أحوال السعداء يوم القيامة


الحلقة مفرغة

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد:

أيها الإخوة في الله: حتى لا ينخدع الإنسان لا بد من بيان أن هذه الدار دار كسب وتحصيل، وأن الجزاء الذي يحصل عليه الإنسان في الآخرة إنما يكون على ضوء ما كسبه وحصله في هذه الدار، فهذه الدنيا مزرعة وحصادها في الآخرة، ومن يزرع خيراً يجد خيراً، ومن يزرع شراً يجد شراً.

ومن رحمة الله عزَّ وجلَّ أن جعل الآخرة وما أعد فيها من النعيم حصاداً للكسب الذي يستطيع كل إنسان أن يعمله، فلو أن الآخرة تنال بالمناصب لحازها أقوام وحرم منها آخرون.

ولو أن الآخرة تنال بالأموال لاستحوذ واستولى عليها الأثرياء والتجار.

ولو أنها تُحْجَز بالجاه والسلطة والقوة والعضلات والطول والعرض لحرم منها الفقراء والضعفاء والمرضى؛ ولكن من رحمة الله عزَّ وجلَّ أن جعل الآخرة يُحصل عليها بأسهل طريق، وبأقل قدرة وهو: العمل الصالح، وهذا بإمكان كل أحد أن يعمله.

فلا ينفع الإنسان هناك جاه، يقول الله عزَّ وجلَّ عن أهل النار وهم يستلمون كتبهم بشمائلهم: مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة:28-29]، ولا ينتفع الإنسان هناك بمال يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89] ولا ينتفع الإنسان هناك بثناء الناس عليه، والله لو أثنى عليك أهل الأرض كلهم، وذمك الله فلن ينفعوك بشيء، ولو ذمك أهل الأرض كلهم وأثنى عليك الله ما ضروك بشـيء.

فيجب أن تركز اهتمامك على العمل، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اعملوا يا آل محمد فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً -ويقول:- يا فاطمة! لا يأتيني الناس بالأعمال وتأتوني أنتم بالأحساب) فلا يغني حسب يوم القيامة: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ [المؤمنون:101] أبو جهل القرشي، وأبو لهب عم الرسـول صلى الله عليه وسلم فحمة من فحم جهنم.

وبلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر، هؤلاء من ملوك الآخرة، وقد كانوا يباعون بيع الرقيق؛ لكن أعلى قدرهم الإسلام، وأولئك أحرار وصناديد ومن خيار العرب؛ لكن أوضعهم وأنزل قدرهم الكفر والعياذ بالله.

فاحرص يا أخي على العمل، والله لا ينفعك بعد هذه الدار إلا العمل الصالح، التعامل معك هناك سيكون على ضوء عملك هنا، يقول الله عزَّ وجلَّ: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم:31].

وأحوال الناس يوم القيامة تنقسم إلى ثلاثة أحوال:

1/ أحوال أهل النار من الكفار، أعاذنا الله وإياكم من طريقتهم وشأنهم.

2/ أحوال العصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ممن لهم توحيد؛ لكنهم خلطوا هذا التوحيد بمعاصٍ وسيئات وبذنوب وكبائر؛ لكنهم ضمن دائرة الإسلام، وما خرجوا من الدائرة.

3/ وأحوال السعداء -جعلنا الله وإياكم منهم- الذين استسلموا لله، وخضعوا وانقادوا، وصبغوا حياتهم كلها بصبغة الإيمان، وبرمجوا جميع أوقاتهم وليلهم ونهارهم، وبيوتهم ومزارعهم ومعاملهم وأسواقهم، وجميع تصرفاتهم كلها على ضوء الكتاب والسنة.

ولا يعني هذا أنهم ملائكة لا يخطئون! لا. بل قد تزل بهم القدم؛ ولكن إذا أخطئوا تابوا واستغفروا؛ لأن الله تبارك وتعالى غفور رحيم، يقول عزَّ وجلَّ: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً [النساء:31].

ويقول: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [النجم:32] واللمم: ذنوب وصغائر يُلِمُّ بها العبد المكلف من غير إصرار ولا تعمد؛ لكن تجده وهو ماشٍِ تقع عليه مثل الغبار الذي يلطخ سيارتك؛ لكن تمسحه مباشرة، لا تنزل بنفسك وتأخذ تراباً وتضعه على الزجاج، وتقول: هذا غبار، لا. بل شيء عارض، نظرة أو خطرة أو كلمة أو زلة مرت منك كل هذه تجتنبها لكنك تقع فيها، قال عزَّ وجلَّ: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [النجم:32] ثم قال عزَّ وجلَّ: إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ [النجم:32] واللمم بسيط، والله عزَّ وجلَّ يغفره إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم:32].

وقد سبق الكلام على أحوال أهل النار، وأحوال العصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والآن سيكون الكلام عن أحوال السعداء جعلنا الله وإياكم منهم.

السعداء يوم القيامة لهم حالة، وهذا الكلام كله في عرصات القيامة لم نأتِ إلى الجنة ولا إلى النار، نحن لا نزال في يوم القيامة.. يوم الوقوف.. اليوم الذي طوله خمسون ألف سنة، منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا ألف وأربعمائة وإحدى عشرة سنة، أي: واحد على خمسين من يوم القيامة.

يوم القيامة يوم طويل، لا يعلم طوله إلا الله عزَّ وجلَّ، خمسون ألف سنة من أيام الآخرة، وليست من أيام الدنيا، واليوم من أيام الآخرة بألف سنة وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج:47] واضرب ألفاً في خمسين ألف، فهل تضيِّع هذا اليوم كله بالمعاصي .. خمسون سنة ليست عند الله إلا مثل واحد على عشرين من يومٍ من أيام الآخرة.

في ذلك اليوم للناس من السعداء والموفقين والأتقياء لهم حال ولهم أحوال متعددة.

