عداوة الشيطان


الحلقة مفرغة

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين, وأصلي وأسلم على من بعث رحمةً للعالمين, وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن العاقل الذي يدرك أنه في مواجهة وحرب لا بد أن يعد العدة لتلك المواجهة, ولا بد أن يميز بين عدوه وصديقه, وإننا في هذه الدار قد كتب الله علينا جبهات مفتوحة, ومن أقطن هذه الجبهات وأنكاها وأشدها جبهة إبليس؛ لكثرة جنوده وتنوعها, فإن له جنوداً من الإنس وجنوداً من الجن, وإنه قد أقسم بعزة الله ليغوين أكثر البشر.

وقد تحققت يمينه في أكثرهم كما أخبر الله بذلك؛ فقال: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ[ص:82-83], وقد قال الله تعالى: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ[سبأ:20], فصدقت يمينه في إغواء أكثر البشر؛ ولهذا قال الله تعالى: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ[هود:17], وقال: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ[الأنعام:116]؛ فأكثر الخلائق هم من جند إبليس, وهذا يدلنا على أن الكثرة ليست ملازمة للنصر؛ بل قد قال الله تعالى: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ[البقرة:249].

ولا شك أن الله حكم بالفلاح والفوز لحزبه الموحدين, وحكم بالخسران والهلاك على حزب الشيطان الخاسرين فقال تعالى: إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ المُفْلِحُونَ[المجادلة:22], وقال: إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ[المائدة:56], وقال: إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ[المجادلة:19].

إن اتخاذ الشيطان عدواً يقتضي منك أن تنقص جنده, وإن نقص جنده لا يمكن أن يتحقق إلا بإرادة ذلك والسعي من أجله، فهذا الذي يتقبله الله, وهذا الذي يثاب الإنسان عليه.

والانتصار الحقيقي على الشيطان ليس بقتل أكبر عدد ممكن من أتباعه وجنوده؛ بل بإعادتهم إلى رشدهم وجعلهم في الحزب الآخر في حزب الله؛ فنقل الأفراد من أن يكونوا من حزب الشيطان وجنده إلى أن يصبحوا من حزب الله، ومن المجاهدين في سبيل الله هو أعظم انتصار على إبليس, ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـعلي بن أبي طالب رضي الله عنه حين أعطاه اللواء يوم خيبر: (فلأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم).

إن نقص جنود إبليس هو واقع العداوة له, وهو الذي يستطيع أن تضره به؛ لأنك لا تستطيع أن تقتله فقد ضمن الله له البقاء مدة هذه الدنيا: قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ المَعْلُومِ[الحجر:37-38].

ولا يضره ما يوجه إليه من الكلام الخبيث فقد لعنه الله, وبذلك لا تضر إبليس، إنما تضره وتحقق عداءك له بنقص أعوانه, وأبلغ ذلك أن تدخلهم في حزب الله, وأن تجعلهم من الناصرين لله؛ ولذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عرض عليه ملك الجبال أن يصدم الأخشبين على أهل مكة قال: (لا، فإني لأرجو أن يخرج الله من أصلابهم رجالاً يعبدون الله لا يشركون به شيئاً)؛ فانتصار رسول الله صلى الله عليه وسلم على إبليس هو بوقوف خالد بن الوليد في الصف أمام حزب الشيطان يجاهد في سبيل الله, ووقوف أبي سفيان بن حرب تحت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاهد في سبيل الله, وقد فقد عينه اليمنى يوم الطائف تحت لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم, وفقد عينه اليسرى يوم اليرموك تحت لواء ابنه يزيد كل ذلك في سبيل الله.

وهذا الانتصار من مظاهره أيضاً وقوف صفوان بن أمية بن خلف يقاتل في سبيل الله، ويغزو الروم في ديارهم رافعاً لواء التوحيد.

ومن مظاهره: خروج عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام رافعاً سيفه في وجه الأعداء الذين دعا الله الأعراب لمجاهدتهم وهم بنو حنيفة باليمامة؛ فقد أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا[الفتح:16]؛ فكان عكرمة بن أبي جهل أحد قادة الإسلام المجاهدين لأولئك القوم, والذين أبلوا بلاءً حسناً.

ومن مظاهر انتصار رسول الله صلى الله عليه وسلم على إبليس: أن أبناء المشركين الذين تربوا على الشرك في أحضان آبائهم وأمهاتهم، وهم الذين كانوا يكسرون الأصنام؛ كأولاد عمرو بن الجموح الذين كانوا يلطخون صنمه بالنجس وربطوه مع كلب ميت ورموا به في بير, فكان ذلك سبب إسلام عمرو بن الجموح .

إن الانتصار على إبليس ممكن في كل العصور, وهو أن يقصد الإنسان عدواً من أعتى أعداء الله، وولياً من أولياء إبليس، فيسعى لهدايته ويسعى لإقامته في الصف المؤمن المجاهد في سبيل الله الرافع للواء الإسلام, فإذا تحقق له ذلك فقد استطاع أن ينتصر على إبليس، وأن يحقق نصراً في هذه الحرب الطويلة الأمد مع هذا العدو اللدود.

إن لإبليس مكايد كثيرة، من أعظمها: أنه لا ييأس من الإنسان إلا عند النزع، فلا يزال يطمع في صرف الإنسان عن سبيل مدة حياته, يحاول معه الوقوع في الشرك سواءً كان قاصداً عامداً أو كان غافلاً أو جاهلاً يوقعه في الشرك بالله, وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ من ذلك فيقول: (اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم, وأستغفرك لما لا أعلم).

