القضاء في الإسلام


الحلقة مفرغة

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد:

فإن الله سبحانه وتعالى خلق البشر من نفس واحدة وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً، وقد جعل هذه الأرض مستقراً لهم في الحياة ومستودعاً لهم في الممات، يعيشون فوق ظهرها ويدفنون في بطنها، ويحشرون منها؛ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى[طه:55].

وقد علم بحكمته البالغة أن اختلاطهم في هذه الأرض محوج لهم إلى كثير من الاحتكاك الذي يؤدي إلى النزاع والخلاف في كثير من المسائل، وعلم بحكمته البالغة كذلك أن نفوس البشر ضعيفة فمن كان منهم ذا قوة فسيحاول الوصول إلى أكثر من حقه بقوته؛ لأن حقه هو القوة، ومن كان ضعيفاً فسيتنازل عن بعض حقه؛ لأن ذلك الحق لا يوجد ما يحميه؛ فلذلك شرع لهم من الأنظمة ما ينظم علاقاتهم فيما بينهم، كما شرع لهم ما ينظم علاقاتهم بربهم سبحانه وتعالى، وأقام لهم ما يزع بعضهم عن بعض؛ فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

مكانة القضاة وأهل الاجتهاد في الإسلام

لقد جعل الله ما يحدث بين الناس من النوازل والمشكلات راجعاً إلى الاجتهاد، وهدى أقواماً للاجتهاد باستنباط الأحكام من النصوص ليستخرجوا الحلول للمشكلات التي تتجدد، وأمر بالرجوع إلى أولئك عند التنازع فقال تعالى: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ[النساء:83]، وقد أمر الله تعالى هؤلاء بالرجوع إلى كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فقال: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا[النساء:59]، والرد إلى الله بالرد إلى كتابه، والرد إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بالرد إلى سنته.

وجعل سبحانه وتعالى هؤلاء الذين يقومون بذلك خلفاء عن الرسل وموقعين عن رب العالمين؛ فأنزلهم هذه المنزلة العظيمة السابقة، التي تقتضي مضاعفة المكانة في الدنيا ومضاعفة الأجر في القيامة، وقد بين ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه في كتابه في القضاء إلى أبي موسى الأشعري ؛ فبين فيه ما لهذه المسئولية من أجر عظيم وذخر عند الله تعالى وما لها من مكانة في هذه الحياة الدنيوية، وذلك أن صاحبها يقوم بعدل الله تعالى في الأرض، ويوصل هذا الحق إلى مستحقيه؛ فالبشر جميعاً يستحقون حظهم من عدل الله في هذه الأرض، وهو أكبر حق يتمتع به الفرد، إذ إن أبلغ حق يتمتع به الفرد هو حقه من عدل الله في الأرض؛ لأن الناس جميعاً نسبتهم إلى الله واحدة وهي العبودية له سبحانه وتعالى، فيستحقون جميعاً أن ينالهم حظهم من عدل الله تعالى، وإذا منعوا من هذا الحق فقد اعتدي على أصل شخصياتهم حتى لو لم يكن الحق متعلقاً بواحد منهم بعينه؛ فالاعتداء على واحد من البشر بمنعه حقه من عدل الله اعتداءً على البشر جميعاً بذلك؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لحد واحد يقام على الأرض خير لأهلها من أن يمطروا سبتاً )، أي: من أن يمطروا أسبوعاً كاملاً، وأنتم تعرفون ما للمطر من الفائدة ليس فقط في إحياء الأرض ونباتها واهتزازها بعد موتها وإخراج خضرتها؛ فترى الأرض مخضرة، ولكن أيضاً في تنقية الهواء الذي يتنفس به الحيوان والنبات، وفي تصفية الأجواء من كثير من أشعة الشمس ومخلفاتها، وفي إزالة كثير من الران وآثار الذنوب من هذا الهواء.

وفي تنقية المياه التي هي للشرب ولا يستغني عنها شيء من الأحياء، وكذلك في الحياة البحرية التي أصلها الماء؛ فإن الماء إذا ركد تأثرت به الحيوانات البحرية والنبات البحري؛ فإذا جاء المطر حركه فانتفع به الجميع، فهذا المطر نفعه غير محصور، بل يكفي ما فيه من بركات الله؛ فهو من رحمة الله، وأنتم تعرفون أن رحمة الله إذا نزلت في مكان فلا يسأل عن حاله؛ فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[الروم:50].