الحالة الأولى من أحوالهم: أنهم لا يخافون ولا يفزعون حين يفزع الناس، يقوم المؤمن من قبره وهو آمن كأنه رائحٌ وداخلٌ الجنة.

الناس في الدنيا تعودوا أن يحصل لهم هلع وفزع وخوف واضطراب لأي شيء من متغيرات الحياة، فإذا هبت ريح عاصفة وحملت الأشجار وقلعتها، وهدَّمت البيوت، كيف سيكون وضع الناس؟!

إذا نزلت أمطار عاتية وهدَّمت البيوت، كيف سيكون وضع الناس؟!

إذا حصلت حوادث سيارات، وإذا حدثت نكبات، ووقع زلـزال أو خسف أو حروب وغزو وضرب، كيف سيكون حال الناس؟!

سيكونون في حالة عظيمة من الخوف؛ ولكن يوم القيامة تدمر السماوات والأرض كلها -ليس فقط حدثاً بسيطاً- بل كل الدنيا تتغير معالمها، إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [الانفطار:1-4].

إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ [التكوير:1-3] كل هذه تتغير؛ ولكن أهل الإيمان وهم يرون هذه الأحداث تتغير لا يخافون، عندهم أمن وطمأنينة في قلوبهم، لماذا ؟ لأنهم أولياء الله: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62] هم أولياء الله في الدنيا، فصار الله ولياً لهم في الآخرة، كانوا كما يريد الله في الدنيا، فكان الله لهم كما يريدون في الآخرة.

عملوا بطاعة الله استعداداً لذلك اليوم، فيؤمِّنهم الله في ذلك اليوم، حينما يُبَعْثَر الناس من القبور تستقبلهم الملائكة وترحب بهم، وتطمئن قلوبهم، وتهدئ من روعهم، وتقول لهم: لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [الأعراف:49].

يقـول الله عزَّ وجلَّ: إِنَّ الَّذِينَ سَبَـقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْـنَى أُولَئِـكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء:101] أي: عن النار لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ [الأنبياء:102-103] والله يسميه الأكبر؛ لكن أهل الإيمان لا يحزنهم، مهما كان الفزع لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء:103] الملائكة تطمئنهم، وتقول لهم: لا تخافوا: هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء:103] أي: إن الله يدخلكم فيه الجنة، ليس هناك خوف عليكم، الله أكبر!

والفزع هو: شدة الهلع والخوف الذي يحصل للعباد حينما يُبَعْثَرون من قبورهم، تصور وأنت تسير وإذا بالقبور تهتز، والناس يخرجون من القبور شاخصةً أبصارهم، عراةً.. حفاةً.. غُرْلاً.. بُهْماً.. غير مختونين.. والشمس تدنو من الرءوس، والعرق يسيل على قدر أعمال العباد، والأمر متغير؛ لكنّ أهل الإيمان مطمئنون، لا خوف عليهم اليوم ولا هم يحزنون.

في ذلك اليوم ينادي منادي الرحمن أولياء الرحمن: يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ [الزخرف:68-69].

ويقول الله عزَّ وجلَّ: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [يونس:62-64].

خوف المؤمن من الله في الدنيا جعله يأمن يوم الفزع الأكبر

السر في هذا الأمن الذي يشمل الله به عباده السعداء والأتقياء: أن قلوبهم كانت في الدنيا عامرة بالخوف من الله، فكانوا يراقبون الله في كل تصرفاتهم، كانت مراقبة الله بين أعينهم، ولا يجد صعوبة في هذا، تُتاح له الملذات والشهوات؛ ولكن الخوف من الله يقف حاجزاً بينه وبين معاصي الله.

قد يخلو بامرأة، ونفسه تدعوه، وتركيبته الجنسية تدعوه؛ ولكن خوفه يحجزه، ولهذا جاء من ضمن السبعة: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال -ما الذي منعه؟!- فقال: إني أخاف الله) فهذا الخوف من الله كان يعمر قلوب أهل الإيمان، يموت جوعاً ولا يمكن أن يأكل حراماً.

هناك شخص من الشباب يخبرني بهذه القصة، مجلة إسلامية اسمها: التربية الإسلامية، وقد قرأتها بنفسي، وهي موجودة لديَّ، والقصة مفادها: أن شاباً كان يدرس في القاهرة في الأزهر ، وكان يسكن في مدينة البعوث الإسلامية التي يسكنها الغرباء الذين يأتون من شـتى أقطـار الأرض -ومرَّ هذا قبل أربعين سنة أو ثلاثين- وكان هذا الشخص رجلاً تقياً ولكنه فقير لا يملك شيئاً، وضاقت به الأرض حتى مرت عليه أيام وليالٍ وهو لا يستطيع أن يحصل على لقمة العيش، فخرج يومًا من الأيام من مسكنه قاصداً الأزهر لطلب العلم قبل صلاة العصر، وفي الطريق شَمَّ وهو يسير من أحد البيوت رائحةََ طعام شهي يقطع القلوب، وهو سيموت جوعاً، فطرق الباب يريد أن يطلب منهم فلم يستجب أحد، فدفع الباب، فانفتح، فدخل فناء البيت، ثم دعا، فلم يستجب له أحد، فطرق الباب الداخلي، ثم دفعه فانفتح الباب، ونادى، فلم يستجب له أحد، فشاهد أمامه صحفة فيها نوع من الطعام الذي شم رائحته وليس عنده أحد، فدفعه الجوع والحاجة والاضطرار إلى أن يدخل ويأكل وحده من الأكل، وكان الطعام كُبَّة من العيش والبطاطس؛ محشية باللحم ومقلية، كانت رائحتها شهية جداً، أشبه بالسنبوسة، فأخذ واحدة، وعندما حملها وأراد أن يأكلها نظر إليها، فجاءه الخوف من الله فقال: لقمة تأكلها الآن وهي حرام، ولا تدري مَن صاحبها! لا. وبعد أن أرجعها جاءه الجوع والحاجة، سيموت، فأخذها، فلما أخذها جاءه الخوف، وبقي في صراع وتنازع، النفس تقول: كُلْ، والقلب والعقل يقولان: لا تأكل.