فإذا يئس من إدخاله في الشرك حاول إيقاعه في إحدى الموبقات وكبائر الذنوب والفواحش, فإن عجز عن ذلك حاول أن يثنيه عن أداء فريضة من فرائض الله وركن من أركان الإسلام؛ فإن هو عجز عن ذلك حاول أن يوقعه في اللمم بصغائر الذنوب لعلها تقوده إلى الكبائر, فإن هو عجز عن ذلك حاول أن يترك بعض السنن المكملة للفرائض لعل الفرائض يدخلها النقص, فإن هو عجز عن ذلك حاول أن يوقعه في المكروهات التي تهوي به إلى المحرمات إن هو استرسل فيها.

فإن عجز عن ذلك حاول أن يترك بعض المندوبات التي هي سياج دون السنن، والسنن سياج دون الفرائض, فإن هو عجز عن ذلك حاول أن يوقعه في خلاف الأولى حتى يخسر بعض وقته, ويضيع منه بعض عمره, فإن هو عجز عن ذلك حاول شغله بالمندوب عن الواجب, وبالمفضول عن الفاضل, فإن هو عجز عن ذلك حاول أن يوقعه في اللغو في الفرائض حتى يزيد فيها عن الحد المطلوب, فإن هو عجز عن ذلك حاول معه الغلو أيضاً في بعض المحرمات والابتعاد عنها حتى يترك بعض ما هو حلال له فيحرم ما أحل الله، فيقع في النقص من وجه آخر.

هذه المحاولات المتتالية هي شبكة من شباك إبليس يحاول بها اصطياد عباد الله, ويوقع بها كثيراً من الضحايا كل يوم, وهي أنكى وأشد من وقع الصواريخ والطائرات والدبابات.

إن لإبليس جندين قائمين أحدهما: جند الشهوات, والثاني: جند الشبهات.

أما جند الشهوات فهو ينقسم إلى قسمين: إلى الشهوات الحسية، كشهوة البطن والفرج, وإلى الشهوات المعنوية كحب الرئاسة وحب الانتصار والولع بنقد الآخرين والكلام فيهم. وهذا الجند -وهو جند الشهوات- قل من ينجو من الوقوع فيه في كل عمره, فكثيراً ما يكون الإنسان في ساعة ضعف فيستهويه الشيطان لشهوة من الشهوات, إن استطاع أن يوقعه في الشهوات الحسية كحال كثير من الذين وقعوا في شراك إبليس وخداعه استجاب لذلك, فإن سمت نفسه عن ذلك ولم تكن الدنيا مؤثرة عليه إيقاعه بالشبهات المعنوية.

فإن هو عجز عن ذلك حاول أن يزين له نوعاً من الشهوات من جنس آخر، وهو حب الاطلاع على ما يكتمه الآخرون عنه, أو حب نقدهم حتى يجعل من نفسه حكماً عليهم, أو أن يحاول في هذه الشهوات أن يجعل العبادة شهوة لديه فيمارسها بطريق الشهوة لا بطريق التعبد؛ فيذهب إلى الصلاة متطهراً متوضأ، لكن لا يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله, وإنما يفعله عادةً وشهوةً جرى عليها وتعود عليها من لدن آبائه وأجداده.

أما الجند الثاني وهو جند الشبهات: فهي تنقسم إلى قسمين أيضاً: إلى شبهات في التعامل مع الله, وشبهات في التعامل مع الناس. ثم الشبهات في التعامل مع الله تنقسم إلى قسمين: إلى شبهات عقدية, وشبهات تعبدية.

الشبهات العقدية

أما الشبهات العقدية فلا يزال يلقي على الإنسان من أنواع الشبهات حتى يقول له: هذا العالم خلقه الله فمن خلق الله؟ كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا يزال يشككه في الأمر الذي لا ريبة فيه ولا يشك فيه إلا من عطل عقله وفطرته وابتعد عن دين الله بالكلية.

إن الإنسان ليعجب إذا سمع كلام بعض الذين وقعوا في حبائل إبليس وشراكه في الشبهات العقدية كيف تشبثوا بما هو أضعف من نسج العنكبوت, وكيف تركوا وراءهم كتاب الله المحكم والسنة الصحيحة الصريحة, وتشبثوا بالموضوعات والضعاف والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، وهم يتركون وراءهم الوحي البين السادر الذي هو كالشمس في رابعة النهار, إن هذا من العجائب؛ لكن من عرف طرق إغواء إبليس للناس عرف أنه لا يستغرب عليه مثل هذا النوع من الخداع, فنحن نرى بعض أعوان إبليس من الإنس يخدعون الناس بأنواع الكلام الذي هو من جنس السحر كما بين النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من البيان لسحراً)؛ فيوقعونهم بذلك في الأخطار والأخطاء؛ فكيف لا يكون إبليس الذي هو قائد هذا الحزب, والذي ألهم أنواع الشبه مقتدراً على هذا النوع من التخليط على الناس والتلبيس عليهم.

إن العجيب أن بعض الذين يلبس عليهم فيتشبثون بما هو أوهى من نسج العنكبوت, لا يهتمون في كثير من الأحيان بدراسة ما هو نافع، ولا يدرسون العلم الصحيح, وإنما يبحثون عن متشابهات من الكتاب أو متشابهات من السنة، أو ضعاف لا تقوى إلى درجة الاحتجاج فيتشبثون بها، ويتركون وراءهم الحق المبين الواضح الذي لا لبس فيه ولا خفاء.