ومن بركاته أن كل قطرة من المطر تقع في يد ملك حتى يوصلها إلى مستقرها، وتعرفون ما للملائكة من البركة، وما لأثر نزولهم من التثبيت على قلوب المؤمنين؛ ولهذا كثر في أدعية النبي صلى الله عليه وسلم الاستسقاء، فقد كان يكثر الاستسقاء في كثير من أدعية، وكان يصلي صلاة الاستسقاء بأصحابه ويخطب فيها فيقول: ( إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن إبان زمانه، وقد أمركم الله أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم )، ثم قال: ( الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[الفاتحة:2-4]، لا إله إلا الله! يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغاً إلى حين )، وكان صلى الله عليه وسلم يستسقي على منبره كذلك فلا يرفع يديه في أثناء الخطبة بأي دعاء إلا في الاستسقاء وحده، وما سوى ذلك من أدعية الدنيا والآخرة فلا يرفع فيها إلا إصبعه المسبحة، أما الاستسقاء فإنه يرفع فيه يديه معاً؛ فدل هذا على أهمية المطر، لكن حداً واحداً يقام على الأرض في أي مكان من أنحائها خير لأهلها جميعاً من أن يمطروا أسبوعاً كاملاً، كما صرح بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي بعض الروايات: ( من أن يمطروا شهراً )، أي: أن يدوم عليهم المطر شهراً كاملاً.

كيفية القضاء وفض الخصومات في الجاهلية

لقد كان الذين يقومون بهذه المهمة وهي الفصل بين الناس وفض نزاعهم في قديم الزمان إنما يعتمدون على الأمور الغيبية؛ فكان فصل النزاع يأتي بخوارق للعادة من عند الله تعالى، يعرف الناس بها الفصل بين الحق والباطل، وتعرفون ما قص الله تعالى في قصة ابني آدم حين اختلفا؛ فقربا قرباناً فتقبل من أحدهما؛ فأكلت النار قربانه، ولم يتقبل من الآخر فلم تأكل النار قربانه، وقد كان هذا علامة يعرف بها القسط والعدل من الباطل، إذا تقرب المتخاصمان بقربان إلى الله تعالى فأكلت النار قربان أحدهما ونجا الآخر؛ فيكون الذي أكل قربانه قد تقبل الله منه؛ فمعناه أنه هو الصادق؛ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ[المائدة:27].

ولذلك فإن كثيراً من أقوام الأنبياء كانوا يقترحون في المعجزات أن يأتوهم بقربان تأكله النار، كما اقترح ذلك المشركون على النبي صلى الله عليه وسلم فرد الله دعواهم بقوله: قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ[آل عمران:183]، وكان هذا رداً على اليهود الذين اقترحوا عليه قرباناً تأكله النار.

وكان كثير من الناس بعد هذا يعتمدون في الأقضية على خوارق ليست شرعية، اعتماداً على انتشار هذه النظرة لأنها كانت قديماً في تاريخ البشرية.

مثال القضاء في الجاهلية

لما كان عهد الجاهلية اعتمد الناس في فض النزاعات على أعمال الجن والكهانة والتنجيم، فكانوا يعتمدون على ما يحدثهم به الجن من هذه الخوارق وما يخبرونهم به مما يحصل بعضها، ولذلك فإن عبد المطلب لما أقسم أو نذر إذا منحه الله تعالى عشرة من الأولاد الذكور يحمونه حتى يحفر زمزم أن ينحر أحدهم ليتقرب به إلى الله، فأراد أن ينحر عبد الله، فمنعه أخواله من بني محزوم؛ فتحاكموا إلى كاهن خيبر فأمره أن يقدم عشر بدن لله تعالى فيستهم عليها وعلى عبد الله فإن وقع السهم على عبد الله أضاف عليها عشراً؛ حتى إذا وقع السهم على الإبل فليعلم أن الله رضي بتلك الإبل فداءً عن هذا القتيل، ففعل ذلك فوقع السهم على عبد الله وكرر فوقع عليه حتى بلغ عشراً؛ فتمت الإبل مائة فوقع السهم عليها؛ فأعاد العملية ثلاثاً ويقع السهم على الإبل فنحرها قرباناً إلى الله تعالى عند المروة؛ فكانت دية الإنسان بعد ذلك مائة ناقة من الإبل، وسار هذا حتى أقره الشرع.