أخيراً انتصر على نفسه ووضعها، وخرج من أجل الله، ودخل المسجد، وصلَّى العصر، وجلس في مجلس الشيخ، وبينما هم جلوس إذا بتلك المرأة تدخل المسجد وتقف على باب المسجد، وتطلب الشيخ أن يأتيها، فجاءها الشيخ، فقالت له: يا شيخ ! أنا امرأة أرملة؛ توفي زوجي منذ سنوات، وترك لنا مالاً وفيراً، وخلَّف بنتاً، والآن بلغت سن الزواج، وأوصَى أبوها أَلا أزوجها إلا برجل يخاف الله عزَّ وجلَّ، فأريد أن تختار لي مِن طلابك هؤلاء مَن تعرف فيه وفي قلبه مخافة الله.

قال: حسناً!

فرجع الشيخ ونظر في الشباب وهم جلوس كلهم في الحلقة، وتقع عينه على ذلك الرجل التقـي -لأن التقوى لها آثار في الوجه وفي كل شيء- فدعاه، وأخذه إلى خارج الحلقة وقال له: تريد الزواج؟

قال: يا شيخ ! منذ ثلاثة أيام والله ما ذقتُ طعم العيش، وتريدني أن أتزوج؟! ليس عندي شيء يا شيخ!

قال له: لا شأن لك، كل شيء موجود.

قال: إذا كان كل شيء موجود فليس عندي مانع.

فأخذه وجاء به إليها، قال: هذا أرضاه لابنتكِ زوجاً؛ لأنه تقي يخاف الله.

قالت: أنا أعددتُ طعاماً جاهزاً، أريدك أن تأتي أنتَ وطلابُك وهُوَ لنأكل من هذا الطعام، وتكتب العقد.

فأخذتِ الشيخَ والطلابَ وهذا الطالبَ وهي تمشي أمامهم، ومشت بهم من طريق إلى طريق إلى أن أدخلتهم في ذلك البيت، وتأتي بالصَّحفة وتضعها أمامهم، ويشاء الله أن تكون الصَّحفة والجهة التي فيها تلك اللقمة من عند ذلك الطالب، ويمد يده عليها ويأكلها حلالاً، ومعها زوجة؛ ولو أنه أكلها لَمَنَعَتْه تلك من نعمة الدنيا، بل ربما تمنعه من نعمة الآخرة.

فالذين يخافون الله عزَّ وجلَّ يجدون صعوبة، فأنت إذا كنت موظفاً وبجانبك موظف آخر، وتراه يسيّر عمله بالرشوة، ويربح في اليوم ما توفره أنت في سنة؛ ولكنك لا ترضى أن تأكل ريالاً حراماً، تجد فيه صعوبة عليك؛ لكن اصبر، هذا يأكل حراماً، يأكل ناراً حمراء، يأكل لعنة الله: (لعن الله الراشي والمرتشي والرائش بينهما) أما والله إن ريالاً حلالاً عندك أعظم من مليون، بل أعظم من الدنيا بأسرها وهي حرام؛ ما قيمة الدنيا وهي حرام إذا ملأت بها بطنك، وقدمت على الله وأنت آكل للحرام؟ عبادتك باطلة، وزوجتك وأولادك أكلوا الحرام، وحياتك كلها حرام في حرام .. لكن عندما تأكل ريالاً حلالاً أعظم بركة من مليون ريال حراماً.

فهؤلاء هم الذين كانوا يقومون الليل، ويصومون النهار، ويستعدون للوقـوف بين يـدي الله عزَّ وجلَّ، هؤلاء خافوا من الله، ولما خافوا من الله أمَّنهم الله يوم القيامة، يقولون: إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً [الإنسان:10] ماذا حصل؟ ! فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ [الإنسان:11].

إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ [الطور:26] كنا في أهلنا ومع أزواجنا وفي بيوتنا؛ لكن في قلوبنا شفقة وخوف فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا... [الطور:27] أي: أمَّننا الله (... وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور:27-28].

قال الله عزَّ وجلَّ جزاءً لهم على خوفهم: فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً [الإنسان:11-12].

لا يجمع الله بين أمنين ولا خوفين

وفي الحديث الذي يرويه أبو نعيم في الحلية : عن شداد بن أوس، يقول النبي صلى الله عليه وسلم -وهذا الحديث صحيح؛ صححه الألباني في السلسلة-: (يقول الله عزَّ وجلَّ: وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين، ولا أجمع عليه خوفين، إن هو أَمِنني في الدنيا أخفته يوم أجمع فيه عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمَّنته يوم أجمع فيه عبادي) أتريدها كلها سواءً ؟! لا. لا يصلح، خِف من الله هنا تأمن من الله هناك.

أما أنك لا تخاف الله هنا، فسوف يخوِّفك الله عزَّ وجلَّ هناك، ثم أجرِ مقارنة، فلا بد من واحدة تجري على رأسك، ليس لك مهرب، ما دُمتَ غُلِبْت فلا بد من أن تخاف هنا أو تخاف هناك، أو تأمن هنا، أو تأمن هناك، فما هو الأفضل لك والأسلم؟ أن تخاف ستين أو سبعين سنة وتأمن أبد الآبدين؛ أم أن تأمن ستين أو سبعين سنة، وتشرب وتأكل، وتنكح وتزني وتفجر، وتنام وتتمشَّى، ثم يخوفك الله أبد الآبدين؟ ما هو المنطق والعقل؟

المنطق والعقل إذا تَدَخَّلا سيقولان: لا والله، خَفْ سبعين سنة أو ثمانين سنة أو مائة سنة، ولا تخف الأبد كله.

