتاب.




استمع المزيد من الشيخ الدكتور عبد الحي يوسف - عنوان الحلقة اسٌتمع
ذو القرنين 2686 استماع
فرعون 2283 استماع
يوسف عليه السلام 2221 استماع
قارون 1971 استماع
زيد بن حارثة 1940 استماع
عيسى بن مريم عليه السلام 1876 استماع
أبو بكر الصديق 1737 استماع
أبي بن خلف وعقبة بن أبي معيط 1661 استماع
خولة بنت ثعلبة وأم كلثوم بنت عقبة وحفصة بنت عمر وآسيا بنت مزاحم 1643 استماع
يونس عليه السلام 1603 استماع