إن من أغرب الغرائب ما يحدث به بعض المصلحين في هذا الزمان، من أنه لقي رجلاً من الذين يتشبثون بهذا النوع من التعللات، فسأله عن حكم الشرع فبين له ذلك الحكم بدليله من الكتاب وبعدد من الأحاديث التي تدل عليه؛ فقال: لكن ورد في أثر موقوف رواه الترمذي الحكيم بلا إسناد في نوادر الأصول كذا وكذا, فقال: أبهذا تعارض كلام الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! إن هذا هو من فعل إبليس, وهو الذي يجعل كثيراً من الناس يجمع الحجج الواهية والمترديات والنطيحات لأمر ليس له به علاقة، وهو في غنى عنه، والدين كله في غنىً عنه, وإنما تشبث به؛ لأن إبليس ربط رأسه فيه وعقد عليه العقد، فلا يستطيع الخلاص من شبكة إبليس التي عقد على رأسه بوجه من الوجوه.

كذلك فإن من أنواع الشبه العقدية التي يلقيها إبليس أيضاً: ما يتعلق بهواية تكفير الآخرين أو تضليلهم أو الغلو في نصوص الشرع في المقابل, فقد ذكرنا أن إبليس لا ييأس ولا يقنط إلا عند الموت, فإذا وجد إنساناً مستقيم العقيدة في ذاته، وأيس أن يوقعه في هذه الشبهات العقدية حاول أن يوقعه في نوع آخر من الشبهات العقدية، وهو أن يحكم على الآخرين بالغلو, وأن يخرج عن الجادة، فبدلاً من أن كان طالب علم أو حتى عالماً أو داعيةً انتقل إلى قاض يحاكم الآخرين دون أن يستدعيهم، ودون أن ينظر في البينات والدعاوي, ويصدر الأحكام دون أن يتأهل لذلك.

إن هذا لا شك من كيد إبليس وهو سبب لحصول الفرقة والنزاع في البشرية، وهذا من أهم ما يسعى إليه إبليس, فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أن لإبليس عرشاً على الماء يبث سراياه بالليل؛ فيأتيه أحدهم فيقول: ما زلت به حتى زنى، فيقول: ما فعلت شيئاً، لعله يتوب فيتوب الله عليه, فيأتيه آخر فيقول: ما زلت به حتى قتل، فيقول: ما فعلت شيئاً، لعله يتوب فيتوب الله عليه, فيأتيه آخر فيقول: ما زلت به حتى شرب الخمر، فيقول: ما فعلت شيئاً لعله يتوب فيتوب الله عليه, فيأتيه آخر فيقول: ما زلت به حتى فرقت بينه وبين أهله، فيدنيه ويقبله ويقول: أنت ابني).

إنه يسعى للتفرقة بين الناس بكل وجه من الوجوه، ويسعى لأن يحدث بينهم العداوة والبغضاء، فهذا سعيه، ويتخذ لذلك الوسائل المختلفة كشرب الخمر وكالصفقات الربوية وكأنواع القمار والميسر، كل ذلك من وسائل إحداث البغضاء والشحناء بين الناس, وقد ذكر أهل العلم من المتأخرين: أن السياسة لدى المتأخرين وبالأخص في العالم العربي هي مثل الخمر والميسر يريد الشيطان أن يوقع بها العداوة والبغضاء بين الناس؛ ولذلك تشهدون في بلادنا أن أرحاماً كثيرةً قطعت بسبب خلافات سياسية وانتماءات لأحزاب, وفي بعض الأحيان في داخل حزب واحد تتنافس الأسرة الواحدة، فيقع بينها من البغضاء والشحناء وقطيعة الرحم ما الله به عليم؛ فقد قال الله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ[المائدة:90-91].

إن هذه الصلاة هي التي تجمع القلوب وتؤلفها على الحق, وإن ذكر الله هو الذي يزيل العداوة والبغضاء: أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ[الرعد:28], لأنه هو الذي يفر منه إبليس.

إن هذه الشبه العقدية الكثيرة تنتشر عند ما ينشغل الناس عن الجهاد في سبيل الله وعن غزو العدو, فإذا تراجع المسلمون وانكفئوا على الخلافات الداخلية فيما بينهم، انتشرت بينهم البدع المضلة, فلم تشع هذه البدع والشبهات العقدية في أوقات الجهاد والاستشهاد والنصرة، وعندما تنطلق جيوش المسلمين غازية إلى مشارق الأرض ومغاربها لا تسمع لأهل الأهواء والفرق أي قول، ولا ترى لهم أية كلمة, لكن عندما ترجع الجيوش ويركن الناس إلى الراحة, وينشغلون بأمور الدنيا يقوم قائم الفتنة، ويصدح داعيها رافعاً عقيرته ورافعاً لواءه فيجتمع حوله من أضلهم الله.

إن هذا جرب في تاريخ الإسلام كله, وقد خاف الصحابة رضوان الله عليهم عندما رأوا كثيراً من الناس فتحت عليهم الدنيا أبوابها، فأقبلوا يهدبونها ولم يخرجوا في الشاتية ولا في الصائفة، فرأوا أن جلوس هؤلاء مظنة لانشغالهم بالشبه العقدية, وهذا ما حصل؛ فقد قامت فرقة القدرية ثم فرقة الجبرية وقبل ذلك فرقة الخوارج وبعدهم فرقة الشيعة وهكذا.