الناس الآن واقعون مع أنفسهم في دراستهم، تجد الطالب الواقعي يجتهد ست سنوات ابتدائي، وست سنوات متوسط وثانوي، وأربع سنوات جامعة من أجل أن يأخذ الشهادة الجامعية ويتوظف، ليعيش في هذه السن التي بذل فيها الدراسة ( 6 + 6 = 12 + 4 = 16 ) سنة، يريد أن يعيش حياة كريمة بعد التخرج، كم مدتها؟ أربعين أو خمسين أو ستين سنة، ثم يموت.

فالذي يأمن الله هنا يخوِّفه الله هناك، والذي يخاف الله هنا يؤمِّنه الله هناك، وكلما كان العبد أكثر إيماناً وإخلاصاً وتقوى كلما كان أكثر أمناً يوم القيامة، فأهل التوحيد هم أحسن طبقة، الذين ما خلطوا إيمانهم بشرك، يقول الله عزَّ وجلَّ: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] الذين آمنوا ولم يلبسوا، أي: ولم يخلطوا، أو لم يغلِّفوا إيمانهم بشيء من الظلم؛ وهذه الآية عندما نزلت قال الصحابة: (يا رسول الله! وأيُّنا لا يظلم نفسه؟ قال: الظلم: الشرك، أما سمعتم قول الله عزَّ وجلَّ: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم [لقمان:13]) فالشرك ظلم، فالذي يلبس إيمانه بشرك هذا ليس بمؤمن، يخرج من التوحيد؛ لكن إذا وحَّد ولم يلبس إيمانه بشيء من الشرك فـ: أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82].

هذا أول حال من أحوال يوم القيامة، وهو: الأمن.

والأمن مطلب رئيس من مطالب البشر حتى يستريحوا، فلو أعطيت جميع لذائذ الدنيا وأنت خائف فإنك لا تريدها، أليس كذلك ؟ !

لا تريد حياة إلا وفيها أمن، إذا طرق الباب عليك طارق، وعرفت أنه يريد منك سرقة أو قتلاً أو تخويفاً، أو شيئاً وأنت تأكل أو تشرب أو تنام، فإن النوم يذهب منك، والأكل لن تهنأ به، والعافية لم تعد تأتيك، وتبقى في قلق، لماذا؟

من الخوف!

فهذا الخوف ينزعه الله منك يوم القيامة وتُبْعَث آمناً: أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [فصلت:40].

أتريد أن تأتي آمناً يوم القيامة؟ خَفْ مِن الله في هذه الدنيا، في حالتين:

عند ورود أمره عليك.

وعند ورود نهيه عليك.

إذا ورد عليك أمر الله فخَف من الله، ونفِّذ أمره، وإذا ورد نهيه عليك فخف من الله عزَّ وجلَّ وانْتَهِ عما نهاك، فإذا عملت هذين الأمرين فأنت خائف من الله، أما إذا تركت الأوامر، ووقعت في النواهي، وادعيت أنك تخاف الله فهذا خوف الكذابين، ولا ينفعك، فالذي يخاف من الشيء يبتعد عنه، والذي يخاف من المعاصي يرفضها، والذي يخاف من العذاب لا يسير في طريقه، وكذلك المؤمن الذي يريد أن يأتي آمناً يوم القيامة لا يقع في شيء مما يخوفه الله عزَّ وجلَّ به يوم القيامة.

السر في هذا الأمن الذي يشمل الله به عباده السعداء والأتقياء: أن قلوبهم كانت في الدنيا عامرة بالخوف من الله، فكانوا يراقبون الله في كل تصرفاتهم، كانت مراقبة الله بين أعينهم، ولا يجد صعوبة في هذا، تُتاح له الملذات والشهوات؛ ولكن الخوف من الله يقف حاجزاً بينه وبين معاصي الله.

قد يخلو بامرأة، ونفسه تدعوه، وتركيبته الجنسية تدعوه؛ ولكن خوفه يحجزه، ولهذا جاء من ضمن السبعة: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال -ما الذي منعه؟!- فقال: إني أخاف الله) فهذا الخوف من الله كان يعمر قلوب أهل الإيمان، يموت جوعاً ولا يمكن أن يأكل حراماً.

هناك شخص من الشباب يخبرني بهذه القصة، مجلة إسلامية اسمها: التربية الإسلامية، وقد قرأتها بنفسي، وهي موجودة لديَّ، والقصة مفادها: أن شاباً كان يدرس في القاهرة في الأزهر ، وكان يسكن في مدينة البعوث الإسلامية التي يسكنها الغرباء الذين يأتون من شـتى أقطـار الأرض -ومرَّ هذا قبل أربعين سنة أو ثلاثين- وكان هذا الشخص رجلاً تقياً ولكنه فقير لا يملك شيئاً، وضاقت به الأرض حتى مرت عليه أيام وليالٍ وهو لا يستطيع أن يحصل على لقمة العيش، فخرج يومًا من الأيام من مسكنه قاصداً الأزهر لطلب العلم قبل صلاة العصر، وفي الطريق شَمَّ وهو يسير من أحد البيوت رائحةََ طعام شهي يقطع القلوب، وهو سيموت جوعاً، فطرق الباب يريد أن يطلب منهم فلم يستجب أحد، فدفع الباب، فانفتح، فدخل فناء البيت، ثم دعا، فلم يستجب له أحد، فطرق الباب الداخلي، ثم دفعه فانفتح الباب، ونادى، فلم يستجب له أحد، فشاهد أمامه صحفة فيها نوع من الطعام الذي شم رائحته وليس عنده أحد، فدفعه الجوع والحاجة والاضطرار إلى أن يدخل ويأكل وحده من الأكل، وكان الطعام كُبَّة من العيش والبطاطس؛ محشية باللحم ومقلية، كانت رائحتها شهية جداً، أشبه بالسنبوسة، فأخذ واحدة، وعندما حملها وأراد أن يأكلها نظر إليها، فجاءه الخوف من الله فقال: لقمة تأكلها الآن وهي حرام، ولا تدري مَن صاحبها! لا. وبعد أن أرجعها جاءه الجوع والحاجة، سيموت، فأخذها، فلما أخذها جاءه الخوف، وبقي في صراع وتنازع، النفس تقول: كُلْ، والقلب والعقل يقولان: لا تأكل.

