أرشيف المقالات

واسط مدينة الحجاج

مدة قراءة المادة : 12 دقائق .
8 للأستاذ يوسف يعقوب مسكوني لا يخفى على المتتبع ما للثقافة في أية بلدة من البلدان من تأثير عظيم يقيم لها وزناً بين باقي المدن والأمصار. فقد يتحدث المتحدث عن بلدة واحدة ذات شأن في مملكة من المماليك فتجعل البلدة لهذه المملكة شأناً بين الأمم والشعوب، وفخامة المدن نتيجة الثقافة والعمران، وهما أساسان رصينان في أسس الحضارة البشرية التي سمت على أحوال باقي المخلوقات في الطبيعة.
ونقصد بالثقافة العلم والفن ومعاهدهما التي تدعى بالمدارس والجامعات على اختلاف أشكالها وأنواع مسمياتها. فهي المناهل الرائقة للعلم والفن.
وكلما ازداد عدد هذه البيوت ازداد مقدار التقدم الثقافي والتهذيب العلمي وبهما تكمل سيادة الأفراد في المجتمع البشري.
وكذلك العمران ونقصد به المؤسسات المتنوعة لكل ما ينفع الفرد في حياته سواء أكان ذلك من أجل صحته أم عيشه أو اكتسابه.
كل هذه المؤسسات تعود عليه بالنفع العميم لمواطنيه كافة من أبناء قومه وغيرهم. ولقد دلت أبحاثنا عن تاريخ واسط الذي ما زلنا ندأب على استقصاء أخباره أن لمدارس هذه المدينة المندثرة أهمية كبيرة في تاريخها وان كان ما توصلنا إلى معرفته منها قليلاً.
فإن معاهدها الثقافية لم تقتصر على عدد معلوم تحيط به المعرفة بل كانت هناك في واسط الربط التي كانت تكون بمثابة مدارس تدرس فيها علوم الدين وخاصة القرآن الكريم، وما يتعلق به من التفسير وما يخص قواعد الصرف والنحو وعلوم البيان والبديع والنثر والشعر، وكذلك الفقه والعلوم الشرعية وفلسفة الكون والتوحيد وغيرها؛ كما أننا نعلم أنه كان يتخذ في كل مسجد من المساجد مدرسة لتعليم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم، ودرس العلوم الدينية. فكان يعتبر كل مسجد بمثابة مدرسة من المدارس، وكان فيها كتاتيب لتعليم الصغار وتهيئتهم لقبول هذه العلوم.
ولم تشتهر مدينة واسط كما يظهر لنا إلا بالمدارس الآتي ذكرها على ما دونه المؤرخون الرحالون من أبنائها، ولعلهم لم يجدوا أشهر منها في زمانهم. فأولاها مدرسة الأمير خطلبرس، وكانت تقع هذه المدرسة بالقرب من دجلة في الجهة الشمالية الغربية من الجانب الشرقي كما يغلب على الظن، لأن مدينة واسط كانت راكبة دجلة من الجانبين كبغداد.
وقد نص على تعيين موقعها العلامة المؤرخ ابن الديئبي في مخطوطه المحفوظ الآن في الخزانة الأهلية بباريس حيث قال فيه: (جعفر بن مظفر بن يحيى بن محمد بن هبيرة.
توفي بواسط سنة 610هـ.
فدفن بها بمدرسة (خطلبرس) أعلى البلد اهـ.
وقد سميت بهذا الاسم نسبة إلى أحد الأمراء الذين حكموا في واسط أسمه خطلوبرس ذكره جماعة من المؤرخين يطول بنا تفصيل أقوالهم هنا.
وهي من مؤسسات القرن السادس للهجرة لأنفاق اكثر المؤرخين على تحديد وجود الحاكم المذكور في هذا القرن.
ونستدل من أخبار هؤلاء المؤرخين أن المدرسة كانت كبيرة حتى كانت فيها مقبرة لدفن مشاهير الرجال العلماء فيها.
وذكر ابن حجر في الدرر مدرسة بواسط تعرف بالمدرسة البرانية لوقوعها في أعلى البلد ولعلها هي لاتفاق المؤرخين على تعيين هذا الموضع.
وتليها مدرسة الغزنوي بواسط وهو: محمود بن احمد بن عبد الرحمن أبو الفضل الغزنوي حدث بكتاب تفسير الفقهاء، وتكذيب السفهاء لأبى الفتح عبد الصمد بن محمود بن يوسف الغزنوي عن ولده القاضي يحيى بن عبد الصمد عن أبيه ذكره الحافظ ابن النجار وقال: صحب أبا الفتوح احمد بم محمد الغزالي وأخذ عنه علم الوعظ وقدم بغداد سنة سبع وخمسين وخمسمائة وعقد مجلس الوعظ بجامع القصر ثم انتقل إلى واسط فسكنها إلى حين وفاته. وقرأت في كتاب القاضي أبى الحسين علي الواسطي بخطه قال: توفي محمود الغزنوي يوم الجمعة ودفن يوم السبت ثامن شعبان سنة ثلاث وستين وخمسمائة في مدرسته بمحلة الوراقين وكان يوماً مشهوداً)
ثم تعقبها مدرسة شرف الدولة محمد بن ورام الجاواني الكردي ورد ذكره في مخطوطة تاريخ واسط لأسلم بن سهل ابن حبيب الرزاز الواسطي المعروف ببحشل حيث ذيلت في آخر المخطوطة الفقرة التالية: (سمع جميع هذا الكتاب وهو تاريخ واسط لبحشل.