فالدية في الشريعة الإسلامية لها ثلاثة أصول: أصل من الحيوان وهو مائة من الإبل، وهذه تختلف باختلاف حال الدية؛ فدية الخطأ: مخمسة بخمسة أصناف من الإبل منجمة على ثلاث سنين، تحل بأواخرها.

ودية العمد أو دية شبه العمد: وهي الدية المغلظة مثلثة فقط، وقد جاء ذلك في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن قتل الخطأ شبه العمد بأن ينزو الشيطان بين الناس، فتقع الدماء في غير ضغينة ولا حمل سلاح ديته مائة من الإبل، منها أربعون خليفة في بطونها أولادها )، فهذا يقتضي التثليث، وهو تغليظ الدية، فأقر الشارع إذاً هذه المسألة؛ فهذا الأصل الأول من أصول الديات وهو مائة من الإبل.

الأصل الثاني: هو من الذهب وهو ألف دينار.

الأصل الثالث: من الفضة وهو اثنا عشر ألف درهم، فهذه هي ديات المؤمنين، وهي أصول الدية، وتقوم باختلاف الأثمان في اختلاف البلدان.

ضابط قضاء الأنبياء وفضهم للخصومات

وقد كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا عرضت عليهم نازلة فحكموا فيها يقرهم الشارع على ذلك الحكم أو يرده عليهم؛ فالأحكام في الخلافات والنزاعات البشرية الأصل فيها الاجتهاد، فتبدأ بالاجتهاد أولاً فإذا كان موافقاً للصواب وكان من اجتهاد نبي من الأنبياء فإن الشارع يقره بالوحي على ذلك، وإن كان خطأً فإن الشارع يرد عليه ذلك، وقد حصل ذلك لـداود وسليمان عليهما السلام مرتين؛ فإحداهما في القصة التي أخبر الله عنها في سورة الأنبياء في الحرث حين نفشت فيه غنم القوم فأكلته؛ فحكم داود بأن يأخذ الغنم أصحاب الحرث، فيستغلونها سنة فيتركون معها أولادها ويستغلون ألبانها، ويأخذ أصحاب الغنم الحرث فيصلحونه سنة ويأكلون منه؛ فإذا تم الزرع وتكامل أخذ أصحاب الغنم غنمهم وأصحاب الزرع زرعهم، وقد كان حكم سليمان بأن يقوم الزرع بما أفسدته الغنم فيدفع فيه من رقابها بمقابله إذا كانت أفسدته في النهار؛ لأن على أصحابها رعايتها في النهار، وأما بالليل فإن الزرع رعايته على أهله؛ فلا يقوم شيء من رءوسها في مقابل ذلك.

والقصة الثانية: ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم : (أن امرأتين اختلفتا في ولد، حين خرجتا لحاجة لهما خارج المدينة ومعهما ولداهما وإحداهما أكبر من الأخرى؛ فعدا السبع على ولد إحداهما فأكله فاختصمتا في الولد الباقي، فكل واحدة منهما تقول: هذا ولدي؛ فاختصمتا إلى داود عليه السلام فحكم به للكبرى، فلما مرتا بـسليمان أعادهما وقال: ائتوني بسكين أقسمه بينكما، فقبلت ذلك الكبرى التي حكم لها داود به ولم تقبله الصغرى، فقالت: لا، أعطه إياها، فأنا متنازلة عنه؛ فعرف أنها أمه حين رحمته ولم تقبل قسمته فأعطاها إياه)، وقد فهمه الله الحكم وأثنى عليه بذلك في كتابه: وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا[الأنبياء:78-79].

إقرار رسول الله لبعض الأقضية في زمانه

وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم بعض الأقضية في زمانه، كإقراره لقضاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه في أصحاب الزبية في اليمن، ( وهم قوم جعلوا أسداً في حفرة وغطوها بحشيش، واضطروا رجلاً للخروج من فوقه فوقع في الزبية فأكله الأسد؛ فحكم علي رضي الله عنه بالقصاص، فاقتص منهم، فأقر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القضاء )، لأن (العجماء جبار) وهؤلاء هم الذين تسببوا مباشرة في إزهاق هذه النفس المعصومة؛ فحكم عليهم علي رضي الله عنه بذلك؛ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم إقراراً لحكمه.