الشبهات التعبدية

أما النوع الثاني من شبهاته في التعامل مع الله: فهو الشبهات التعبدية؛ فما نراه من الوساوس لدى الناس في الطهارة والصلاة وفي غير ذلك من أنواع العبادات، كله من سعيه الحثيث؛ فإنه يسعى لتقليل شأن العبادة لدى الإنسان حتى لا تكون ذات بال في تصوره, ومن علامات ذلك صعوبتها على الإنسان وتكاسله فيها, فإذا رأيت الإنسان يستطيل الصلاة العادية وتشق عليه، وتمر الصلاة من أولها إلى آخرها دون أن يحضر في ركن منها, ورأيته إذا أطال الإمام القراءة أو أطال الركوع أو السجود تضجر وشكا وهو يمكث الساعات بعد الساعات في متجره، بل ربما مكث ساعةً في انتظار سيارة الأجرة على الشارع، فاعلم أن الشيطان قد أخذ بزمامه في هذه الشبهات التعبدية, وهو في الشبهات التعبدية قد بنى سورين كبيرين أحدهما: سور الإفراط، والثاني: سور التفريط, وجعل في هذين السورين أبواباً يدخل من كل واحد منهما من استجاب له.

فيحاول مع الإنسان أن يكون مفرطاً أولاً مقصراً في العبادة؛ ولذلك تجدون المساجد تمتلئ في أوقات الأعياد والجمع, وتجدونها لا يصلي فيها غير صف أو صفين في صلاة الفجر, إنما ذلك لأن الشيطان يعقد على قوافي رءوس الناس ثلاث عقد يضرب في كل عقدة: (إن عليك ليلاً طويلاً فنم).

كذلك في مجال المنافسة في الطاعات الأخرى كنا من قبل نشهد تنافساً على حلقات العلماء والجلوس إليهم وتنافساً في حفظ كتاب الله، وقد بدأ ذلك يتناقص مع تزايد الناس, فليس بالناس من قلة، ولكن مريدي الخير قد بدءوا في التناقص, وما ذلك إلا بإغوائه بما يحدث من أنواع الانشغالات, وبهيعاته وصيحاته التي يخرجها من خلال التلفزيونات والقنوات الفضائية، ووسائل الإعلام الأخرى؛ فهي تشغل الناس عن العلم النافع، وتشغلهم عن ما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم, وانظروا إلى أولاد الأسر الكريمة الذين كان آباؤهم إذا بلغوا السن التي هم فيها يذهبون إلى المحاظر ويدرسون على المشايخ، ولا يرجعون إلى أهليهم إلا وقد أحرزوا علماً نافعاً, وهم الذين يرجع إليهم عند تجهيز الجنائز أو عند إمامة الصلاة أو عند عقد النكاح, وهم اليوم لا يرفع إليهم أحد رأساً بأي شيء من مهمات الدين, إن هذا واقع منتشر, ومن أنف منه أو ظنه طعناً فيه، فليراجع نفسه ومسيرته، وليقارن بين حاله وحال آبائه من قبل.

كذلك من أنواع الشبهات التعبدية التي يلقيها: ما يتعلق بالسور الآخر وهو سور الإفراط؛ فيسعى ببعض الناس إلى أن يشغلهم بأمور الآخرة عن أمور الدنيا, أو ببعض أمور الدنيا عن بعض، فيحرم الإنسان في الصلاة ولديه خطاب موجه إليه من رب العزة في كل قيام وركوع وفي كل خفض ورفع، فيشغله بأمر من أمور الآخرة، وبتذكر حال من أحوالها أو بتذكر واجب من واجباته الأخرى، فينشغل بذلك عن أداء الصلاة؛ فلا هو أصلح ذلك الواجب وقدمه على الصلاة، ولا هو أصلح الصلاة لانشغاله عنها.

وهذا النوع من الغلو منتشر كذلك بين الملتزمين من الناس؛ فأعرف أقواماً كانوا أهل ضلالة وغي فهداهم الله للإسلام، لكنهم دخلوه من زاوية ضيقة وأرادوا أن يحجروا واسعاً, وأن يضيقوا هذا الشرع الذي وسع الله فيه على عباده, واشتغلوا بصغريات الأمور عن كبرياتها، وعاشوا مع الأوهام، وهم بذلك في جهاد في غير محله، وحرب على غير أهلها، قد انشغلوا بجزئيات يسيرة هي بمثابة القذى الذي يكون في طرف العين، وتركوا طوام ومشكلات كبرى انشغلوا عنها بما هو دونها، فجعلوا من الحبة قبة، ومن الأمر اليسير خطباً كبيراً.

إن ذلك النوع من الغلو هو الذي أصاب النصارى عندما ابتدعوا رهبانية لم يأذن الله بها، ولم يأمرهم بها, فانعزل رجال الدين منهم في الصوامع، وانقطعوا عن الدنيا، ومنعوا أنفسهم ملذاتها وشهواتها, وعندما خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام رأى الرهبان في الأديرة، فرأى إقبالهم على العبادة وتفانيهم فيها وبكاءهم، فبكى بكاءً شديداً، فقيل له: يا أمير المؤمنين! وما يبكيك؟ فقال: يبكيني حال هؤلاء، إنهم هم الذين قال الله فيهم في خواتيم سورة الكهف: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا[الكهف:103-104], فأولئك يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وهم الذين قد ضلوا سواء السبيل, ولا يغني عنهم ما فعلوا شيئاً, وأعمالهم كلها ستكون هباءً منثوراً يوم القيامة.

