أرشيف المقالات

الحديث ذو شجون

مدة قراءة المادة : 18 دقائق .
8 للدكتور زكي مبارك (في قصر جلالة الملك - التجني على مصر والشرق - أهل الكهف - حشو اللوزينج - مناجاة القمر ومناجاة الشمس - إلى طلبة السنة التوجيهية - الهجوم الآثم على الشيخ سيد المرصفي - إن قول الحق لم يدع لي صديقاً) في قصر جلالة الملك كان من الحظ السعيد أن ألتفت إلى الروح اللطيف الذي يسود جوّ التشريفات يوم دخلت قصر عابدين مع المهنئين بقدوم العام الهجري الجديد فماذا رأيت هنالك؟ كنت أحسب أن الناس يقيدون أسماءهم في الدفاتر ثم يخرجون، كما كنت أصنع قبل أن ألتفتَ إلى ذلك الروح اللطيف؛ ولكني في هذه المرة عرفت ما لم أكن أعرف، فقد رأيت المهنئين من وزراء ونواب وشيوخ وأعيان وعلماء يتلاقون فرحين مبتهجين، ثم يتبادلون الأحاديث الطوال، وكأنهم تلاقوا على ميعاد في مكان يرحِّب بتلاقي القلوب أطيب الترحيب كان الرجال يستقبل بعضهم بعضاً في بشاشة وأريحية، وكان كل زائر يرى نفسه في داره، وقد تجرَّد مما يجري خارج القصر من مختلف الشؤون؛ فهو في حَرَم مقدَّس لا تهتف فيه النفوس بغير معاني الرفق والصدق والإخلاص في قصر جلالة الملك ترى للوجوه ملامح لا تراها إلا هنالك؛ فقد ترى رجالاً يتلاقون مبتسمين منشرحين، وكنت تعرف من قبل أنهم لم يكونوا إلا متباعدين متنافرين، فتدرك أن جلال المكان يوحي بالتآخي والصفاء إن باب ذلك القصر يُفتَح للجميع في المواسم والأعياد، فما الذي يمنع من اغتنام هذه الفرصة السخيّة لنتخذ منه ملتقى لأرواحنا وقلوبنا في كل موسم وفي كل عيد؟ لا بدّ من لحظات ننسى فيها شو اجر الخصومات اليومية، ونلتقي فيها منزهين عن أسباب التعادي والشقاق، فكيف يفوتنا أن نجعل رحبات ذلك القصر ميادين لسباق العواطف في تلك اللحظات؟ أقول هذا وقد شفى الله صدري من خصومات محاها تلاقي الوجوه والقلوب في قصر جلالة الملك، فرجعت وفي صدري أنوار لم أشهد مثلها من قبل، والمكان الطيب كالبلد الطيب لا يثمر غير الخيرات والبركات أعزّ الله جلالة الملك، وجعل قصره موئل العواطف والأرواح والقلوب، وأدام على أمته نعمة الأنس بنفائس المعاني وكرائم الأغراض التجني على مصر والشرق أنا لا أقول بموجب التغاضي عما في مصر والشرق من عيوب، فالدعوة الإصلاحية قد توجب أن نكشف عن مواطن الضعف في مصر والشرق، وإنما أكره أن نتجنى على بلادنا بلا موجب معقول، فذلك يوحي إلى القراء أننا خلقنا متخلفين عن جيش العبقرية والنبوغ. أكتب هذا وقرأت كلمة الأستاذ (محمود) عن روزفلت هو العبقريّ (الكسيح) ففي رأي هذا الكاتب أن الشلل لو أصاب طفلاً مصريَّا أو شرقياً بمثل ما أصاب روزفلت لكان مصيره أن يكون (تافهاً ساقط النفس خائر العزم مريض القلب) وما لمثل هذا التجني حملتا الأقلام، أيها المربي المفضال. في مصر والشرق مئات من أصحاب العاهات وصلوا إلى منازل لا تقل في قيمتها الجوهرية عن منزلة روزفلت، إلا أن تكون (رياسة الحكومة) هي المثل الأعلى بين منازل التشريف! وما خطر الكساح في أرض مثل أمريكا، وقد عرف أهلها أن مرجع الحكم إلى العقل؟ إن كان عندك بقية من الإنصاف، أيها الأستاذ، فوجهها مشكوراً إلى المجاهدين في مصر والشرق، ولا أقصد المجاهدين من أصحاب العاهات، فأولئك رجال أقاموا ألوف البراهين على ما يملكون من قوة العزائم والنفوس، وإنما أقصد المجاهدين من أهل السلامة في الأجسام والحواس، فأولئك أقوام يعانون كساحاً أفظع وأثقل من الكساح الجثماني؛ فالكسيح جسمياً يشعر بأنه مشدود إلى الأرض من وجهة حسّية، أما الكساح الذي يرزأ به الرجل السليم من أخل النبوغ والعبقرية فيُرمى عليه من المجتمع المتخلِّف، المجتمع الذي ينظر إلى النوابغ والعبقريين بارتياب واحتراس، ثم يشدهم بعنف ليقيموا حيث أقام في حضيض الغفلة والجمود. في أوربا وأمريكا يتلهف الناس إلى المبتكر الطريف في الآداب والفنون، فيمضي الأديب إلى غايته وهو مطمئن إلى السلامة من تجني المجتمع عليه، فكيف ترى الناس يصنعون في (أفريقيا وآسيا) أو في (مصر والشرق) وقد أقفِل باب الاجتهاد في الأدب، كما أقفل باب الاجتهاد في الدين. كما ظفرنا به من الحرية في الأدب هو الجدال حول القديم والجديد.
وقد ظهر بعد أن انجلت المعركة أن الخلاف لم يَدُر إلا حول الأسلوب، ففلان من أنصار الجديد لأنه لم يستأسر لمثل أسلوب الجاحظ أو ابن العميد، وفلان من أنصار القديم لأنه لم يتحرر من أساليب القدماء. أما التجديد في الفكر، فهو محرمٌ علينا تحريماً قاطعاً.
وليس من حقنا أن نصارع الأمواج الفكرية إلا إذا جازفنا بحقوقنا المشروعة في التمتع بثقة المجتمع، وهو لا يثق بنا إلا إن جاريناه فيما درج عليه من إيثار القرار والركود. وليس هذا شهادة على أننا خضعنا لأهواء المجتمع فيما نعالج من فنون الفكر والعقل، فقد ثُرنا عليه في كثير من الظروف لنوجهه كما نريد، ولكن تلك الثورة لم تمر بلا عقاب، فقد رأينا أن المناصب الفكرية أصبحت وقفاً على الموسومين بمسايرة المجتمع في ضلاله وهداه، ولم يصل إليها من أحرار العقل إلا أفرادٌ آزرتهم قوىً سياسية لا فكرية.
ولو كان العقل وحده هو الذي يقدِّم ويؤخر لرأينا في مصر والشرق موازين غير تلك الموازين، ولكان من المؤكد أن تشهد مصر ويشهد الشرق موسماً جديداً من مواسم المذاهب والآراء. إن رئيس الحكومة يستهدي جلالة الملك ألقاب التشريف لمن يتبرع بمبلغ من ماله الموروث لإحدى الجهات الخيرية، وذلك تشجيعٌ واجب، وهو يحض الأغنياء على بذل أموالهم في أبواب الخير، ويروضهم على الاقتناع بأن الدولة ترعى الضمائر اليواقظ، فتجزيها خير الجزاء. ولكن الدولة التي تحفظ جميل المحسنين بأموالهم تنسى المحسنين بعقولهم، وإلا فهل تذكر الدولة جماعات المكافحين في سبيل الأدب والبيان وهم يؤدون خدمات تعجز عنها المدارس والمعاهد والكليات؟ المال يُعَدّ فيكون له حساب، أما الدم الذي يُسفح على سنان القلم في تجاليد الليالي فليس له حساب.