وكذلك فإنه أمر عمرو بن العاص أن يقضي بين يديه في خصام فقال: (كيف أقضي بين يديك يا رسول الله؟! قال: إن أصبت الحق أقررتك وإن لم تصبه رددت عليك)؛ فكان هذا شرفاً لـعمرو بعد.

أنواع القضاة ومكانتهم

وقد نوه الشارع بمكانة القضاة القائمين بالقسط والعدل، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في السنن وغيرها أنه قال: ( القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة )، وفصلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، وقاض جهل فقضى على جهل فهو في النار، وقاض عرف الحق فخالفه فقضى بخلاف الحق فهو في النار ).

وبين صلى الله عليه وسلم ما يتلقاه القضاة من الإشكال؛ لأنهم ينوبون عن الأنبياء في فصل النزاع ويوقعون عن رب العالمين في هذا الأمر الشاق؛ فقال: ( من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين )، وفي رواية: ( من ولّي القضاء فقد ذبح بغير سكين ).

وكذلك فإنه صلى الله عليه وسلم لما أتاه الخصم فخاطبهم خطاباً مؤثراً حتى بكى الخصمان كما في حديث أم سلمة في صحيح البخاري وغيره قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرتي فسمع خصاماً على الباب فقام؛ فإذا خصم.. ) والخصم يطلق على الجمع والمفرد والتثنية، وهو من الألفاظ المشتركة في الإطلاق؛ فقال: ( إنما أنا بشر مثلكم وأنتم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض؛ فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من مال أخيه فإنما أقتطع له جمراً من نار، فليأخذه أو فليدعه؛ فبكيا، فترادا ذلك بينهما، فقال: أما إذ فعلتما فاقسماه ثم اقترعا )، (فاقسماه) أي: اقسما المال الذي تختلفان فيه بينكما بالسوية والعدل ثم اقترعا عليه، فليأخذ كل واحد منكما ما وقعت عليه قرعته، وهذا إقرار للقرعة.

وقد أقرها النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن كثيرة منها: ما ثبت في حديث عائشة رضي الله عنها في قصة الإفك أن: ( النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد السفر أقرع بين نسائه؛ فأية واحدة خرجت القرعة لها خرج بها في السفر )، وهذه القرعة هي من جنس ما ذكرناه من الاعتماد على الغيبيات فيما يتعلق بالقضاء؛ لأهميته وعظم شأنه.

لقد جعل الله ما يحدث بين الناس من النوازل والمشكلات راجعاً إلى الاجتهاد، وهدى أقواماً للاجتهاد باستنباط الأحكام من النصوص ليستخرجوا الحلول للمشكلات التي تتجدد، وأمر بالرجوع إلى أولئك عند التنازع فقال تعالى: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ[النساء:83]، وقد أمر الله تعالى هؤلاء بالرجوع إلى كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فقال: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا[النساء:59]، والرد إلى الله بالرد إلى كتابه، والرد إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بالرد إلى سنته.

وجعل سبحانه وتعالى هؤلاء الذين يقومون بذلك خلفاء عن الرسل وموقعين عن رب العالمين؛ فأنزلهم هذه المنزلة العظيمة السابقة، التي تقتضي مضاعفة المكانة في الدنيا ومضاعفة الأجر في القيامة، وقد بين ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه في كتابه في القضاء إلى أبي موسى الأشعري ؛ فبين فيه ما لهذه المسئولية من أجر عظيم وذخر عند الله تعالى وما لها من مكانة في هذه الحياة الدنيوية، وذلك أن صاحبها يقوم بعدل الله تعالى في الأرض، ويوصل هذا الحق إلى مستحقيه؛ فالبشر جميعاً يستحقون حظهم من عدل الله في هذه الأرض، وهو أكبر حق يتمتع به الفرد، إذ إن أبلغ حق يتمتع به الفرد هو حقه من عدل الله في الأرض؛ لأن الناس جميعاً نسبتهم إلى الله واحدة وهي العبودية له سبحانه وتعالى، فيستحقون جميعاً أن ينالهم حظهم من عدل الله تعالى، وإذا منعوا من هذا الحق فقد اعتدي على أصل شخصياتهم حتى لو لم يكن الحق متعلقاً بواحد منهم بعينه؛ فالاعتداء على واحد من البشر بمنعه حقه من عدل الله اعتداءً على البشر جميعاً بذلك؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لحد واحد يقام على الأرض خير لأهلها من أن يمطروا سبتاً )، أي: من أن يمطروا أسبوعاً كاملاً، وأنتم تعرفون ما للمطر من الفائدة ليس فقط في إحياء الأرض ونباتها واهتزازها بعد موتها وإخراج خضرتها؛ فترى الأرض مخضرة، ولكن أيضاً في تنقية الهواء الذي يتنفس به الحيوان والنبات، وفي تصفية الأجواء من كثير من أشعة الشمس ومخلفاتها، وفي إزالة كثير من الران وآثار الذنوب من هذا الهواء.