إن ذلك النوع من الغلو لا يزال يوجد؛ ولهذا نجد الذين يسلمون اليوم من النصارى يدخلون الإسلام يبحثون فيه عن الرهبانية، فكثيراً ما يلتصقون ببعض البدع المضلة أو يأوون إلى أهل البدع؛ لأنهم يرون فيما لديهم شبهاً مما كانوا يفهمون الدين عليه في أيام جاهليتهم وشركهم, فكثيراً ما يأوون إلى صوامع أهل البدع, وكثيراً ما يلتحقون بهم؛ لأنهم فهموا الدين من خلال تلك الزاوية, وعندما دخلوا في هذا الإسلام تلمسوا فيه ما يشبه الدين في تصورهم لما كانوا نصارى فلم يجدوا إلا تلك البدع فالتحقوا بها والتصقوا.

أما الشبهات العقدية فلا يزال يلقي على الإنسان من أنواع الشبهات حتى يقول له: هذا العالم خلقه الله فمن خلق الله؟ كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا يزال يشككه في الأمر الذي لا ريبة فيه ولا يشك فيه إلا من عطل عقله وفطرته وابتعد عن دين الله بالكلية.

إن الإنسان ليعجب إذا سمع كلام بعض الذين وقعوا في حبائل إبليس وشراكه في الشبهات العقدية كيف تشبثوا بما هو أضعف من نسج العنكبوت, وكيف تركوا وراءهم كتاب الله المحكم والسنة الصحيحة الصريحة, وتشبثوا بالموضوعات والضعاف والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، وهم يتركون وراءهم الوحي البين السادر الذي هو كالشمس في رابعة النهار, إن هذا من العجائب؛ لكن من عرف طرق إغواء إبليس للناس عرف أنه لا يستغرب عليه مثل هذا النوع من الخداع, فنحن نرى بعض أعوان إبليس من الإنس يخدعون الناس بأنواع الكلام الذي هو من جنس السحر كما بين النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من البيان لسحراً)؛ فيوقعونهم بذلك في الأخطار والأخطاء؛ فكيف لا يكون إبليس الذي هو قائد هذا الحزب, والذي ألهم أنواع الشبه مقتدراً على هذا النوع من التخليط على الناس والتلبيس عليهم.

إن العجيب أن بعض الذين يلبس عليهم فيتشبثون بما هو أوهى من نسج العنكبوت, لا يهتمون في كثير من الأحيان بدراسة ما هو نافع، ولا يدرسون العلم الصحيح, وإنما يبحثون عن متشابهات من الكتاب أو متشابهات من السنة، أو ضعاف لا تقوى إلى درجة الاحتجاج فيتشبثون بها، ويتركون وراءهم الحق المبين الواضح الذي لا لبس فيه ولا خفاء.

إن من أغرب الغرائب ما يحدث به بعض المصلحين في هذا الزمان، من أنه لقي رجلاً من الذين يتشبثون بهذا النوع من التعللات، فسأله عن حكم الشرع فبين له ذلك الحكم بدليله من الكتاب وبعدد من الأحاديث التي تدل عليه؛ فقال: لكن ورد في أثر موقوف رواه الترمذي الحكيم بلا إسناد في نوادر الأصول كذا وكذا, فقال: أبهذا تعارض كلام الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! إن هذا هو من فعل إبليس, وهو الذي يجعل كثيراً من الناس يجمع الحجج الواهية والمترديات والنطيحات لأمر ليس له به علاقة، وهو في غنى عنه، والدين كله في غنىً عنه, وإنما تشبث به؛ لأن إبليس ربط رأسه فيه وعقد عليه العقد، فلا يستطيع الخلاص من شبكة إبليس التي عقد على رأسه بوجه من الوجوه.

كذلك فإن من أنواع الشبه العقدية التي يلقيها إبليس أيضاً: ما يتعلق بهواية تكفير الآخرين أو تضليلهم أو الغلو في نصوص الشرع في المقابل, فقد ذكرنا أن إبليس لا ييأس ولا يقنط إلا عند الموت, فإذا وجد إنساناً مستقيم العقيدة في ذاته، وأيس أن يوقعه في هذه الشبهات العقدية حاول أن يوقعه في نوع آخر من الشبهات العقدية، وهو أن يحكم على الآخرين بالغلو, وأن يخرج عن الجادة، فبدلاً من أن كان طالب علم أو حتى عالماً أو داعيةً انتقل إلى قاض يحاكم الآخرين دون أن يستدعيهم، ودون أن ينظر في البينات والدعاوي, ويصدر الأحكام دون أن يتأهل لذلك.

إن هذا لا شك من كيد إبليس وهو سبب لحصول الفرقة والنزاع في البشرية، وهذا من أهم ما يسعى إليه إبليس, فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أن لإبليس عرشاً على الماء يبث سراياه بالليل؛ فيأتيه أحدهم فيقول: ما زلت به حتى زنى، فيقول: ما فعلت شيئاً، لعله يتوب فيتوب الله عليه, فيأتيه آخر فيقول: ما زلت به حتى قتل، فيقول: ما فعلت شيئاً، لعله يتوب فيتوب الله عليه, فيأتيه آخر فيقول: ما زلت به حتى شرب الخمر، فيقول: ما فعلت شيئاً لعله يتوب فيتوب الله عليه, فيأتيه آخر فيقول: ما زلت به حتى فرقت بينه وبين أهله، فيدنيه ويقبله ويقول: أنت ابني).

