أرشيف المقالات

عبقريات أزهرية مدفونة

مدة قراءة المادة : 10 دقائق .
8 للأستاذ دريني خشبة مئات من الرسائل التي أنشأها النبغاء من أبناء الأزهر في كلياته الثلاث ليحصلوا بها على إجازاته النهائية - على طريقة الجامعات الحديثة - ملقاة في ركن سحيق من أركان الإهمال، وقلة العرفان في مكتبات الكليات، لا ينتفع بها أحد، ولا يلتفت إليها أحد، ولا يفكر أحد في أن ينفع بها الثقافة الإسلامية في الأمم العربية عامة، والنهضة الفكرية الحديثة في مصر الإسلامية بوجه خاص.
والعجيب، بل أعجب العجب، ألا يلتفت ولاة الأمور في الأزهر إلى أهمية هذه الرسائل الثمينة في تدعيم شخصية جامعتهم الكبرى، وإثبات وجودها، والمساهمة بها في حياة المسلمين الفكرية، ومحاربة الأفكار الجاهلة التي أخذت تغزو إفهام الناس عن أقدم جامعات الشرق، بل أقدم جامعات العالم وأعظمها مئات من هذه الرسائل التي أنشأها النبغاء من أبناء الأزهر بإرشاد أساتذته، وأساتذة الجامعة المصرية، وأساتذة النهضة الفكرية في مصر، مهملة مغفلة لا ينتفع بها أحد، لأن النظام الذي يرين على الأزهر الشريف يقضى على تلك الجهود الغالية بالدفن، كما يقضي على الآمال المنوطة بتلك الجهود بالضياع لست أدري ما نصيب الأزهر في مئات الكتب التي غمرت السوق الفكرية في السنوات الخمس الأخيرة في مصر؟ لا شئ؟ فهل معنى هذا أن أبناء الأزهر أقل نشاطاً من سائر أبنائهم المتعلمين؟ كلا.

فالحق الذي لا مرية فيه هو أنهم في المقدمة من حيث الإنتاج الذهني الرفيع كما وكيفا، لكنهم فقراء ومتوسط الحال منهم لا يستطيع أن يجازف بما يدخره من قروش في سبيل السناء العلمي ولآلاء الشهرة، بطبع بعض ما أنتجت قريحته من ثمار ما ألف وما يستطيع أن يؤلف.

ولو أن هذه الميزانية الضخمة التي تربط للأزهر كل عام اتسعت قليلاً لطبع شئ من هذه الرسائل النادرة التي أودعها شباب الأزهر جهوده بل أرواحه وآماله لعاد هذا العمل على الأزهر نفسه بالسمعة الطيبة، وعلى الأمة بالنفع الجزيل، وعلى نهضتنا الثقافية بالخير العميم، ثم هو بعد ذلك كله عمل يلفت العالم الإسلامي إلى طابع الأزهر الجديد، وإلى الروح الذي يحدوه إلى السمى وإلى الكمال وبعد، فما هذه الرسائل التي نشيد بها تلك الإشادة، والتي ندعو جميع الأدباء إلى التفضل بالذهاب إلى الكليات الأزهر للاطلاع عليها حيث حبست عن الخير العام في أركان المكتبات تشبه المتاحف، أو أقبية المتاحف.

