أرشيف المقالات

وحي القرآن باللفظ

مدة قراءة المادة : 9 دقائق .
8 للأستاذ محمود البشبيشي هذا عنوان المقال الأول للأستاذ محمود أبو رية وعليه كان مدار كلمتي الأولى، وإني لألمح في اختصار الأستاذ في مقاله الثاني (المنشور بعدد الرسالة الغراء رقم 538) على كلمتي (وحي القرآن) ميلاً واضحاً إلى حصر النقاش في دائرة لا يتحاماه كل ذي قلب سليم ممن دعاهم الأستاذ إلى البحث في هذا الموضوع. ويلوح لي من خلال مقاله الثاني حرص شديد على البراءة من شوائب الشك، وذلك عهدي به، وهو أدرى الناس بأن البحث في موضوع اليوم غير البحث في مسألة الكرامات وما إليها؛ تلك المسألة التي اشتد أوارها بينه وبين أستاذ فاضل منذ عامين بالمنصورة، وكان لنا فيها موقف ما أظنه قد نسيه وما أحسبه إلا مثنياً عليه ولو كان الأستاذ يحسن الظن بي ويراني من أهل الذكر! لأحلته إلى كتاب (الفرق الإسلامية) الذي ألفته في نشأة هذه الفرق ومذاهبها وطبعته المكتبة التجارية منذ اثنتي عشرة سنة أو نحوها، ولكني أحيل على حاشية الجوهرة، أو على الخربدة (مع إعفائه من باب الكرامات)! أو على كتاب (الفلسفة العربية) لأستاذنا المرحوم سلطان بك محمد، أو على كتاب (التوحيد) للمرحوم الأستاذ الشيخ حسين والي، وهذه عدا كتاب ابن حزم في الملل والأهواء والنحل وهو الكتاب الذي قرأه الأستاذ وأشار إليه في المقال الثاني وبعد فما ادعيت أن في كلمتي الأولى بلاغاً للناس! ولكني قلت وما زلت أقول: إن البحث في هذه المسألة أمر فات أوانه، ولن يكون من ورائه جدوى تعود على الباحثين بعد ما أشبعه العلماء بحثاً وتنقيباً وما دونوه من الآراء والحجج في كتب التوحيد والملل والنحل وما زلت أرى أن (موضوع الوحي من القضايا التي فصلت فيها الأيام منذ عهد الرسالة).
أو لم يثر المشركون في وجه صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام ويتقولوا عليه ما تقولوا ويتهموه بأنه ساحر وأن الكتاب الكريم أساطير الأولين (اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا)؛ فما زال القرآن الكريم يبهرهم بنوره ويأخذ عليهم مناهج الحجة حتى آمنوا أنه ليس من كلام مخلوق، وبالتالي آمنوا بالوحي، ودخلوا في دين الله أفواجا، وما كان ذلك منهم إلا بعد تحد شديد ولدد في العداوة انتهيا بهم إلى تسليم مطلق؛ فكان هذا قضاء صريحاً من المعارضين وهم أرباب اللسن والفصاحة بأن القرآن من عند الله؛ وبذلك (فصلت الأيام في هذه القضية)، حتى أثارها الباحثون على وجه آخر عندما تفرقت مذاهبهم في البحث.
ثم استبحرت العلوم العقلية في المحيط الإسلامي فكان من ذلك ما عده بعض الناس من مظاهر شك الباحثين، وما كان الشك منه في شيء، وإنما ينحصر الخلاف بين المسلمين في دائرة محدودة أشير إليها وأجملها فيما يلي: لا خلاف بين الباحثين في أن القرآن الكريم دلالات (ألفاظ) ومدلولات (معاني)، والدلالات هي مثار ذلك الخلاف العنيف الذي استحكم بين العلماء وأوذي فيه بعضهم أذى كثيراً؛ أما المعاني فهي من متعلقات العلم الأزلي وهي قديمة قدم العلم، أو هي بعبارة أخرى من متعلقات صفة الكلام النفسي، وما اختلفوا في أن الله كلاماً وأنه كلم بعض الأنبياء.
قال ابن حزم في كتابه: الفصل في الملل والأهواء والنحل (.

