أرشيف المقالات

الحلم والتحلم. . .

مدة قراءة المادة : 11 دقائق .
8 للأستاذ محمود عزت عرفة (تتمة) (إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم، ومن يتخير الخير يعضه، ومن يتوق الشر يوقه) حديث شريف تماحي الرذائل: قال طرفة في شعر له: حنانيك، بعض الشر أهون من بعض! وتلك جملة موجزة في لفظها وفي معناها، ولكنها تنطوي على حكمة بليغة، وتكن نظرية في الأخلاق عظيمة النفع إذا نحن حاولنا أن نفهمها وأن نحسن تطبيقها، ومؤدي هذه النظرية أن يتقبل الإنسان الشر والشرور، ويحتمل غضاضة الرذيلة من الرذائل، تخلصاً بهما من شر ورذيلة أبلغ ضرراً وأوخم عاقبة وتعد هذه مرحلة - لابد منها - نتحول بها من وضع إلى وضع، فنخلص بأنفسنا من غياض الشر إلى غياض الخير، وننتقل بجوهر أخلاقنا من مناقع الرذيلة إلى منابع الفضيلة. ذلك أن الخير (كالحلال) بيّن، والشر (كالحرام) بيّن، وبينهما أمور متشابهة، يلتبس فيها حق بباطل، ويلتقي صباح بممنوع.
. وتحذير الرسول عليه الصلوات، في حديثه المعروف، من هذه المواطن التي يشتبه فيها الحرام بالحلال إنما يتجه إلى الأخيار الذين أحرزوا من الفضيلة القسط الوافر.
لأن تلبس أحدهم بالمتشابهات يعد انتكاساً له بعد عافية، وانحداراً لنفسه بعد ارتقاء، أما من ران الشر على قلوبهم، وملكت الرذيلة عليهم وردهم وصدرهم، فهؤلاء سبيلهم إذا أرادوا الخلاص لأنفسهم أن يحاولوا (الترقي) أولاً إلى درجة المتشابهات، لأنها الطريق المفضي بهم فيما بعد إلى الخير والفضيلة خالصين من كل شائبة.
ويعد هذا الترقي إلى المتشابهات في حقهم فضيلة وتقدماً، وإن عد في حق الفضلاء من غيرهم شراً وارتكاساً، لا غرو فحسنات العاصين سيئات المطيعين! وقد ذكرنا قبل من دواعي (التحلم) ما يعد وسائل إلى بلوغه وتحصيله، وضروباً من ترويض النفس وإغرائها على الأخذ منه بنصيب. ونضيف هنا إلى ما سبق هنالك أن التحول بالنفس من معرة الغضب والحدة، إلى كمال الحلم وفضيلة الإسجاح، قد لا يتم دفعة؛ وإنما يكون على مرحلة أو مراحل نساير فيها النفس التي نعالجها من حال إلى حال.
فقد نستطيع مثلاً أن نفثاً من حر غضبها وشدة بادرتها بنوازع - نجعلها تستريح إليها مؤقتاً - من الكبر والاستهانة بالمسيء وتحقير شأنه. ونحن لم نعد في هذا أن تحولنا بها من رذيلة إلى رذيلة، ولكن إذا مرنت النفس على ذلك، وتزحزحت عما استولى عليها من الغضب والحدة إلى خلق طارئ من الأنفة والاستكبار أمكننا أن نعالج هذه الحالة الأخيرة بوسائل علاجها، ثم لا نزال ننتقل بالنفس من وضع إلى وضع حتى تخرج عن حد الرذائل والمتشابهات جملة، وتنتهي إلى الخير المحض الذي نتوخاه لها.
وقد نص الغزالي على هذه الوسيلة من العلاج في مؤلفاته غير مرة فهو يقول مثلاً في كتاب (رياضة النفس وتهذي الأخلاق) من سفر الإحياء: من لطائف الرياضة إذا كان المريد لا يسخو بترك الرعونة رأساً أو بترك صفة أخرى، ولم يسمح بضدها دفعة؛ فينبغي أن ينقله - أي المرشد - من الخلق المذموم إلى خلق مذموم آخر أخف منه؛ كالذي يغسل الدم بالبول، ثم يغسل البول بالماء، إذا كان الماء لا يزيل الدم.
وكما يرغب الصبي في المكتب باللعب بالكرة والصولجان وما أشبهه، ثم ينقل من اللعب إلى الزينة وفاخر الثياب، ثم ينقل من ذلك بالترغيب في الرياسة وطلب الجاه، ثم ينقل من الجاه بالترغيب في الآخرة.
هـ. وفي (ربع المهلكات) من سفر الإحياء إشارات متعددة إلى هذا العلاج يدرجها الغزالي في أعقاب كل خلق مرذول عند النص على أوجه علاجه.
ففي كتاب ذم البخل وذم حب المال يقول: ومن لطائف الحيل فيه أن يخدع نفسه بحسن الاسم والاشتهار بالسخاء، فيبذل على قصد الرياء حتى تسمح نفسه بالبذل طمعاً في حشمة الجود؛ فيكون قد أزال عن نفسه خبث البخل واكتسب لها خبث الرياء.
ولكن ينعطف بعد ذلك على الرياء ويزيله بعلاجه.
ويكون طلب الاسم كالتسلية للنفس عند فطامها عن المال، كما قد يسلي الصبي عند الفطام عن الثدي باللعب بالعصافير وغيرها، لا ليخلي واللعب، ولكن لينفك عن الثدي إليه ثم ينقل عنه إلى غيره.
فكذلك هذه الصفات الخبيثة ينبغي أن يسلط بعضها على بعض.