وفي تنقية المياه التي هي للشرب ولا يستغني عنها شيء من الأحياء، وكذلك في الحياة البحرية التي أصلها الماء؛ فإن الماء إذا ركد تأثرت به الحيوانات البحرية والنبات البحري؛ فإذا جاء المطر حركه فانتفع به الجميع، فهذا المطر نفعه غير محصور، بل يكفي ما فيه من بركات الله؛ فهو من رحمة الله، وأنتم تعرفون أن رحمة الله إذا نزلت في مكان فلا يسأل عن حاله؛ فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[الروم:50].

ومن بركاته أن كل قطرة من المطر تقع في يد ملك حتى يوصلها إلى مستقرها، وتعرفون ما للملائكة من البركة، وما لأثر نزولهم من التثبيت على قلوب المؤمنين؛ ولهذا كثر في أدعية النبي صلى الله عليه وسلم الاستسقاء، فقد كان يكثر الاستسقاء في كثير من أدعية، وكان يصلي صلاة الاستسقاء بأصحابه ويخطب فيها فيقول: ( إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن إبان زمانه، وقد أمركم الله أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم )، ثم قال: ( الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[الفاتحة:2-4]، لا إله إلا الله! يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغاً إلى حين )، وكان صلى الله عليه وسلم يستسقي على منبره كذلك فلا يرفع يديه في أثناء الخطبة بأي دعاء إلا في الاستسقاء وحده، وما سوى ذلك من أدعية الدنيا والآخرة فلا يرفع فيها إلا إصبعه المسبحة، أما الاستسقاء فإنه يرفع فيه يديه معاً؛ فدل هذا على أهمية المطر، لكن حداً واحداً يقام على الأرض في أي مكان من أنحائها خير لأهلها جميعاً من أن يمطروا أسبوعاً كاملاً، كما صرح بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي بعض الروايات: ( من أن يمطروا شهراً )، أي: أن يدوم عليهم المطر شهراً كاملاً.

لقد كان الذين يقومون بهذه المهمة وهي الفصل بين الناس وفض نزاعهم في قديم الزمان إنما يعتمدون على الأمور الغيبية؛ فكان فصل النزاع يأتي بخوارق للعادة من عند الله تعالى، يعرف الناس بها الفصل بين الحق والباطل، وتعرفون ما قص الله تعالى في قصة ابني آدم حين اختلفا؛ فقربا قرباناً فتقبل من أحدهما؛ فأكلت النار قربانه، ولم يتقبل من الآخر فلم تأكل النار قربانه، وقد كان هذا علامة يعرف بها القسط والعدل من الباطل، إذا تقرب المتخاصمان بقربان إلى الله تعالى فأكلت النار قربان أحدهما ونجا الآخر؛ فيكون الذي أكل قربانه قد تقبل الله منه؛ فمعناه أنه هو الصادق؛ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ[المائدة:27].

ولذلك فإن كثيراً من أقوام الأنبياء كانوا يقترحون في المعجزات أن يأتوهم بقربان تأكله النار، كما اقترح ذلك المشركون على النبي صلى الله عليه وسلم فرد الله دعواهم بقوله: قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ[آل عمران:183]، وكان هذا رداً على اليهود الذين اقترحوا عليه قرباناً تأكله النار.

وكان كثير من الناس بعد هذا يعتمدون في الأقضية على خوارق ليست شرعية، اعتماداً على انتشار هذه النظرة لأنها كانت قديماً في تاريخ البشرية.

