أرشيف المقالات

رسالة العلم

مدة قراءة المادة : 8 دقائق .
8 قلوب النجوم للأستاذ خليل السالم (تتمة ما نشر في العدد الماضي) ارتأى كين - طبيعي أمريكي - منذ سنة 1870 أن النجوم كتل جبارة من غازات مشتعلة، ولكن رأيه بدا سخيفاً لأول وهلة لأن الفلكيين لم يجدوا نجوماً كثافتها غازية، ولكن هذه العقبة زالت عندما عثروا في النجوم على كثافات تقل جداً عن كثافة الغازات.
وهذه الكتل المستعرة من الغاز تحافظ على شكلها في أكثر الأحيان.
وتشذ عن هذا القانون النجوم الجديدة التي تلمع في صفحة السماء دون أن يكون لها وجود من قبل.
وتعني محافظة النجم على شكله الخاص به أن القوى المؤثرة عليه في توازن مستمر وهذه القوى هي: 1 - قوة الجاذبية بين مختلف أجزاء النجم كقوة التجاذب على الأرض، وهذه القوة تتجه نحو المركز دائماً ولذا فهي تسعى لتجمع أجزاء النجم وتدمج بعضها في بعض، ومن ثم تحشك أجزاءه حشكاً قوياً وتزيد قوة التجاذب على سطح النجوم بحيث يكون وزن الرجل العادي هناك نحو (250) ألف طن، ويبلغ من شدة هذا الجذب على الرجل أن يسقط على السطح وينبسط وتتحطم أعضاؤه كما لو سقطت عليه إحدى ناطحات السحاب. 2 - ضغط الغازات الذي ينتج من حركة الغازات المستمرة واصطداماتها القوية، ويربو ضغط الغازات في النجوم على أربعين ألف مليون ضغط جوي على الأرض؛ والضغط يزيد بازدياد درجة الحرارة، وهذه القوة الناتجة عن الضغط تدفع الغازات المتحركة عن المركز، أي أنها تعاكس فعل الجاذبية وتباعد أجزاء النجم وتمدده. 3 - والقوة الثالثة هي قوة الضغط الإشعاعي، فقد ثبت أن للنور ضغطاً وقوة لم يكونا معروفين قبل السنوات الأخيرة، فقد كان الأستاذ ليبديو في موسكو أول من قاس ضغط الضوء في سنة 1901.
وقد تنبأ بوجود هذا الضغط الرياضي الإنجليزي المشهور كلارك مكسويل كما تنبأ بوجود الأمواج الكهرطيسية التي تنقل لنا أعذب أنغام الراديو.
وهذا الضغط قوي في القلب إذ من هناك مصدر النور والطاقة.
ماذا نعني؟ نعني أن النجو ليست غازات مشتعلة كما يخيل للبعض بمعنى أن النور والحرارة القادمين منها يحدثان نتيجة ذلك الاحتراق العادي.
كلا.
إنما ينتج النور والحرارة من تحطم الذرة في قلب النجم، وهذا التحطم وإن لم يدخل ضمن تحقيق المختبر إلا أن بعض الظواهر المكتشفة حديثاً عززت هذا الرأي وإن لم تقطع بصحته.
وهذا التحول عفوي ذاتي، كما أن إشعاع الراديوم عفوي ذاتي لا ينتظر مؤثراً خارجياً ليتم بفصله.
وهذا الفناه يحدث بعد تصادم الكهيرب المتحرك بسرعة عظيمة مع النواة فيمسك كل منهما الآخر بعد الاصطدام، ويتعادلان كهربائياً وينطلق الفوتون أو وحدة الضوء كمظهر جديد لطاقة الكهيرب والنواة السابقة.
هذا الفوتون ينطلق من المركز وتكون موجته قصيرة فيجاهد ويجاهد لينفذ إلى السطح، ولا يتسنى له المخرج إلا بعد جهد لطول موجته بعدهما.
ولكثرة الفوتونات في القلب وشدة محاولتها الانطلاق والانبعاث يكون ضغط الضوء الإشعاعي أضعافاً مضاعفة للضغط على السطح، ويبلغ هذا الأخير في بعض النجوم (170000) طن على البوصة المربعة، ويزيد الضغط بازدياد درجة الحرارة أيضاً، واتجاه محصلة قوته عكس اتجاه قوة الجاذبية إي إنه يدفع المادة عن المركز ويفرقها كما يفعل ضغط الغازات الآنف الذكر بقى أن نشير إلى حرارة النجوم في بواطنها.
