أرشيف المقالات

ابن قلاقس

8 4 - ابن قلاقس 532 - 567هـ (1138 - 1122م) (تتمة) أما ما صادفه من ممدوحيه فهو السعة والرخاء والعطاء الجم، وان كنا لا نشك في انه قد أصابه الاخفاق أحياناً كثيرة مما دعاه إلى ان يقول: فان ألمت بك الزرايا ...
أو قرعت بابك الخطوب فجانب الناس وادع من لا ...
تكشف إلا به الكروب من يسأل الناس يحرموه ...
وسائل الله لا يخيب ولا نشك كذلك في أن الوشاة كثيراً ما كانوا يسعون بالإفساد بينه وبين الممدوحين، وكثيراً ما كان هو يتنصل من دعاويهم وأقاويلهم، ويحسن بها أن نورد قطعة صغيرة من نماذج شعره في المدح، قال: وهنيئا له أبا القاسم الند ...
ب نهانى، فما أقول الهناتا هو بحر وما يكدره الحا ...
سد إن بات فيه يلقى القذاتا ساقني فضله فأسكنني الدو ...
ر وأسكنته أنا الابياتا واقتسمنا، فكان عارض غيث ...
عشت في ظله وكنت النباتا كرم ينجز العداة وسلطا ...
ن على رسمه يبذ العداتا أما غزل شاعرنا فهو أقل شعره جودة وجمالاً: ذلك أنه قد تعمد فيه الإكثار من المحسنات اللفظية، مما دعا إلى غرابة الشعر واحتياجه إلى فهم وتثبت وروية، والغزل إن لم يكن معناه سريعاً إلى القلب يسبق لفظه إلى الفهم يصبح ثقيلاً على النفس ليس له حظ من جمال الشعر، فضلا عن أن المعاني التي كان يجيء بها معان صغيرة لا تحتاج إلى كل هذا التكلف، ويعد من أجمل ما قاله في الغزل قوله: سددوها من القدود رماحا ...
وانتضوها من الجفون صفاحا يالها حالة من السلم حالت ...
فاستحالت ولا كفاح كفاحا صح إذ أذرت العيون دماء ...
أنهم أثخنوا القلوب جراحا عجبا للجفون، وهي مراض ...
كيف تستأثر العيون الصحاح آه من موقف يود به المغ ...
رم لو مات قبله، فاستراحا وجناح النوى تضم ظباء ...
لم تخف في دم الأسود جناحا وهي تدلك على قصر باع شاعرنا في فن الغزل، وقد يكون ذلك راجعاً إلى أن عاطفته التي ينبعث منها الغزل كانت قفراء مجدبة، إذ هو ليس إلا رجل عمل وأسفار. أما الوصف فهو كثير في شعره، وهو يصف لك ما رآه وشاهد في مصر وفي غيرها من تلك البلاد التي رحل اليها، ولقد كان للنيل ولمنارة الإسكندرية حظ في وصفه، وهناك منظر من طبيعة مصر قد رسمه شعرا يوم قال: أنظر إلى الشمس فوق النيل غاربة ...
واعجب لما بعدها من حمرة الشفق غابت وأبدت شعاعاً منه يخلفها ...
كأنما احترقت بالماء في الغرق وفي الحق انه منظر يثير في النفس حب الجمال وحب الطبيعة.
ذلك المنظر هو منظر غروب الشمس حيث تختفيي وراء الأفق تاركة وراءها حمرة الشفق بازغاً بعدها الهلال.
كما كان لوصف أسفاره، ووصف ماركبه في تلك الأسفار حظ أي حظ في شعره، فوصف لنا الفرس، ووصف لنا السفينة، ووصف لنا ما كان يلاقيه في سفره، ولعل من أجمل ما قاله في الوصف تلك القصيدة التي يصف لنا فيها سفرة من أسفاره، ويحدثنا عن البحر وهدوئه ثم عصفه وارعاده، ثم يعطف على السفينة فيصفها، ثم على إخوانه فيتشوق إليهم، قال: لو لم يحرم على الأيام انجادي ...
ما واصلت بين اتهامي وانجادي طوراً أطير مع الحيتان في لجج ...
وتارة في الفيافي بين آساد والناس كثر ولكن لا يقدر لي ...
إلا مصاحبة الملاح والحادي أقلعت والبحر قد لانت شكائمه ...
جداً، وأقلع عن موج وإزباد فعاد لا عاد ذا ربح مدمرة ...
كأنها أخت تلك الريح في عاد ونحن في منزل يسرى بساكنه ...
فاسمع حديث مقيم داره غادي لا يستقر لنا جنب بمضجعه ...
كأن حالاتنا حالات عباد فكم يصعر خد غير منصعر ...
وكم يخر جبين غير سجاد.

الخ أما حين يحدثنا عن الطبيعة ويصفها فهو يشعرك أنه تلميذ لابن المعتز لكثرة تشبيهاته وتضمين معانيه.
وان شئت أن تتأكد من ذلك فاقرأ قوله: سرت وجبين الجو بالطل يرشح ...
وثوب الغوادي بالبروق موشح وفي طي أبراد النسيم خميلة ...
بأعطافها نور الربا يفتح تضاحك في مسرى العواصف عارضاً ...
مدامعة في وجنة الروض تسفح وتروي به كف الصبازند بارق ...
شرارته في فحمة الليل تقدح تفرس منها البدر في متن أشقر ...
يلاعب عطفيه النسيم فيرمح باقي أغراض الشعر التي طرقها قليلة، ولكنه في هجائه قصير موجع بالرغم من ندرة الهجاء في شعره، ورثاؤه قليل كذلك، وهو لا ينسى فيه المحسنات اللفظية والجمال البديعي، أما عتابه فقليل كذلك، وهو يشتد ويوجع فيه ثم يلين ويرق، بعد أن يكون قد أوجع، واسمعه يعاتب. أقبل بوجهك إني عنك منصرف ...
فما أقول لسؤالي؟ وما أصف؟ خدعت فيَّ وغرتك الضراعة بي ...
ومال تيهاً بك الإعجاب والصلف وكان من سيئاتي أنني أبداً ...
إليك في سائر الحالات أختلف إلى أن قال: أنت الكريم وقد قال الألى مثلا ...
إن الكرام إذا ما استعطفوا عطفوا متى أقول: صباح لاح شارقة ...
فضم رحلك وارحل أيها السدف تلك أهم أغراض الشعر التي طرقها ابن قلاقس لم يعمر شاعرنا طويلا كما ذكرت، بل مات وهو في سن الخامسة والثلاثين، ويخيل إلى أن الهرم أصابه سريعاً حتى صح له أن يقول وهو في سن الثلاثين: مدت إلى الأربعو ...
ن يداً وقد قهقرت عشرا فكنت تراه في سن الثلاثين كأنه قد أوفى على الأربعين، ولعل الشيب قد لحقه سريعاً، فمضى يذم الشيب ويتحسر على فقد الشباب شأن كل شاب يريد أن يتمتع بالحياة فيلحقه الشيب، ويغير على لمته. أحمد أحمد بدوي المدرس المنتدب بثانوية نابلس

شارك الخبر