لما كان عهد الجاهلية اعتمد الناس في فض النزاعات على أعمال الجن والكهانة والتنجيم، فكانوا يعتمدون على ما يحدثهم به الجن من هذه الخوارق وما يخبرونهم به مما يحصل بعضها، ولذلك فإن عبد المطلب لما أقسم أو نذر إذا منحه الله تعالى عشرة من الأولاد الذكور يحمونه حتى يحفر زمزم أن ينحر أحدهم ليتقرب به إلى الله، فأراد أن ينحر عبد الله، فمنعه أخواله من بني محزوم؛ فتحاكموا إلى كاهن خيبر فأمره أن يقدم عشر بدن لله تعالى فيستهم عليها وعلى عبد الله فإن وقع السهم على عبد الله أضاف عليها عشراً؛ حتى إذا وقع السهم على الإبل فليعلم أن الله رضي بتلك الإبل فداءً عن هذا القتيل، ففعل ذلك فوقع السهم على عبد الله وكرر فوقع عليه حتى بلغ عشراً؛ فتمت الإبل مائة فوقع السهم عليها؛ فأعاد العملية ثلاثاً ويقع السهم على الإبل فنحرها قرباناً إلى الله تعالى عند المروة؛ فكانت دية الإنسان بعد ذلك مائة ناقة من الإبل، وسار هذا حتى أقره الشرع.

فالدية في الشريعة الإسلامية لها ثلاثة أصول: أصل من الحيوان وهو مائة من الإبل، وهذه تختلف باختلاف حال الدية؛ فدية الخطأ: مخمسة بخمسة أصناف من الإبل منجمة على ثلاث سنين، تحل بأواخرها.

ودية العمد أو دية شبه العمد: وهي الدية المغلظة مثلثة فقط، وقد جاء ذلك في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن قتل الخطأ شبه العمد بأن ينزو الشيطان بين الناس، فتقع الدماء في غير ضغينة ولا حمل سلاح ديته مائة من الإبل، منها أربعون خليفة في بطونها أولادها )، فهذا يقتضي التثليث، وهو تغليظ الدية، فأقر الشارع إذاً هذه المسألة؛ فهذا الأصل الأول من أصول الديات وهو مائة من الإبل.

الأصل الثاني: هو من الذهب وهو ألف دينار.

الأصل الثالث: من الفضة وهو اثنا عشر ألف درهم، فهذه هي ديات المؤمنين، وهي أصول الدية، وتقوم باختلاف الأثمان في اختلاف البلدان.

وقد كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا عرضت عليهم نازلة فحكموا فيها يقرهم الشارع على ذلك الحكم أو يرده عليهم؛ فالأحكام في الخلافات والنزاعات البشرية الأصل فيها الاجتهاد، فتبدأ بالاجتهاد أولاً فإذا كان موافقاً للصواب وكان من اجتهاد نبي من الأنبياء فإن الشارع يقره بالوحي على ذلك، وإن كان خطأً فإن الشارع يرد عليه ذلك، وقد حصل ذلك لـداود وسليمان عليهما السلام مرتين؛ فإحداهما في القصة التي أخبر الله عنها في سورة الأنبياء في الحرث حين نفشت فيه غنم القوم فأكلته؛ فحكم داود بأن يأخذ الغنم أصحاب الحرث، فيستغلونها سنة فيتركون معها أولادها ويستغلون ألبانها، ويأخذ أصحاب الغنم الحرث فيصلحونه سنة ويأكلون منه؛ فإذا تم الزرع وتكامل أخذ أصحاب الغنم غنمهم وأصحاب الزرع زرعهم، وقد كان حكم سليمان بأن يقوم الزرع بما أفسدته الغنم فيدفع فيه من رقابها بمقابله إذا كانت أفسدته في النهار؛ لأن على أصحابها رعايتها في النهار، وأما بالليل فإن الزرع رعايته على أهله؛ فلا يقوم شيء من رءوسها في مقابل ذلك.