حتى لتوشك أن تسمع من صفحاتها أنيناً وحسرات شاكية من إهمال أولى الأمر لهم على هذا الشكل المزري كتب بعض هذه الرسائل خريجو قسم التخصيص على النظام القديم في الأزهر، ثم كتب معظمها خريجو هذا القسم على النظام الحديث، وقد بذل كل من أبناء النظامين جهوداً شريفة في الإحاطة بالموضوعات التي اختاروها.
والذي يثير العجب في الخطة التي انتهجها كل من الفريقين في وضع رسائلهما هو تجافيهم عن روح الأزهر القديم، ومحاولتهم في إخلاص وصدق أن يطبعوا الرسائل بطابع البحث الجامعي العصري الطريف.
ويحسن أن نقصر الكلام الآن على رسائل كلية اللغة العربية تلك الكلية التي تنافس في شرف وفي نبل معاهد المعلمين في مصر، كما تسير على هدى من كلية الآداب بالجامعة المصرية، وبتوجيه أساتذتها الأفاضل لقد اهتم كبار كتابنا في العصر الأخير بالتاريخ الإسلامي فأخذوا يتبارون في كتابته في صور شتى، وأخذت كتبهم تصدر تباعاً، وتلقف الناس تلك الكتب فرحين مستبشرين لما تجلو لهم من صفحات المجد التي كانوا يسمعون بها ولا يعرفون منها شيئاً.

ومن هذه الكتب ما طبع أكثر من مرة، ومنها ما لم يبق من طبعاته الأولى شئ.

وقد تألفت أخيراً جماعة أخذت على عاتقها إصدار كتب شهرية عن أبطال المسلمين يتولى الكتابة عن كل منهم إما واحد من هذه الجماعة الفاضلة أو أحد الذين يقع عليهم اختيارها من أرباب الأقلام في مصر وفي شقيقاتها من الأمم العربية.

ولقد شهدت في كتبة كلية اللغة العربية مجموعة كبيرة من الرسائل في التاريخ الإسلامي تناولت رجاله بالترجمة والنقد والتحليل والتحقيق (وتفلية) والموسوعات التاريخية والمقابلة بين رواياتها، ومعارضة تلك الروايات بما حققه المستشرقون، وما وقع هؤلاء من الحيف والتخبط أحياناً.

مما لا يتوفر مثله من التمحيص إلا للدارس المنقطع الذي يرى بين كل سطر من سطوره وجه سائل أو يسمع اعتراض مناقش أو حجة ممتحن.
فمما راقني من هذه البحوث المركزة، وما يحسن التمثيل به لما حوت تلك المكتبة من هذه الرسائل: بحث في نظام ولاية العهد في الإسلام، ورسالة في دخول الإسلام إلى الهند وانتشاره فيه، وأخرى عن تاريخ الإسلام في جزيرة صقلية، ورابعة عن العلاقات السياسية بين الرومان والعرب، وخامسة عن العلاقة بين العلويين والعباسيين، ورسالة عن نشأة الدروز وعقائدهم، وبحث جميل مستفيض عن الأحزاب السياسية في عصر بني أمية، ورسالة عن دولة بني بويه.

ومن البحوث غير الإسلامية رسالة أنشأها طالب هندي في تاريخ سوامي ديانند مؤسس الديانة الآرية في الهند، وهو أول كتاب من نوعه في اللغة العربية، أنفق فيه صاحبه جهوداً تثير الإعجاب.

هذا، إلى مئات من الرسائل الأخرى التي تغطى التاريخ الإسلامي كله، وتتناول أبطاله المشهورين واحداً واحداً، في عرض جميل، وتبويب جيد، وتحقيق لم يدع مصدراً في دور الكتب المصرية، مخطوطاً أو مطبوعاً، إلا تناوله واستوعب ما فيه أما الرسائل الأدبية فهي بلا شك مفخرة أبناء كلية اللغة العربية، سواء منهم من تخصص بعد الشهادة العالمية للمهنة - أي لمزاولة التدريس في المدارس وفي الأزهر، ومدة هذا التخصص ثلاث سنوات - أو من تخصص منهم للمادة - ويتولى خريجو هذا القسم التدريس في كلية اللغة العربية نفسها، ومدته سبع سنوات كاملة (!!).
فمن أبدع ما يستلفت النظر من رسائل الأدب رسالة في تاريخ القصة في الأدب العربي، رأيت لزاماً أن أخص صاحبه في كلمتي هذه بالتهنئة لما استطاع أن يتناول به في بحثه القيم أطراف هذا الموضوع المتشعب من الاستقصاء والاستيعاب، ومنها رسالة في الكتابة في العصر العباسي شن فيها صاحبها حرباً شعواء على كثيرين من رجال الأدب في مصر، وكال فيها للدكتور زكي مبارك كيلاً شديداً، ثم رسالة طريفة عن الموشحات - نشأنها وصلتها بالشعر، وهي رسالة جيدة ما كان أحوج المكتبة العربية إليها.