إنه يسعى للتفرقة بين الناس بكل وجه من الوجوه، ويسعى لأن يحدث بينهم العداوة والبغضاء، فهذا سعيه، ويتخذ لذلك الوسائل المختلفة كشرب الخمر وكالصفقات الربوية وكأنواع القمار والميسر، كل ذلك من وسائل إحداث البغضاء والشحناء بين الناس, وقد ذكر أهل العلم من المتأخرين: أن السياسة لدى المتأخرين وبالأخص في العالم العربي هي مثل الخمر والميسر يريد الشيطان أن يوقع بها العداوة والبغضاء بين الناس؛ ولذلك تشهدون في بلادنا أن أرحاماً كثيرةً قطعت بسبب خلافات سياسية وانتماءات لأحزاب, وفي بعض الأحيان في داخل حزب واحد تتنافس الأسرة الواحدة، فيقع بينها من البغضاء والشحناء وقطيعة الرحم ما الله به عليم؛ فقد قال الله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ[المائدة:90-91].

إن هذه الصلاة هي التي تجمع القلوب وتؤلفها على الحق, وإن ذكر الله هو الذي يزيل العداوة والبغضاء: أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ[الرعد:28], لأنه هو الذي يفر منه إبليس.

إن هذه الشبه العقدية الكثيرة تنتشر عند ما ينشغل الناس عن الجهاد في سبيل الله وعن غزو العدو, فإذا تراجع المسلمون وانكفئوا على الخلافات الداخلية فيما بينهم، انتشرت بينهم البدع المضلة, فلم تشع هذه البدع والشبهات العقدية في أوقات الجهاد والاستشهاد والنصرة، وعندما تنطلق جيوش المسلمين غازية إلى مشارق الأرض ومغاربها لا تسمع لأهل الأهواء والفرق أي قول، ولا ترى لهم أية كلمة, لكن عندما ترجع الجيوش ويركن الناس إلى الراحة, وينشغلون بأمور الدنيا يقوم قائم الفتنة، ويصدح داعيها رافعاً عقيرته ورافعاً لواءه فيجتمع حوله من أضلهم الله.

إن هذا جرب في تاريخ الإسلام كله, وقد خاف الصحابة رضوان الله عليهم عندما رأوا كثيراً من الناس فتحت عليهم الدنيا أبوابها، فأقبلوا يهدبونها ولم يخرجوا في الشاتية ولا في الصائفة، فرأوا أن جلوس هؤلاء مظنة لانشغالهم بالشبه العقدية, وهذا ما حصل؛ فقد قامت فرقة القدرية ثم فرقة الجبرية وقبل ذلك فرقة الخوارج وبعدهم فرقة الشيعة وهكذا.

أما النوع الثاني من شبهاته في التعامل مع الله: فهو الشبهات التعبدية؛ فما نراه من الوساوس لدى الناس في الطهارة والصلاة وفي غير ذلك من أنواع العبادات، كله من سعيه الحثيث؛ فإنه يسعى لتقليل شأن العبادة لدى الإنسان حتى لا تكون ذات بال في تصوره, ومن علامات ذلك صعوبتها على الإنسان وتكاسله فيها, فإذا رأيت الإنسان يستطيل الصلاة العادية وتشق عليه، وتمر الصلاة من أولها إلى آخرها دون أن يحضر في ركن منها, ورأيته إذا أطال الإمام القراءة أو أطال الركوع أو السجود تضجر وشكا وهو يمكث الساعات بعد الساعات في متجره، بل ربما مكث ساعةً في انتظار سيارة الأجرة على الشارع، فاعلم أن الشيطان قد أخذ بزمامه في هذه الشبهات التعبدية, وهو في الشبهات التعبدية قد بنى سورين كبيرين أحدهما: سور الإفراط، والثاني: سور التفريط, وجعل في هذين السورين أبواباً يدخل من كل واحد منهما من استجاب له.

فيحاول مع الإنسان أن يكون مفرطاً أولاً مقصراً في العبادة؛ ولذلك تجدون المساجد تمتلئ في أوقات الأعياد والجمع, وتجدونها لا يصلي فيها غير صف أو صفين في صلاة الفجر, إنما ذلك لأن الشيطان يعقد على قوافي رءوس الناس ثلاث عقد يضرب في كل عقدة: (إن عليك ليلاً طويلاً فنم).

كذلك في مجال المنافسة في الطاعات الأخرى كنا من قبل نشهد تنافساً على حلقات العلماء والجلوس إليهم وتنافساً في حفظ كتاب الله، وقد بدأ ذلك يتناقص مع تزايد الناس, فليس بالناس من قلة، ولكن مريدي الخير قد بدءوا في التناقص, وما ذلك إلا بإغوائه بما يحدث من أنواع الانشغالات, وبهيعاته وصيحاته التي يخرجها من خلال التلفزيونات والقنوات الفضائية، ووسائل الإعلام الأخرى؛ فهي تشغل الناس عن العلم النافع، وتشغلهم عن ما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم, وانظروا إلى أولاد الأسر الكريمة الذين كان آباؤهم إذا بلغوا السن التي هم فيها يذهبون إلى المحاظر ويدرسون على المشايخ، ولا يرجعون إلى أهليهم إلا وقد أحرزوا علماً نافعاً, وهم الذين يرجع إليهم عند تجهيز الجنائز أو عند إمامة الصلاة أو عند عقد النكاح, وهم اليوم لا يرفع إليهم أحد رأساً بأي شيء من مهمات الدين, إن هذا واقع منتشر, ومن أنف منه أو ظنه طعناً فيه، فليراجع نفسه ومسيرته، وليقارن بين حاله وحال آبائه من قبل.