والقصة الثانية: ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم : (أن امرأتين اختلفتا في ولد، حين خرجتا لحاجة لهما خارج المدينة ومعهما ولداهما وإحداهما أكبر من الأخرى؛ فعدا السبع على ولد إحداهما فأكله فاختصمتا في الولد الباقي، فكل واحدة منهما تقول: هذا ولدي؛ فاختصمتا إلى داود عليه السلام فحكم به للكبرى، فلما مرتا بـسليمان أعادهما وقال: ائتوني بسكين أقسمه بينكما، فقبلت ذلك الكبرى التي حكم لها داود به ولم تقبله الصغرى، فقالت: لا، أعطه إياها، فأنا متنازلة عنه؛ فعرف أنها أمه حين رحمته ولم تقبل قسمته فأعطاها إياه)، وقد فهمه الله الحكم وأثنى عليه بذلك في كتابه: وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا[الأنبياء:78-79].

وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم بعض الأقضية في زمانه، كإقراره لقضاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه في أصحاب الزبية في اليمن، ( وهم قوم جعلوا أسداً في حفرة وغطوها بحشيش، واضطروا رجلاً للخروج من فوقه فوقع في الزبية فأكله الأسد؛ فحكم علي رضي الله عنه بالقصاص، فاقتص منهم، فأقر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القضاء )، لأن (العجماء جبار) وهؤلاء هم الذين تسببوا مباشرة في إزهاق هذه النفس المعصومة؛ فحكم عليهم علي رضي الله عنه بذلك؛ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم إقراراً لحكمه.

وكذلك فإنه أمر عمرو بن العاص أن يقضي بين يديه في خصام فقال: (كيف أقضي بين يديك يا رسول الله؟! قال: إن أصبت الحق أقررتك وإن لم تصبه رددت عليك)؛ فكان هذا شرفاً لـعمرو بعد.

وقد نوه الشارع بمكانة القضاة القائمين بالقسط والعدل، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في السنن وغيرها أنه قال: ( القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة )، وفصلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، وقاض جهل فقضى على جهل فهو في النار، وقاض عرف الحق فخالفه فقضى بخلاف الحق فهو في النار ).

وبين صلى الله عليه وسلم ما يتلقاه القضاة من الإشكال؛ لأنهم ينوبون عن الأنبياء في فصل النزاع ويوقعون عن رب العالمين في هذا الأمر الشاق؛ فقال: ( من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين )، وفي رواية: ( من ولّي القضاء فقد ذبح بغير سكين ).

وكذلك فإنه صلى الله عليه وسلم لما أتاه الخصم فخاطبهم خطاباً مؤثراً حتى بكى الخصمان كما في حديث أم سلمة في صحيح البخاري وغيره قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرتي فسمع خصاماً على الباب فقام؛ فإذا خصم.. ) والخصم يطلق على الجمع والمفرد والتثنية، وهو من الألفاظ المشتركة في الإطلاق؛ فقال: ( إنما أنا بشر مثلكم وأنتم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض؛ فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من مال أخيه فإنما أقتطع له جمراً من نار، فليأخذه أو فليدعه؛ فبكيا، فترادا ذلك بينهما، فقال: أما إذ فعلتما فاقسماه ثم اقترعا )، (فاقسماه) أي: اقسما المال الذي تختلفان فيه بينكما بالسوية والعدل ثم اقترعا عليه، فليأخذ كل واحد منكما ما وقعت عليه قرعته، وهذا إقرار للقرعة.

وقد أقرها النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن كثيرة منها: ما ثبت في حديث عائشة رضي الله عنها في قصة الإفك أن: ( النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد السفر أقرع بين نسائه؛ فأية واحدة خرجت القرعة لها خرج بها في السفر )، وهذه القرعة هي من جنس ما ذكرناه من الاعتماد على الغيبيات فيما يتعلق بالقضاء؛ لأهميته وعظم شأنه.

لقد أولى الشارع الشهادة ووسائل الإثبات عموماً اعتباراً عظيماً؛ فقد بين الله تعالى ما على الشهود من الحق وما لهم منه، وكيف يختارون، وأن يكونوا من أهل الشهادة والعدل؛ فقال تعالى: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ[البقرة:282]؛ فبين ما على الشاهد من الحق وهو وجوب أداء الشهادة، وأن يمتنع عن قولها، وبين ما له من الحق، وهو ألا يضار، فقال: وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ[البقرة:282]، وبين أن هذا المقام لا يصلح له كل أحد، بل قال: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ[البقرة:282]، وكذلك في الطلاق قال: وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ للهِ[الطلاق:2].

وقد جعل الله الشهادة والقيام بالقسط حقاً عاماً على هذه الأمة فخاطبها بذلك في آيتين من كتابه؛ فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ[النساء:135]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ[المائدة:8].