أخيراً انتصر على نفسه ووضعها، وخرج من أجل الله، ودخل المسجد، وصلَّى العصر، وجلس في مجلس الشيخ، وبينما هم جلوس إذا بتلك المرأة تدخل المسجد وتقف على باب المسجد، وتطلب الشيخ أن يأتيها، فجاءها الشيخ، فقالت له: يا شيخ ! أنا امرأة أرملة؛ توفي زوجي منذ سنوات، وترك لنا مالاً وفيراً، وخلَّف بنتاً، والآن بلغت سن الزواج، وأوصَى أبوها أَلا أزوجها إلا برجل يخاف الله عزَّ وجلَّ، فأريد أن تختار لي مِن طلابك هؤلاء مَن تعرف فيه وفي قلبه مخافة الله.

قال: حسناً!

فرجع الشيخ ونظر في الشباب وهم جلوس كلهم في الحلقة، وتقع عينه على ذلك الرجل التقـي -لأن التقوى لها آثار في الوجه وفي كل شيء- فدعاه، وأخذه إلى خارج الحلقة وقال له: تريد الزواج؟

قال: يا شيخ ! منذ ثلاثة أيام والله ما ذقتُ طعم العيش، وتريدني أن أتزوج؟! ليس عندي شيء يا شيخ!

قال له: لا شأن لك، كل شيء موجود.

قال: إذا كان كل شيء موجود فليس عندي مانع.

فأخذه وجاء به إليها، قال: هذا أرضاه لابنتكِ زوجاً؛ لأنه تقي يخاف الله.

قالت: أنا أعددتُ طعاماً جاهزاً، أريدك أن تأتي أنتَ وطلابُك وهُوَ لنأكل من هذا الطعام، وتكتب العقد.

فأخذتِ الشيخَ والطلابَ وهذا الطالبَ وهي تمشي أمامهم، ومشت بهم من طريق إلى طريق إلى أن أدخلتهم في ذلك البيت، وتأتي بالصَّحفة وتضعها أمامهم، ويشاء الله أن تكون الصَّحفة والجهة التي فيها تلك اللقمة من عند ذلك الطالب، ويمد يده عليها ويأكلها حلالاً، ومعها زوجة؛ ولو أنه أكلها لَمَنَعَتْه تلك من نعمة الدنيا، بل ربما تمنعه من نعمة الآخرة.

فالذين يخافون الله عزَّ وجلَّ يجدون صعوبة، فأنت إذا كنت موظفاً وبجانبك موظف آخر، وتراه يسيّر عمله بالرشوة، ويربح في اليوم ما توفره أنت في سنة؛ ولكنك لا ترضى أن تأكل ريالاً حراماً، تجد فيه صعوبة عليك؛ لكن اصبر، هذا يأكل حراماً، يأكل ناراً حمراء، يأكل لعنة الله: (لعن الله الراشي والمرتشي والرائش بينهما) أما والله إن ريالاً حلالاً عندك أعظم من مليون، بل أعظم من الدنيا بأسرها وهي حرام؛ ما قيمة الدنيا وهي حرام إذا ملأت بها بطنك، وقدمت على الله وأنت آكل للحرام؟ عبادتك باطلة، وزوجتك وأولادك أكلوا الحرام، وحياتك كلها حرام في حرام .. لكن عندما تأكل ريالاً حلالاً أعظم بركة من مليون ريال حراماً.

فهؤلاء هم الذين كانوا يقومون الليل، ويصومون النهار، ويستعدون للوقـوف بين يـدي الله عزَّ وجلَّ، هؤلاء خافوا من الله، ولما خافوا من الله أمَّنهم الله يوم القيامة، يقولون: إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً [الإنسان:10] ماذا حصل؟ ! فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ [الإنسان:11].

إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ [الطور:26] كنا في أهلنا ومع أزواجنا وفي بيوتنا؛ لكن في قلوبنا شفقة وخوف فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا... [الطور:27] أي: أمَّننا الله (... وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور:27-28].

قال الله عزَّ وجلَّ جزاءً لهم على خوفهم: فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً [الإنسان:11-12].

وفي الحديث الذي يرويه أبو نعيم في الحلية : عن شداد بن أوس، يقول النبي صلى الله عليه وسلم -وهذا الحديث صحيح؛ صححه الألباني في السلسلة-: (يقول الله عزَّ وجلَّ: وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين، ولا أجمع عليه خوفين، إن هو أَمِنني في الدنيا أخفته يوم أجمع فيه عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمَّنته يوم أجمع فيه عبادي) أتريدها كلها سواءً ؟! لا. لا يصلح، خِف من الله هنا تأمن من الله هناك.

أما أنك لا تخاف الله هنا، فسوف يخوِّفك الله عزَّ وجلَّ هناك، ثم أجرِ مقارنة، فلا بد من واحدة تجري على رأسك، ليس لك مهرب، ما دُمتَ غُلِبْت فلا بد من أن تخاف هنا أو تخاف هناك، أو تأمن هنا، أو تأمن هناك، فما هو الأفضل لك والأسلم؟ أن تخاف ستين أو سبعين سنة وتأمن أبد الآبدين؛ أم أن تأمن ستين أو سبعين سنة، وتشرب وتأكل، وتنكح وتزني وتفجر، وتنام وتتمشَّى، ثم يخوفك الله أبد الآبدين؟ ما هو المنطق والعقل؟

المنطق والعقل إذا تَدَخَّلا سيقولان: لا والله، خَفْ سبعين سنة أو ثمانين سنة أو مائة سنة، ولا تخف الأبد كله.