هـ. وهذا العلاج الذي وضعنا له عنوان (تماحي الرذائل) ينطوي على خطر غامض دقيق يستوجب ألا يتعرض لمزاولته وأخذ المريد به إلا كل طب خبير بأدواء النفوس، عارف بالعلل الخلقية دقيقها وجليلها، وأيها أصعب علاجاً، وأيها أيسر تحولاً.
.
وإلا تفاقمت العلة بمريضه وهو يحاول شفاءه، أو مات بين يديه وهو يريد إحياءه.
وقد سبق الغزالي إلى توضيح هذه الخطورة وإلى التحذير منها - وكم للغزالي من سبق إلى مثل هذه الحقائق النفيسة الخالدة - فهو يقول بعد ذكر علاج البخل (بتكلف السخاء على قصد الرياء): إلا أن هذا مفيد في حق من كال البخل أغلب عليه من حب الجاه والرياء، فيبدل الأقوى بالأضعف، فإن كان الجاه محبوباً عنده كالمال فلا فائدة فيه، فإنه يقلع من علة ويزيد في أخرى مثلها! ويضرب لنا الغزالي في موضع آخر مثالاً حسياً عجيباً لتناحر هذه الرذائل واصطراعها في النفس حتى تضعف فتفني جميعاً، وتحل محلها الفضيلة التي جعلناها هدفنا من العلاج، فيقول: مثال دفع هذه الصفات بعضها ببعض ما يقال إن الميت تستحيل جميع أجزائه دوداً، ثم يأكل بعض الديدان البعض حتى يقل عددها، ثم يأكل بعضها بعضاً حتى ترجع إلى اثنتين قويتين عظيمتين، ثم لا تزالان تتقاتلان إلى أن تغلب أحدهما الأخرى فتأكلها وتسمن بها، ثم لا تزال تبقى جائعة وحدها إلى أن تموت.
فكذلك هذه الصفات الخبيثة يمكن أن يسلط بعضها على بعض حتى يقمعها ويجعل الأضعف قوتاً للأقوى إلى أن لا يبقى إلا واحدة، ثم تقع العناية بمحوها وإذابتها بالمجاهدة.
هـ. خاتمة: الحلم كسائر الفضائل وسط ممدوح بين طرفين مذمومين.
فإذا نحن (تحيّفنا) منه متجهين إلى أحد طرفيه كان ذلك تفريطاً في الحلم يتحول بنا إلى الحدة وإلى السفاه وسرعة الغضب.
وإذا نحن (تزيدنا) فيه متجهين إلى طرفه الثاني كان إفراطاً يفضي إلى الضعف والخور وفقد الحمية، وكلا الطرفين مذموم.
أما الأول فحاله معروف، والتحذير من الغضب كثير، لأن النفوس إليه أسرع، فكان التخويف منه أوجب وأولى. وأما فقد الحمية فآفة أقل - في سواد الناس - من الغضب انتشاراً، ومع ذلك يتردد ذمها كثيراً، لأنها الإفراط المتناهي في الحلم الذي يتحول به من ممدوح الفضائل إلى مقبوح الرذائل. يقول الغزالي في هذا المعنى: (لما كانت الطباع إلى العنف والحدة أميل كانت الحاجة إلى ترغيبهم في جانب الرفق أكثر؛ فلذا كثر ثناء الشرع على جانب الرفق دون العنف، وإن كان العنف في محله حسناً، كما أن الرفق في محله حسن.
فإذا كان الواجب هو العنف، فقد وافق الحق الهوى، وهو ألذ من الزبد بالشهيد!)
هذا، ومن المشاهد الذي يستحق التسجيل أن السفه قد يكون مستحسناً في بعض المواطن، وربما يبدو في بعض الظروف واجباً حتى ليذكر في معرض المدح.
ومن هنا يقول عمرو بن العاص: أكرموا سفهاءكم فإنهم يقونكم العار والشنار! ويقول مصعب بن الزبير: ما قل سفهاء قوم إلا ذلوا! ويقول الشافعي ناصحاً للفقهاء: ينبغي للفقيه أن يكون معه سفه ليسافه عنه! وانظر بعد إلى قول أبي تمام في مدح أسحق بن إبراهيم المصعبي: إن المنايا طوع بأسك، ولوغى ...
ممزوج كأسك من ردىً وكلوم والحرب تركب رأسها في مشهد ...
عُدل السفيه به بألف حليم! ...
وهو الحكيم_لكان غير حكيم وفي حديث شريف: خير أمتي إحداؤها (من الحدة) الذين إذا غضبوا رجعوا.
ومن مأثور قول الشافعي: من استغضب فلم يغضب فهو حمار.
قال الغزالي: (فمن فقد قوة الغضب والحمية أصلاً فهو ناقص جداً.
وقد وصف الله سبحانه أصحاب النبي ﷺ بالشدة والحمية فقال: أشداء على الكفار رحماء بينهم.
وقال لنبيه ﷺ: جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم.
.
وإنما الغلظة والشدة من آثار قوة الحمية، وهو الغضب)
. على أن الغزالي يحدد لنا صفة الغضب في موضع آخر فيقول: (المطلوب من صفة الغضب حسن الحمية، وذلك بأن يخلو عن التهور وعن الجبن جميعاً، وبالجملة أن يكون في نفسه قوياً، ومع قوته منقاداً للعقل) فليس يغني المرء إذن أن يعرف بالحلم في موضعه ما لم يعرف بالغضب كذلك في موضعه؛ وإذا قلنا (الغضب في موضعه)، فقد جعلناه فضيلة وحكمة، إذ ليست الحكمة إلا وضع الأمور في مواضعها.
بل لو قّرنا ذكر أية رذيلة بقولنا (في موضعها) لأصبحت فضيلة يحث عليها ويشاد بذكرها.
فالكذب في موضعه فضيلة وقد نسميه: حسن التأتي، واللباقة، وحسن التصرف.
والجبن في موضعه فضيلة، نسميه: الحرص، والتوقي، والحذر.