وبين النبي صلى الله عليه وسلم خطر الشهادة وعظم ما يترتب عليها؛ كما في حديث أبي موسى الأشعري في قصة الكندي والحضرمي فقال: ( شاهداك أو يمينه )، وكذلك في حديث عويمر العجلاني رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( بينتك أو حد في ظهرك ).

وبين النبي صلى الله عليه وسلم ما يقع عند تعارض البينات، وما على القاضي في ذلك كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

وقد جاء في حديث ابن عباس كذلك في سنن البيهقي بإسناد فيه ضعف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أترى الشمس إذا طلعت؟ قال: نعم، قال: على مثلها فاشهد أو دع )، فالشهادة لا تكون إلا على الأمر البين الواضح.

وقد بين الله شرط العلم لها؛ فقال تعالى: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ[الزخرف:86]، وقال تعالى: وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ[يوسف:81].

شرط الشهادة في فض الخصومات

فمن شرط الشهادة: أن يكون الإنسان عالماً بما يشهد به.

وبين النبي صلى الله عليه وسلم كذلك أنها لا تكون إلا بعد الاستشهاد، فقال: ( خير القرون القرن الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يأتي أقوام تسبق شهادتهم أيمانهم وأيمانهم شهادتهم، يظهر فيهم السمن )، فهؤلاء القوم وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الأوصاف ليعرفوا بها، أنهم من المفضولين قطعاً؛ لأنهم ليسوا من القرون المزكاة الثلاثة؛ فبين أن شهادتهم تسبق أيمانهم وأن أيمانهم تسبق شهادتهم، وفي رواية أخرى: ( يشهدون ولا يستشهدون )، أي: أنهم يشهدون بما لم يشهدوه، وبما لم يروه، كحال اليهود.

التحذير من شهادة الزور

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من شهادة الزور وعدها من أكبر الكبائر، كما صح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: ( ألا أخبركم بأكبر الكبائر.. ثلاثاً، قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الشرك بالله، وعقوق الوالدين..)، وفي رواية: ( وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وقول الزور، وكان متكئاً فجلس، فقال: ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت! ).

وبين صلى الله عليه وسلم ما على شاهد الزور من الإثم، وعد شهادة الزور من أكبر الكبائر في أحاديث أخرى عنه صلى الله عليه وسلم.

فمن شرط الشهادة: أن يكون الإنسان عالماً بما يشهد به.

وبين النبي صلى الله عليه وسلم كذلك أنها لا تكون إلا بعد الاستشهاد، فقال: ( خير القرون القرن الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يأتي أقوام تسبق شهادتهم أيمانهم وأيمانهم شهادتهم، يظهر فيهم السمن )، فهؤلاء القوم وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الأوصاف ليعرفوا بها، أنهم من المفضولين قطعاً؛ لأنهم ليسوا من القرون المزكاة الثلاثة؛ فبين أن شهادتهم تسبق أيمانهم وأن أيمانهم تسبق شهادتهم، وفي رواية أخرى: ( يشهدون ولا يستشهدون )، أي: أنهم يشهدون بما لم يشهدوه، وبما لم يروه، كحال اليهود.

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من شهادة الزور وعدها من أكبر الكبائر، كما صح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: ( ألا أخبركم بأكبر الكبائر.. ثلاثاً، قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الشرك بالله، وعقوق الوالدين..)، وفي رواية: ( وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وقول الزور، وكان متكئاً فجلس، فقال: ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت! ).

وبين صلى الله عليه وسلم ما على شاهد الزور من الإثم، وعد شهادة الزور من أكبر الكبائر في أحاديث أخرى عنه صلى الله عليه وسلم.




استمع المزيد من الشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي - عنوان الحلقة اسٌتمع
خطورة المتاجرة بكلمة الحق 4789 استماع
بشائر النصر 4279 استماع
أسئلة عامة [2] 4122 استماع
المسؤولية في الإسلام 4049 استماع
كيف نستقبل رمضان [1] 3986 استماع
نواقض الإيمان [2] 3941 استماع
عداوة الشيطان 3924 استماع
اللغة العربية 3923 استماع
المسابقة إلى الخيرات 3897 استماع
أسماء الله الحسنى [2] 3866 استماع