الناس الآن واقعون مع أنفسهم في دراستهم، تجد الطالب الواقعي يجتهد ست سنوات ابتدائي، وست سنوات متوسط وثانوي، وأربع سنوات جامعة من أجل أن يأخذ الشهادة الجامعية ويتوظف، ليعيش في هذه السن التي بذل فيها الدراسة ( 6 + 6 = 12 + 4 = 16 ) سنة، يريد أن يعيش حياة كريمة بعد التخرج، كم مدتها؟ أربعين أو خمسين أو ستين سنة، ثم يموت.

فالذي يأمن الله هنا يخوِّفه الله هناك، والذي يخاف الله هنا يؤمِّنه الله هناك، وكلما كان العبد أكثر إيماناً وإخلاصاً وتقوى كلما كان أكثر أمناً يوم القيامة، فأهل التوحيد هم أحسن طبقة، الذين ما خلطوا إيمانهم بشرك، يقول الله عزَّ وجلَّ: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] الذين آمنوا ولم يلبسوا، أي: ولم يخلطوا، أو لم يغلِّفوا إيمانهم بشيء من الظلم؛ وهذه الآية عندما نزلت قال الصحابة: (يا رسول الله! وأيُّنا لا يظلم نفسه؟ قال: الظلم: الشرك، أما سمعتم قول الله عزَّ وجلَّ: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم [لقمان:13]) فالشرك ظلم، فالذي يلبس إيمانه بشرك هذا ليس بمؤمن، يخرج من التوحيد؛ لكن إذا وحَّد ولم يلبس إيمانه بشيء من الشرك فـ: أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82].

هذا أول حال من أحوال يوم القيامة، وهو: الأمن.

والأمن مطلب رئيس من مطالب البشر حتى يستريحوا، فلو أعطيت جميع لذائذ الدنيا وأنت خائف فإنك لا تريدها، أليس كذلك ؟ !

لا تريد حياة إلا وفيها أمن، إذا طرق الباب عليك طارق، وعرفت أنه يريد منك سرقة أو قتلاً أو تخويفاً، أو شيئاً وأنت تأكل أو تشرب أو تنام، فإن النوم يذهب منك، والأكل لن تهنأ به، والعافية لم تعد تأتيك، وتبقى في قلق، لماذا؟

من الخوف!

فهذا الخوف ينزعه الله منك يوم القيامة وتُبْعَث آمناً: أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [فصلت:40].

أتريد أن تأتي آمناً يوم القيامة؟ خَفْ مِن الله في هذه الدنيا، في حالتين:

عند ورود أمره عليك.

وعند ورود نهيه عليك.

إذا ورد عليك أمر الله فخَف من الله، ونفِّذ أمره، وإذا ورد نهيه عليك فخف من الله عزَّ وجلَّ وانْتَهِ عما نهاك، فإذا عملت هذين الأمرين فأنت خائف من الله، أما إذا تركت الأوامر، ووقعت في النواهي، وادعيت أنك تخاف الله فهذا خوف الكذابين، ولا ينفعك، فالذي يخاف من الشيء يبتعد عنه، والذي يخاف من المعاصي يرفضها، والذي يخاف من العذاب لا يسير في طريقه، وكذلك المؤمن الذي يريد أن يأتي آمناً يوم القيامة لا يقع في شيء مما يخوفه الله عزَّ وجلَّ به يوم القيامة.

السعداء الذين يظلهم الله في ظله:

الحالة الثانية من حالات أهل السعادة الأتقياء -جعلنا الله وإياكم وآباءنا وأمهاتنا وإخواننا المسلمين منهم- أنهم يظلهم الله في ظل عرشه مع الأمن، أي: هم آمنون والشمس تغلي، فالأمن يحتاج إلى نوع من الراحة، فالله أراحهم بأن أظلهم في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، حين يكون الناس في الموقف العظيم في الوقت الطويل، أنت الآن عندما تقف ساعة أو ربع ساعة في طابور، أو في انتظار موظف، أو في مراجعة، تشعر بأن ركبتَيك قد آلمتاك، وربما تكون في ظل، ولهذا تحتاج إلى أن ترتاح، فتبحث عن كراسٍ، وتقول: ضعوا للمراجعين كراسٍ، كيف لنا أن نظل واقفين؟ لكن يوم القيامة لا تنتظر ساعة ولا ساعتين ولا يوماً ولا سنة ولا ألف سنة، بل هو خمسون ألف سنة، وكل يوم من هذه الأيام بألف سنة، والناس كلهم وقوف.

اسمه: يوم الموقف، لا يوجد أحدٌ جالساً، من الذي يجلس يوم القيامة؟! لا يوجد جلوس، بل وقوف، موقف عظيم، ثم إن مع الموقف وهج شديد، وحرارة متناهية تصهر أدمغة الناس وتغلي منها رءوس العباد، كما يغلي اللحم في القدور، لا توجد مظلة ولا يوجد أحدٌ يمنعك منها، ثم إنهم يذوقون من العذاب والألم ما تنوء بتحمله الجبال الراسيات، ويكون فريق من أهل الإيمان -اللهم اجعلنا منهم يا رب- هانئين مرتاحين في ظل عرش الرحمن، لا يعانون من الكربات والأهوال شيئاً، هؤلاء هم أصحاب الهمة العالية، والعزيمة الصادقة، والموقف الجاد، الذين تمثلت هممهم وعقائدهم وجديتهم في التزامهم الصادق بعقيدة الإسلام، وبقيم وبعبادات وبسلوك الإسلام.

من السعداء: الإمام العادل

الذين يطبقون الإسلام في كل تصرفاتهم، فالله عزَّ وجلَّ يؤمنهم يوم القيامة، وهم أصناف كثيرة، ذكرهم الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، منها: حديث عند البخاري ومسلم : قال صلى الله عليه وسلم: (سبعة يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله: منهم: إمام عادل).