وهكذا. المقياس الصحيح إذن أن نوائم بين تصرفنا - بالقول أو بالعمل - وبين الموقف الذي نكون فيه؛ وبقدر اختلاف المواقف يكون اختلاف التصرفات.
والخطأ في التطبيق هنا يتأتى من الخلط بين كل موقف وما يلائمه من تصرف.
وأحسب أن النعمان بن المنذر كان أحد من اخطئوا على هذا الوجه.
فقد روى أنه أتى برجلين قد أذنب أحدهما ذنباً عظيماً فعفا عنه.
والآخر أذنب ذنباً خفيفاً فعاقبه.
ثم أنشد يقول: تعفو الملوك عن العظيـ ...
م من الذنوب بفضلها ولقد تعاقب في اليسيـ ...
ر، وليس ذاك لجهلها.
. لكن ليُعرَف حلمها ...
وتُخافَ شدة ذحِلها! وهذا سوء تصرف منشؤه الخلط بين مواطن العفو ومواطن العقوبة نعم، كان من حق النعمان أن يعرف الناس حلمه، وأن يخوفهم شدة ذحله، لكن على أن يجعل لكل من الحالين موضعاً لا يعدوه، وشرطاً لا يخل به.
فأما وقد فاته ذلك فقد صير حلمه تفريطاً وعقوبته إفراطاً.

وكلا الأمرين وضح في جبين الحق، وانحراف في ميزان الحكمة والعدالة. (- تم الحديث - جرجا) محمود عزت عرفة

شارك الخبر

المرئيات-١