كذلك من أنواع الشبهات التعبدية التي يلقيها: ما يتعلق بالسور الآخر وهو سور الإفراط؛ فيسعى ببعض الناس إلى أن يشغلهم بأمور الآخرة عن أمور الدنيا, أو ببعض أمور الدنيا عن بعض، فيحرم الإنسان في الصلاة ولديه خطاب موجه إليه من رب العزة في كل قيام وركوع وفي كل خفض ورفع، فيشغله بأمر من أمور الآخرة، وبتذكر حال من أحوالها أو بتذكر واجب من واجباته الأخرى، فينشغل بذلك عن أداء الصلاة؛ فلا هو أصلح ذلك الواجب وقدمه على الصلاة، ولا هو أصلح الصلاة لانشغاله عنها.

وهذا النوع من الغلو منتشر كذلك بين الملتزمين من الناس؛ فأعرف أقواماً كانوا أهل ضلالة وغي فهداهم الله للإسلام، لكنهم دخلوه من زاوية ضيقة وأرادوا أن يحجروا واسعاً, وأن يضيقوا هذا الشرع الذي وسع الله فيه على عباده, واشتغلوا بصغريات الأمور عن كبرياتها، وعاشوا مع الأوهام، وهم بذلك في جهاد في غير محله، وحرب على غير أهلها، قد انشغلوا بجزئيات يسيرة هي بمثابة القذى الذي يكون في طرف العين، وتركوا طوام ومشكلات كبرى انشغلوا عنها بما هو دونها، فجعلوا من الحبة قبة، ومن الأمر اليسير خطباً كبيراً.

إن ذلك النوع من الغلو هو الذي أصاب النصارى عندما ابتدعوا رهبانية لم يأذن الله بها، ولم يأمرهم بها, فانعزل رجال الدين منهم في الصوامع، وانقطعوا عن الدنيا، ومنعوا أنفسهم ملذاتها وشهواتها, وعندما خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام رأى الرهبان في الأديرة، فرأى إقبالهم على العبادة وتفانيهم فيها وبكاءهم، فبكى بكاءً شديداً، فقيل له: يا أمير المؤمنين! وما يبكيك؟ فقال: يبكيني حال هؤلاء، إنهم هم الذين قال الله فيهم في خواتيم سورة الكهف: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا[الكهف:103-104], فأولئك يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وهم الذين قد ضلوا سواء السبيل, ولا يغني عنهم ما فعلوا شيئاً, وأعمالهم كلها ستكون هباءً منثوراً يوم القيامة.

إن ذلك النوع من الغلو لا يزال يوجد؛ ولهذا نجد الذين يسلمون اليوم من النصارى يدخلون الإسلام يبحثون فيه عن الرهبانية، فكثيراً ما يلتصقون ببعض البدع المضلة أو يأوون إلى أهل البدع؛ لأنهم يرون فيما لديهم شبهاً مما كانوا يفهمون الدين عليه في أيام جاهليتهم وشركهم, فكثيراً ما يأوون إلى صوامع أهل البدع, وكثيراً ما يلتحقون بهم؛ لأنهم فهموا الدين من خلال تلك الزاوية, وعندما دخلوا في هذا الإسلام تلمسوا فيه ما يشبه الدين في تصورهم لما كانوا نصارى فلم يجدوا إلا تلك البدع فالتحقوا بها والتصقوا.

أما النوع الثاني من أنواع الشبهات: هو الشبهات في التعامل مع الناس, وهي كذلك تنقسم إلى قسمين:

ما يتعلق بتقويم الناس

القسم الأول: ما يتعلق بتقويم الناس, فإن كثيراً من الناس لا يقيس الآخرين إلا من خط إبرة، ولا ينظر إليهم إلا بنظرة فوقية وازدراء، فأهل الإيمان عنده ليسوا في حصن حصين, وأهل الطاعة والعبادة عنده ليسوا بمنأىً من النقد والطعن في غير محل ذلك, وهذا النوع من الناس تجدهم لا يبالون بصلاة ولا بصيام ولا بدعوة ولا بجهاد، لكنهم كلما رأوا مقبلاً على الله في أمر من الأمور بدءوا يسبونه ويشتمونه ويطعنون في نيته، ويقولون: ما فعل كذا إلا رياءً وتسميعاً, وما فعل كذا إلا إحداثاً, ويظنون أن كل ما لم يعرفوه من الدين فهو ابتداع جديد أو دين مستورد, وأولئك الغاوون لم يعرفوا من الدين إلا اسمه, ولا عرفوا من السنة إلا رسمها, ولا سلكوا طريقاً من طرق الهداية أبداً؛ بل ما هم إلا أمثال الذباب الذي لا ينزل إلا على القدر، يتلمسون الأخطاء، ويتركون الروضات الغناء, فهم مشغولون بالتماس عثرات الآخرين وزلاتهم, وأولئك جدير بهم أن يعرفوا قدر أنفسهم، وأن يراجعوا حالهم، وأن يتذكروا أن عليهم كراماً كاتبين حفظة لا يفرطون ولا يضيعون, وأن الآخرين كذلك عليهم من يكتب أعمالهم فلا يحتاج إلى تصويب أولئك وتخطئتهم ولا إلى طعنهم ونقدهم.