ثم عشرات من الرسائل عن البحتري والحطيئة والأخطل وابن زيدون والعرجي والأصمعي وغيرهم من ألمع الأسماء في الأدب العربي، وممن لم يتناولهم أحد في بحوث خاصة مستقلة إلا أبناء هذه الكلية الجنود المجهولون.

ومن أطرف رسائل الأدب رسالة أنشأها صاحبها عن الأدب في عصر المماليك، وقد تناولت الرسالة هذه الناحية الغامضة من تاريخ الأدب المصري في عصر من أغمض عصوره.

أما الرسائل التي وضعها متخصصو المادة فلا تزال قليلة العدد لقلة خريجي هذا القسم، وهي على قلتها رسائل جيدة عالية القدر شاملة الإحاطة، رأيت منها رسالتين في أدب الخوارج وفي أدب الشيعة، فلا أبالغ إذا سجلت هنا أنهما من أثمن ما كتب في هذا الموضوع في العالم العربي. ومن أكبر المآخذ على أزهرنا الشريف المبارك ذي الميزانية الضخمة والأحباس الخرافية أن يغير هاتين الرسالتين كما يصنع بأشباههما، فلا ينتفع بهما وبأمثالهما العالم الإسلامي والمشتغلون بالأدب.

ومن رسائل التخصص في المادة بحوث قيمة في البلاغة وتاريخها.
ومن أروع ما يلفت النظر من رسائل اللغة رسالة في المبرد لا توجد إلا في مخطوط ضخم في دار الكتب العربية، وكان لابد أن يشهد أعضاء لجنة الامتحان هذا المصدر بأعينهم، فلما رفضت دار الكتب إعارة الطالب هذا المصدر، اضطر إلى نسخه كله.

فكم من الجهد والعناء تجشم هذا الطالب المسكين في إنشاء رسالته الطريفة النادرة يا ترى؟! ذاك ويطول الكلام إذا استعرضنا رسائل التربية وعلم النفس وما تناول به الخريجون تاريخ التعليم الإسلامي في مدارس بغداد والكوفة والبصرة ودمشق والقاهرة وقرطبة، وأصول التربية في القرآن والسنة.

ثم مئات الرسائل في مختلف أبواب النحو والصرف والبلاغة والبيان والعروض هذا قل من كثر.

وهذا كله في كلية اللغة العربية فقط.

وله أشباه ونظائر في الكليتين الأخريين.

وهي عبقريات أزهرية مدفونة من التقصير المعيب أن تعمى عنها عيون القائمين بالأمر في الأزهر الشريف المبارك.

وليذكر الذاكرون أن أعظم رجال النهضة في مصر الحديثة كانوا ناساً كهؤلاء الناس المغمورين، وأنهم جميعاً، أو أكثرهم، ممن للأزهر في ثقافتهم أوفر نصيب، عن قرب أو عن بعد.
وأنه لو أتيح لكثير من هؤلاء النبغاء المغمورين سبيل الظهور والعمل لنفعوا عالم التأليف العربي بما لا يقدر عليه غيرهم، ولانتفعت بهم نهضتنا الثقافية بما لا تنتفع به إلا منهم، ولمهدنا لطائفة عظيمة منهم القيام بواجبهم الأدبي مكان زعماء تلك النهضة (بعد عمر طويل! وبعد.

فهذه ناحية من عبقرياتنا المدفونة توجد لها أشباه في الجامعة المصرية وفي دوائر ثقافية أخرى نرجو أن نتكلم عنها وننبه إليها قريباً. دريني خشبة

شارك الخبر

مشكاة أسفل ١