وذلك بواسط في مدرسة شرف الدولة محمد ابن ورام نور الله ضريحه في مجالس آخرها الاثنين رابع عشر من ذي القعدة من سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة)
.
فإذا كان آخر قراءة المخطوطة في هذه السنة فلا شك أن تشييد المدرسة المذكورة يسبق هذا التاريخ المذكور بكثير ثم تأتي بعدها مدرسة للحنفية ذكرها ابن الساعي الخازن وذكر مدرسها أبا المحاسن عبد اللطيف المعروف بابن الكيال الواسطي قاضي واسط المشرف على ديوانها الزمامي.
تولى القضاء بواسط بعد أبيه.
وكانت وفاة أبي المحاسن هذا سنة خمس وستمائة ومن مدارسها أيضاً المدرسة الشرقية الشرابية ذكرها ابن القوطي البغدادي في حوادث سنة 632 هجرية.
حيث يذكر فتحها في هذه السنة بالجانب الشرقي من واسط على دجلة وهي التي أمر بإنشائها شرف الدين أبو الفضائل الشرابي للشافعية، وكانت مجاورة لجامع كان داثراً فأمر بتجديد عمارته ورتب بها للتدريس العدل أحمد بن نجا الواسطي ومعيدان واثنان وعشرين فقيهاً، وخلع على الجميع وعلى من تولى عمارتها من النواب والصناع والحاشية الذين رتبوا لخدمتها، وعمل فيها دعوة حسنة حضرها صاحب الديوان تاج الدين معلى ابن الدباهي الناظر بواسط والقاضي والنقيبان: نقيب بني العباس ونقيب بني أبي طالب والشعراء والقراء، وكان المتولي لعمارتها وجعل النظر إليه وإلى عقبه في وقفها أبو حفص عمر بن أبي إسحاق الدروقي، وكان ذا مال كثير فائض وجاه عريض عمر، إلى جانب جامع ابن رقاقا رباطاً واسكنه جماعة من الفقراء، ورتب فيه من يلقن القرآن المجيد ويسمع الحديث، وأجرى عليهم الجرايات اليومية والشهرية.
وأنشأ قريباً من مدرسة الشرابي هذه رباطاً آخر على شاطئ دجلة وتربة يدفن فيها ووقف عليها وقوفاً سنية، وممن درسوا بالمدرسة الشرقية الشرابية عماد الدين زكريا القزويني قاضي واسط صاحب كتاب عجائب المخلوقات وكتاب آثار البلاد وأخبار العباد فلم يزل كذلك إلى أن مات.
وكان حسن السيرة عفيفاً.
ومن مدارسها أيضاً المدرسة التي وصفها ابن بطوطة في رحلته ولم يذكر اسمها وإنما يذكر أسم بانيها وهو الشيخ تقي الدين عبد المحسن الواسطي الذي كان من كبار أهل واسط وفقهائها، وقال فيه إنه يعطي كل معلم بها كسوة في السنة ويجري له نفقة في كل يوم ويقعد هو وإخوانه وأصحابه لتعليم القرآن الكريم بها ثم يقول: (وقد لقيته وأضافني وزودني تمراً ودراهم) فتكون رحلة ابن بطوطة إلى واسط في إبان تشييد هذه المدرسة التي قال فيها إنها مدرسة حافلة فيها نحو ثلاثمائة خلوة ينزلها الغرباء القادمون لتعليم القرآن وهي من منشئات أوائل القرن الثامن الهجري.
ويجد الباحث في تاريخ واسط مدارس بأسماء المحدثين والرواة والفقهاء كانوا يتخذونها بأسمائهم أو يجعلون قسماً من بيوتهم مدرسة يجتمع إليها طلاب العلم من المدينة أو من أنحاء أخرى هذا مجمل ما تمكنت من العثور عليه من أخبار مدارس واسط.
ويقيني أن وجود هذه المدارس في مدد متقاربة هو الرجعة العلمية التي حدثت في أواخر أيام الدولة العباسية لا سيما عهد الوزير نظام الملك وزير آلب أرسلان وملكشاه السلجوقيين فهو الذي نعش الرح العلمي في زمانه بفتحه المدارس النظامية في أنحاء الشرق العربي والعجمي فتأثرت واسط هذه الآثار وعاد لها نشاطها العلمي والثقافي وهي أم المقرئين والمحدثين والفقهاء الذين درسوا وأفتوا في مختلف البلدان العربية وأخصها بغداد مركز الخلافة العباسية حيث كثر في معاهدها العلمية الأساتذة الواسطيون ومن أخبار العمران في واسط أن نذكر مارستانها وأطبائها الذين عثرنا على أسمائهم في سياق البحث.