إن هذا النوع من الطعن في الناس في تقويمهم هو سبب طعن الخوارج في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد زعم قوم من شباب بني أسد بن خزيمة بالكوفة أن سعد بن أبي وقاص لا يحسن الصلاة، فشكوه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فسأله فقال: ( والله إني لأصلي لهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم, أركد في الأوليين وأخف في الأخريين؛ فقال: ذلك الظن بك ), يطيل الركعتين الأوليين ويخف في الركعتين الأخريين، وهكذا كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال عمر : ( ذلك الظن بك, فقال سعد في خطبته: والله إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله, ولقد رأيت أن أغزوهم مع النبي صلى الله عليه وسلم وما لنا زاد إلا ورق السمر وهذه الحبلة، وإن أحدنا ليضع كما تضع الشاة ما له خلط، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني عن الإسلام، خبت إذاً وضل سعيي ).

وكذلك فإن الشباب المحمسين من الخوارج عندما صاحوا بـعلي رضي الله عنه: ( لقد كفرت كفرةً شنعاء, قال: ويلكم كيف أكون أول من صدق به وأكفر به بعد موته؟ ).

إن أولئك الذين قد غلوا في التعامل مع الناس وفي تقويمهم لا ينظرون إلى أحد على مقتضى سابقته في الإسلام، فهؤلاء الصحابة الذين تكلموا فيهم شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتعيين بالجنة, وأنزل الله في كتابه رضوانه عنهم, وأنه لا يضرهم ما فعلوا، فمن رضي الله عنه رضاه الأكبر الذي لا سخط بعده لا تقع ذنوبه إلا مضمورة, ومع ذلك يقومهم هؤلاء الذين لا يبلغون أن يصلوا إلى شسع نعل أحد أولئك؛ بل ولا إلى غبار فرسه في يوم واحد في سبيل الله؛ ولهذا قال مالك رحمه الله لأحدهم عندما سمعه يلعن بعض المهاجرين والأنصار دعاه فقال له: أأنت من المهاجرين الأولين؟ قال: لا، قال: أفأنت من الأنصار الذين آووا ونصروا؟ قال: لا, قال: فأنا أشهد بالله أنك لست من الذين اتبعوهم بإحسان، فقد قال الله تعالى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ[الحشر:10], وأنت تلعنهم.

كذلك فإن من هذا النوع من الغلو غلواً آخر بالإفراط في الأشخاص وتقديسهم؛ فالأشخاص بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منهم معصوم, هم مجتهدون يخطئون ويصيبون, لكننا نقدر أهل الخير ولا نقدسهم، ولذلك أجمعت الأمة على أن فعل غير المعصوم ليس بحجة, فهؤلاء الصحابة الكرام الذين تحدثنا عن بلائهم في الإسلام وأثرهم فيه وسابقته فيه, وما شهد الله لهم به ورسوله صلى الله عليه وسلم مع ذلك ما فعلوه من الأخطاء إذا أراد أحد أن يقتدي بهم فيه لا نقبل منه ذلك؛ لأننا نعلم أنه خطأ, لكنه خطأ مغفور في حق الصحابة, ولا ندري هل يغفر في حق من يقتفي أثرهم فيه أو لا يغفر؛ فلذلك نمنعه من الوقوع فيه ونحول بينه وبينه.

وهذا مقتضى تقديرنا لهم لا مقتضى التقديس الذي يأخذ به بعض الناس حتى فيمن دون الصحابة, فإن كثيراً من الناس يقدس بعض الأحياء، وبعض الأموات الذين عاصرهم، فلا يستطيع أن ينتقد عليهم ما خالفوا فيه شرع الله أبداً, ولا يجعلهم محلاً للتعقب في أي وجه من الوجوه؛ بل يرى أن من خالفهم ولو فيما له فيه دليل قوي يستحق من العقوبة، فاستحق سحرة فرعون أن يصلبوا على جذوع النخل, إن هذا النوع من تقديس الأشخاص هو من إغواء إبليس للناس.

ما يتعلق بمخالطة الناس

ثم إن من أنواع الشبهة فيما يتعلق بمخالطة الناس نوعاً آخر يقتضي من الإنسان أن يحاول أخذ حقه جميعاً، وأن يحاول أن يفرط في حقوق الناس ما استطاع، فيحاول أن يبخس الناس أشياءهم، وأن ينقص من حقوهم ما استطاع، وأن يكون حقه هو موفوراً كاملاً لا يعتريه النقص في حال من الأحوال, وهذا هو تمام التطفيف الذي قال الله فيه: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ[المطففين:1-6].

أذكر أن رجلاً زار قريباً له فذكر له رحماً بينه وبينه، وهو يريد منه حق تلك الرحم فقال: على الرأس والعين؛ لكن ألا تذكر أن لي نظير هذا الرحم أيضاً, فإذا كان الحق له جاء يريد حقه، وإذا كان الحق للآخر لم يعترف به. فهذا النوع من أنواع الشبهات منتشر كذلك في الناس, وسبب النوعين اتساخ البصيرة وإظلامها بسبب ما يتراكم فيها من المعاصي, فإن معاصي الله إذا تكاثرت اسودت البصيرة، فلم يكد الإنسان يميز بين الحق والباطل, ولم يكد يميز بين الصواب والخطأ:

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدق ما يعتاده من توهم

وعادى محبيه بقول عدوه فأصبح في ليل من الشك مظلم




استمع المزيد من الشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي - عنوان الحلقة اسٌتمع
خطورة المتاجرة بكلمة الحق 4789 استماع
بشائر النصر 4279 استماع
أسئلة عامة [2] 4121 استماع
المسؤولية في الإسلام 4049 استماع
كيف نستقبل رمضان [1] 3986 استماع
نواقض الإيمان [2] 3941 استماع
اللغة العربية 3923 استماع
المسابقة إلى الخيرات 3897 استماع
القضاء في الإسلام 3884 استماع
أسماء الله الحسنى [2] 3866 استماع