والإمامة هنا: تشمل كل إمامة، ابتداءً من الإمامة الكبرى وهي: ولاية الأمر العام على المسلمين إلى الولاية الصغرى وهي: ولايتك على بيتك، فأنت إمام، والملك إمام ومسئول، وإذا عدل كان ممن يظلهم الله في ظل عرشه، ومن تحته رئيس الوزراء، ونائب رئيس الوزراء، والوزراء، ووكلاء الوزارات، ومديرو عموم الوزارات، ورؤساء ومديرو الإدارات، ورؤساء الأقسام، والموظفون، وأيضاً: القائد والجندي، كل واحد منهم إمام، حتى العريف يجب أن يعدل فيمن تحته، إذا كنت عريفاً وعندي عشرة أنفار أو عشرون نفراً، فيجب أن أكون عادلاً معهم، وإذا راعيت أحدهم على حساب الآخر أكون خائناً للأمانة، متى كنتَ من هؤلاء يجب أن تكون عادلاً.

إذا كنتُ رئيس قسم وعندي موظفون، يجب أن أتيح لهم الفرص بالتساوي، وإذا كنت مدرساً يجب أن أعامل الطلاب بالتساوي. أو رجل عندي زوجتين يجب أن أعامل الزوجتين بالتساوي. أو عندي أولاد يجب أن أعامل أولادي بالتساوي.

إذا عدلت أمنتَ، وإذا جُرْتَ أو ظلمت خسرت؛ لأن الظلم ممحوق، والله عزَّ وجلَّ قد حرمه، يقول الله عز وجل: (يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالَموا) رواه مسلم .

والظلم عاقبته وخيمة، وهو ضد العدل، والعدل سبب للتمكين، فإذا عدلت وأنت ملك مكَّن الله ملكك، وإذا عدلت وأنت وزير مكَّن الله وزارتك، وإذا عدلت وأنت مدير مكَّن لله إدارتك، وإذا عدلت وأنت مدرس مكَّن الله تدريسك، وإذا عدلت وأنت زوج مكَّن الله زواجك، وإذا عدلت وأنت أب للأولاد مكَّن الله أبوَّتك، أما إذا ظلمت زلزلك الظلم، الظالمون يتولى الله عقوبتهم من فوق سبع سماوات في الدنيا والآخرة.

فالإمام العادل الذي يملك القوة والسلطة؛ ولكنه لم يدفعه هذا الملك وهذه السلطة إلى الطغيان وإلى البطش، بل أقام العدل بين العباد، وحكّم سلطان الشرع الإسلامي من كتاب الله وسنـة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا يوم القيامة في ظل عرش الرحمن.

من السعداء: شاب نشأ في عبادة الله

الصنف الثاني: شاب نشأ في عبادة الله -أسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم- وهذه نلمسها -والحمد لله- وصورتها منتشرة ومشهودة في هذا الزمان، وهي المعبر عنها: بـ (شباب الصحوة).

انظروا! كنا نعاني من الشباب، وكنا نصيح من الشباب، وكان الخطباء يقولون: اللهم أصلح الشباب! اليوم الحمد لله استجاب الله الدعاء في الشباب، ونحن نراهم بالآلاف يستقيمون على منهج الله، هؤلاء الشباب الذين نشئوا في طاعة الله، ما تلطخت صفحاتهم، وما تلوثت حياتهم منذ أن عرف الله ما عرف زنىً، ولا عرف غناءً ولا خموراً، ولا شركاً ولا وثنيةً، ولا عرف شيئاً من هذا منذ أن نشأ، وإذا به ينشأ مثل الزهرة الجميلة المتفتحة تنبت في المنبت الحسن، وتؤتي الثمار الحسنة، فشكلها جميل، ومضمونها جميل، فهذا يظله الله عزَّ وجلَّ يوم القيامة في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

والعلماء يقولون: إن الله عزَّ وجلَّ جعله شاباً، ما قال: وشيخاً نشأ في طاعة الله، لماذا؟

لأن الشاب يجد معاناة، ويجد تعباً، الآن عندما تمر أنت ومعك رجل كبير في السن أمام امرأة متبرجة فتغض ويغض، فأنت تغض لكن ليس غضك مثل غض ذاك الكبير، فهو يغض وقد شبع من هذه الأشكال، أما أنت تغض والشيطان في قلبك يقول: انظر؛ لكن غصباً تغض بصرك، إذاً .. يظلك الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

فهذا الثاني، أسأل الله أن يجعل جميع شباب المسلمين منهم.

من السعداء: رجل قلبه معلق بالمساجد

الثالث: الذين يعمرون مساجد الله بالصلاة، حتى لكأنهم مربوطون بالمساجد، قال: (ورجل قلبه معلق بالمساجد) أي: مربوط، حتى إذا خرج جسده فإنه يخرج من مكانه لكن قلبه في المسجد، جسده في البيت يأكل لكن قلبه في المسجد، ينام وقد وقَّت الساعة على صلاة الفجر، يذهب إلى الدوام وقلبه في المسجد، لا يسمع الأذان إلا وقد قام، قال عليه الصلاة والسلام: (ورجل قلبه معلق بالمساجد) لأنه يجد الأمن والطمأنينة، والأنس والراحة واللذة في بيت الله عزَّ وجلَّ، أكرم مكان يكون عند المؤمن إذا دخل المسجد، الله أكبر ما أعظم تلك اللحظات! وإذا أردت أن تعرف إيمانك أو عدمه فقسه بهذا المقياس.

أما المنافق فيضيق من المسجد مثل الطير في القفص، والمؤمن يرتاح في المسجد مثل السمكة في البحر، لا يجد أنسه إلا هناك، ولولا أنه مطلوب منه أن يعيش بأمر الدين خارج المسجد لَجَلَس في المسجد طيلة عمره، لكنه يسحب نفسه إذا خرج، وإذا رأيته وجدته آخر من يخرج من المسجد، وإذا جاء فهو أول من يجيء؛ لكن ذاك بالعكس فهو آخر من يأتي، وأول من يخرج، لماذا؟

لأنه لا يجره إلى المسجد إلا شيء كخيوط بسيطة والعياذ بالله.