وأول أطباء واسط تياذوق طبيب الحجاج بن يعلف له نوادر وألفاظ مستحسنة في صناعة الطب وقد عمر طويلاً.
صحب الحجاج والى العراق وخدمه بصناعة الطب، وكان يعتمد عليه ويثق بمداواته؛ وله تفاصيل مع الحجاج لا يسعنا ذكرها.
وقد توفي بواسط في نحو سنة تسعين للهجرة، وله من الكتب كناش كبير أي كتاب جامع ألفه لابنه، وكتاب إبدال الأدوية وكيفية دقها وإيقاعها أذابتها وشتى من تفسير أسماء الأدوية.
وله تلاميذ أجلة تقدموا بعده.
ذكره عدة مؤرخين.
ثم يليه تلميذه فرات بن شماتة الذي كان طبيباً لعيسى بن موسى الذي دعاه المهدي إلى خلع نفسه وتولية الهادي، ومن الأطباء أيضاً يوسف الواسطي الذي قرأ عليه جبريل بن عبيد بن بختيشوع الذي كان من أطباء المقتدر وخواصه، ومنهم أبو سعيد سنان بن ثابت بن قرة الحراني كان طبيباً مقدماً كأبيه، وكان طيب المقتدر خصيصاً به، ثم خدم القاهر وإليه يرجع وعلى وصفه يعتمد.
ومن أخباره أنه لما كان خليفة الراضي بالله استدعى بحكم التركي سناناً وكان بواسط وسأله الانحدار إليه ولم يتمكن من الطلوع في ذلك قبل موت الراضي لملازمة سنان بخدمته، فانحدر إليه أكرمه ووصله.
وله حديث طويل فيه نصح وإرشاد يطول بنا وصفه حتى انه حمل بحكم على عمل دار ضيافة بواسط وقت المجاعة أكرمه سناناً غاية الإكرام وعظمه غاية التعظيم ومن أهم البيمارستانات التي شيدت بواسط البيمارستان الذي شاد بذكره المؤرخون، أنشأه مؤيد الملك أبو علي الحسن الرخجي وزير شرف الدولة بن بهاء الدولة مدبر دولة الخليفة القادر بالله العباسي في العراق جميعه سنة 413 هـ وأكثر فيه من الأدوية والأشربة والعقاقير، ورتب له الخزان والأطباء وغير ذلك مما يحتاج اليه؛ وصفه عدة مؤرخين أيضاً.
ومن مشاهير أطباء هذا البيمارستان أبو النعيم بن ساوة الطبيب الواسطي كان من الحذاق في الطب وله فيه إصابات حسنة وقد قتل في سنة 497 هـ، فيكون موته قريباً من عهد تشييد البيمارستان المذكور وممن نحن جديرون بذكره الطبيب الكبير موفق الدين أحمد بن محمد المعروف بأبي طاهر بن البرخشي كان من أهل واسط وكان فاضلاً في الصناعة الطبية كاملاً في الفنون الأدبية والفلسفة والحكمة والطب، وكان كريم الشمائل ظريف المخايل لا يخال إلا الأكابر، ولا يألف إلا الصدور، وكان مع ذلك مأوى الضعفاء وملجأ الملهوفين كثير الإحسان، وقد كان من أهل القرن السادس للهجرة.
وقدقيل إنه كان حياً بواسط سنة ستين وخمسمائة، وكان عنده أدب بارع ومعرفة بالنظم والنثر فلا بد أن أبا طاهر البرخشي كان من الذين خدموا في البيمارستان المذكور أو من الذين اتصلوا بأطبائه ما دام أنه كان إذ ذاك من مشاهير أطباء واسط ومن الذين عاشوا بعد تشييد البيمارستان المذكور ومن الأطباء أيضاً أبو الفرج سعيد بن إبراهيم الواسطي، هذا كان طبيباً وقساً وراهباً، وممن نزحوا إلى واسط لممارسة هذه المهنة العظيمة الشأن أبو العلاء محفوظ بن المسيحي بن عيسى الحكيم الطبيب النصراني النيلي الأصل نزيل واسط، وكان طبيباً فاضلاً نبيلاً مذكوراً في وقته عالماً بصناعة الطب مرتزقاً بها جميل المشاركة محمود المعالجة وله مع ذلك أدب طريف وخاطر في النظم، وكان مولعاً بالألغاز والمعميات.
توفي في أوائل سنة ستين وخمسمائة إذ كان معاصراً لأبي طاهر البرخشي المذكور آنفاً هذا ما وقع إلينا من أخبار أطباء واسط ومارستانها ولعلنا نعثر على غيرهم في المستقبل والله ولي التوفيق. (بغداد) يوسف يعقوب مسكوني

شارك الخبر

ساهم - قرآن ١