ولا يسعني بادئ ذي بدء إلا أن أحمد الله على أن اختار لنا هذه الشمس لنستمد منها نورنا وحياتنا، فلو قدر أن يكون نجم كالشعري اليمانية مثلاً مكان شمسنا، لزال في لحظة واحدة كل أثر للحياة على الأرض، ولجفت الأنهار وتبخرت المياه وذهبت الأرض والتهبت ذراتها شذر مذر.
فالحرارة على هذا النجم عجيبة لا يتسع لها أوسع الخيال.
ومثله كثير من النجوم لا تقل درجة حرارتها عن 40 مليون درجة مئوية، وفي بعض النجوم الحمر تنقص عن هذا المستوى العالي.
وقد اكتشف الدكتور هتزلر الراصد الأمريكي مؤخراً نوعاً من النجوم لا تزيد درجة حرارته عن ألف درجة مئوية؛ وهذه النجوم مظلمة لا تشرق، إلا أنه تمكن من تصويرها بأشعة الحرارة لا بأشعة الضوء، فبعض الألواح الفوتوغرافية تحس بحرارتها.
ويخيل لكثيرين أن قبة الفضاء مملوءة بمثل هذا الصنف من النجوم تصل حرارة النجوم في قلوب الأقزام البيض إلى ألف مليون درجة مئوية، ولكي تدرك معنى هذه الأرقام أورد مثلاً ضربه العلامة جينز في أحد كتبه قال: لو أخذت شلناً أو قطعة من الحديد بحجم الشلن وسخنتها إلى درجة تقرب من 40 مليون درجة مئوية، فإن الحرارة المنبعثة من هذه القطعة المعدنية الصغيرة تكفي لأن تصعق جميع الحيوانات الحية الموجودة على الأرض.
وهذه الحرارة العالية في النجوم لا تترك للمادة أن تتمتع بحالاتها الثلاث: الصلبة والسائلة والغازية، بل تحول الجرم كله إلى غاز ملتهب.
ولا تكتفي بهذا، فتعمد إلى ذرات الغازات وتهيج الكهيربات المطوَّفة حول النواة وتفك الأربطة التي تشدها إلى المركز وتقذف بها من أفلاكها الخارجية، فتترك الذرة مؤنية مكهربة.
وكثيراً ما تطرد كل الكهيربات بحيث لا تبقى إلا النوى المجتمعة.
وهذا ما حدث فعلاً في النجوم الثقيلة، إذ انعدم الفراغ بين النوى وبين مشتت المادة، بحيث أصبح وزن البوصة المكعبة 620 طنًّا، أي أن الرجل العادي يستطيع أن يحمل من هذه المادة حجماً لا يزيد على رأس الدبوس المفرطح.
ولو وضعت في يدك قطعة بحجم الجوزة وسقطت على الأرض لأحدثت انفجاراً مروعاً كما تفعل القنابل الثقيلة، وتغور في الأرض كما تغيب قطعة من الرصاص سقطت من عل في لجة الماء والخلاصة أن قلوب النجوم نابضة بالحياة مفعمة بالحركة ترف كقلوب العذارى.
وأجمل تصوير لها وقفت عليه كان بريشة الفنان العظيم أدنفتون في كتابه النجوم والذرات & قال: إن باطن النجوم حشد (مهوَّش) غير منتظم من الذرات والكهيربات والأمواج الأثيرية، وهذه الدقائق تتحرك بسرعة 100 ميل في الثانية، فتفقد ذلك النظام الجميل من الكهيربات.
أما هذه الكهيربات المضاعة فإنها لا تجد مكاناً تخلد فيه للحركة والسكون، فتبقى تدور بسرعة (100000) ميل في الثانية؛ وفي كل فترة قصيرة من الزمان تصطدم بإحدى الذرات فتدور عقيب الاصطدام في منعطف أكثر انحناء؛ وبعد كل اصطدام يزداد الانحناء حتى إذا بلغ عدد الاصطدامات حوالي ألف تحدث كلها في جزء من ألف مليون جزء من الثانية يعمل هذا السلوك المحموم غايته فتمسك إحدى الذرات بذلك الكهيرب.

ولكن شعاعاً سينياً يعكر عليه أمنه وصفوه الجديدين فلا يكاد الكهيرب يستقر به المقام حتى يخرجه ذلك الشعاع عن طوره ويقذف به بعيداً عن النواه، فيطوف من جديد مبتدئاً رحلة جديدة ومخاطرة جديدة.
(شرق الأردن) خليل السالم (ب.
ع)
من الدرجة الأولى في الرياضيات

شارك الخبر

ساهم - قرآن ٣