من السعداء: المتحابون في الله

الصنف الرابع: المتحابون في الله.

وهذه لا يجدها أحد إلا أهل الإيمان، أما أهل المعاصي ففيم يتحابون؟ أيتحابون في الله؟

لا. ليسوا متحابين في الله، ولذا قال في الحديث: (ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه).

وهنا يجب أن ننبه إلى أن المحبة في الله لها ضوابط، لا نريد أن تُمْتَهَن هذه الكلمة وأن تستعمل حتى في المعصية، بعضهم يقول: أنا أخوك في الله، وأحبك في الله، وهما يسهران على المعاصي، لا. بل قال: (اجتمعا عليه وافترقا عليه) أي: على طاعة الله، فتجمعهم الطاعة، وتفرقهم الطاعة.

أما أن يجتمعوا على المعصية، فهذه أخوة في الشيطان وليست أخوة في الله، فإذا عُمِرَت مجالسه، وعُمِرَت افتراقاته معه على طاعة الله عزَّ وجلَّ، فهو أخ في الله.

من السعداء: رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله

أيضاً مِن هؤلاء الذين يظلهم الله في ظل عرشه: مَن حال الخوف بينه وبين ممارسة الزنا رغم قوة الدوافع:

أولاً: تدعوه، الرجل ليس بحاجة إلى أن يدعوه أحد، هو يبحث عن هذا إذا لم يكن عنده إيمان؛ لكن المؤمن لا يبحث عن هذا الشيء ويعتصم بالله، فتأتيه امرأة تدعوه: (ورجل دعته امرأة). وماذا بعد ذلك؟

ثانياً: (ذات منصب) أي: لا يخاف، ولا ينكشف أمره. وماذا بعد ذلك؟

ثالثاً: (وجمال) إذاً .. هناك شيء مُغْرٍ.

ومع هذا يقول: (إني أخاف الله).

هذا يظله الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

من السعداء: رجل تصدق بصدقة فأخفاها

وأيضاً من السبعة: الرجل الذي يرزقه الله مالاً فينفقه في سبيل الله عزَّ وجلَّ، ويواسي به الفقراء، ويعطي منه المحتاجين؛ ولكنه حتى يكون خالصاً فهو يُخْفِيه، ولا يخبر به أحداً إلا الله، حتى شماله لا تدري بما أنفقت يمينه، وهذا كناية عن التستر الكامل في عدم إظهار الصدقة؛ لأنها كلما كانت سراً كانت خالصة (ورجل أنفق نفقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه).

من السعداء: رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه

السابع: صاحب القلب الرقيق، صاحب القلب الخائف من الله، الذي إذا ذكر عظمة الله وقوة الله، وذكر عذاب الله عزَّ وجلَّ فاضت عيناه، وبكى وخشع من هذا الموقف الجليل.

(ورجل ذكر الله خالياً) أي: لوحده، ليس مع الناس؛ لأنه إذا كان مع الناس ربما يدخل في نفسه شيء، لماذا؟ لأن الناس تُهَيِّجُه، ربما ينبسط من نظرة الناس؛ لكن بينه وبين الله، عندما لا يراه أحد، ولا أحد يهيَّجه إلا نفسه، ولكن هيجه خوفه من الله ففاضت عيناه، وتقاطرت وسالت القطرات من عينيه على خديه، ولا يراه إلا الله، فيسجله الله بتلك القطرات من ضمن أصحاب المظلة الربانية.

أيها الإخوة في الله: هؤلاء هم الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

وأيضاً وردت أحاديث أخرى في أن المتحابين في الله يظلهم الله عزَّ وجلَّ في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

وأيضاً ورد حديث في صحيح مسلم أنَّ: (مَن أنظر معسراً، أو وضع عنه، أظله الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله) شخص عليه دين لآخر، فجاء صاحب الدَّين إليه وقد أزف الموعد فقال له: هاتِ النقود.

فقال: والله لا أملك شيئاً.

قال: لا يهمك، كم تريد مهلةً؟

قال: أريد سنة.

قال: لك سنة.

أنْظَرَه وأمْهَلَه؛ لكي يأتي بحقه، لم يذهب يشتكي بالحقوق ويشده، ويقول: ضعوه في السجن حتى يسلم، أريد حقي الآن، بل قال: ما دام أن الله مُوَسِّعٌ عليَّ، وهذا أخي في الإسلام فأنا أصبر عليه؛ لكن أرجوك أن تهتم يا أخي بحقي. فأعطاه سنة.

أو قال له أيضاً: عندك عشرة آلاف! أتدري؟!

قال: نعم.

قال: أعطني خمسة آلاف، ولك سنة، وخمسة آلاف الله يعينك عليها، (من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله).

وجاء في مسند أحمد بسند صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَن نفَّس عن غريمه -أي: في أجل- أو محا عنه -أي: ترك له- كان في ظل عرش الله يوم القيامة).

هذه الحالة الثانية.

الحالة الأولى: الأمن.

الحالة الثانية: الظل، يظل الله عزَّ وجلَّ المؤمن في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.




استمع المزيد من الشيخ سعيد بن مسفر - عنوان الحلقة اسٌتمع
كيف تنال محبة الله؟ 2924 استماع
اتق المحارم تكن أعبد الناس 2921 استماع
وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً 2802 استماع
أمن وإيمان 2672 استماع
حال الناس في القبور 2671 استماع
توجيهات للمرأة المسلمة 2597 استماع
فرصة الرجوع إلى الله 2568 استماع
النهر الجاري 2472 استماع
دور رجل الأعمال في الدعوة إلى الله 2464 استماع
مرحباً شهر الصيام 2394 استماع