أما علم الله تعالى فلم يزل، وهو كلام الله تعالى، وهو القرآن الكريم، وهو غير مخلوق وليس هو غير الله تعالى أصلاً، ومن قال إن شيئاً غير الله لم يزل - أي قديم - فقد جعل لله شريكاً)
وهو بهذا يشير إلى مذهب أهل السنة ويرد على من نفوا صفات المعاني فراراً من شبهة تعدد القدامى، وفيه وفيما يلي تعريف الكلام النفسي الذي سأل عنه الأستاذ الشيخ أبو رية (وقد ذهبت المعتزلة إلى أن كلام الله صفة فعل مخلوق.
وقال أهل السنة إن كلامة هو علمه، وإنه غير مخلوق وهو قول الأمام أحمد بن حنبل وغيره.
وقالت الأشاعرة: كلام الله صفة ذات لم تزل - أي قديمة - غير مخلوقة وهو غير الله تعالى وخلاف الله تعالى وهو غير علم الله)
من كلام ابن حزم بتصرف هذا محصل الخلاف في معنى الكلام النفسي، وهو بحث فلسفي في صفات الله، وما كان الاختلاف على أن القرآن كلام الله أوحي إلى النبي الكريم بطرائق الوحي التي تكفل بشرحها العلماء في مظانها المعروفة؛ وقد أجملها الأستاذ الإمام محمد عبده في (رسالة التوحيد) فقال: (الوحي عرفان يجده المرء في نفسه مع اليقين أنه من قبل رب العالمين بواسطة أو بلا واسطة) وهذا الرأي يتمشى مع قوله تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء) ومسألة الوحي لا تستعصي على كل ذي رؤية، فالعلم الحديث وما كشف من عجائب، وما اتضح للناس من وجود الكهرباء، وما كادوا يجزمون به من عالم الروح وحركاته وسلطانه، كل ألئك يقرب معنى الوحي لمن كان يبتغي الحقيقة المجردة.
وقد أستطيع التوسع في ذلك ولكني أوثر الإيجاز في انتظار حكم الأستاذ أبي رية أو ما يدلي به الباحثون من أهل الدراية هذا وقد كانت الدلالات القرآنية (الألفاظ) مدار تلك المناظرات الحادة في عهد المأمون والمعتصم والواثق وهي تلك الظاهرة الفلسفية التي انبثت فروعها، وسميت بمحنة خلق القرآن.
والخلاف في الألفاظ راجع إلى أن المعتزلة يرونها حادثة (مخلوقة) وغيرهم يتورع فيقول بقدمها.
وما أراد الفريق الأول بالخلق والحدوث أن الألفاظ من كلام بشر، وإنما أرادوا أنها أعراض تقوم بالحادث وما قام بالحادث حادث؛ فالألفاظ على رأيهم حادثة.
وما أراد الآخرون إلا التصون ضانين أن القول بحدوث اللفظ قد يسوق من لا بصر لهم بالموضوع إلى القول بحدوث المدلولات (المعاني) وهي قديمة بقدم العلم الأزلي وهنا يقول العلامة ابن حزم: (اللفظ المسموع هو القرآن نفسه.

وأما من أفراد السؤال عن الصوت وحروف الهجاء والخبر فكل ذلك مخلوق بلا شك)
وبما تقدم يصدق القول الأستاذ الإمام: (ليس النزاع في الكلام اللفظي فإنه حادث باتفاق).
وأعود فأقرر أن المراد بالحدوث أن الله خلق وأحدث كما خلق الشمس والضوء، وأوحى إلى الرسول الأمين بطرق الوحي التي أجملناها.
وأما قول الأستاذ الإمام (إنما النزاع في إثبات الكلام النفسي) فراجع إلى صفة الكلام لا إلى معاني القرآن الكريم وهو يشير إلى الخلاف بين المعتزلة وأهل السنة في إثبات صفات المعاني لله تعالى وقد قدمنا بيانه.
والآن نرجو من الأستاذ أن يبين للناس معنى قوله: (وحي القرآن باللفظ أمر اختلفت فيه الفرق الإسلامية) ويرينا وجوه ذلك الخلاف، ثم نسأله أن يبين لنا ما الذي أحرجه من رد المرحوم الرافعي عليه في هذا الموضوع.
وأن يشرح لنا ما وقر في نفسه من قراءة ذلك الرد.
لو تم هذا لاختصر طريق البحث وأراح المتكلمين فيه وبعد فقد ألمع الأستاذ أبو رية في لباقة إلى ما عد خطأ تاريخياً وقع في كلمتين الأولى حيث قلت: (المأمون والواثق والمعتصم) ولا شك في أن المعتصم يتقدم بداهة على الواثق، ولكن أما كان يجدر بالأستاذ أن يحملها على سرعة الكتابة؟ على أني أبادر فأطمئنه على معنى (واو العطف) وحدودها؛ فأقول له: إن الواو هنا جاءت لمطلق الجمع فلا تفيد ترتيباً وهو رأي البصريين نقله ابن عقيل في شرحه وأطلق ابن هشام في (المغنى) عند بدء كلامه في الواو؛ قال تعالى: (يوحي إليك والى الذين من قبلك) وقال: (منك ومن نوح وإبراهيم وموسى) وقال جل شأنه حكاية عن منكري البعث (ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا) وبهذه الآية رد على الكوفيين القائلين بأن الواو للترتيب وفي هذا القدر كفاية. (الإسكندرية) محمود البشبيشي

شارك الخبر

المرئيات-١