ولو أن حملة الأقلام الجياد كانوا أنفقوا أعمارهم الذواهب في الاتجار بالتراب لوصلوا إلى إدانة الدولة بما يستوجب أن تستهدي لهم من جلالة الملك ألقاب التشريف، بدون انتظار أو اقتضاء.

فمتى تسمع الدولة هذا الصوت وهو تذكيرٌ بواجبها في إعزاز العقل؟ لقد حَفِيَ قلمي وهو يذِّكر الدولة بحقوق الأدب الرفيع، الأدب الذي تَدين له الدولة دَيناً أرزن من الجبال، وهي تعرف وكأنها تجهل، وتجاهلُ العارف قد يَثقل في بعض الأحايين! ذلك المصير المحزن هو مصير أرباب الفكر في مصر والشرق، فمن توهم أنهم في بلادهم سعداء فهو مخلوق نقلته الغفلة من أرض الواقع إلى سماء الخيال.

وما أسعد الغافلين! هل سمعتم بالأدب القديم عند السُّريان؟ قيل: إن السريان كانوا أقدر الأمم القديمة على نظم أغاني الحزن والبكاء، فهل كان لذلك خمن سبب غير ابتلائهم الموصول بالكوارث والخطوب؟ ونحن في مصر أمعنّا في الدعوة إلى نظم أناشيد الجهاد، مع أننا كل لحظة في جهاد، فمتى ندعو إلى نظم (نشيد العدل) ومن بلوانا بالظلم صرخ الدهر صرخة الإشفاق؟ كم مرة فكر فينا مَن نخاطر في سبيل إسعادهم بأعز ما نملك وهو العافية؟ إن الزميل الذي يعرف في سريره قلبه أنه مَدينٌ لك ولو بلمحة من لمحات القلب والعقل، والذي يؤمن بأن الحياة الأدبية مدينةٌ بعض الدَّين لصرير قلمك، والذي يوقن بأنك نقلت صوت مصر إلى إسماع الشرق، هذا الزميل يتلقف إخبارك من أفواه أعدائك ليجوز له التطاول عليك في غيبتك، عساه يشفي صدره الموبوء بجراثيم الضغائن والحُقود. وفي مثل هذا الهواء الفاسد يعيش الأديب في مصر والشرق ثم ينسى الناسون أنه لم يكن من المكافحين، وأن الشلل لو أصابه بمثل ما أصاب روزفلت لأصبح من المتسولين! حدثتنا إحدى المجلات أن جرائد أمريكا عابت على روزفلت أن يُرقى كاتبه بلا استحقاق، وأنه أجاب: كيف لا يستحق الترقية وهو الذي يكتب خُطبي؟ فأي رئيس في مصر أو في الشرق يطمئن إلى عقل أمته فيصرّح بمثل هذا التصريح؟ وأين من يعترف للكاتب بأنه عنوان مصر من الوجهة العقلية أو السياسية؟ وهل يستطيع (خلف الأحمر) أن يميط اللثام عن وجهه ليقول: إنه المنشئ الأصيل لهذه الخطبة أو تلك، والمؤلف الأصيل لهذا الكتاب أو ذاك؟ وهل صدّق الناس قول (خلف الأحمر) قديماً حتى يصدقوا قوله حديثاً؟ الفرق بين (الخلفين) أن الأول استفاد من تزوير القصائد والأراجيز، أما الثاني فلم يظفر بغير الخيبة والحرمان. أما بعد، فأين أنا مما أريد، وقد انتقلت من الدفاع عن مصر والشرق إلى الهجوم على مصر والشرق؟ أنا أريد القول بأن الحيوية لم تنعدم أبداً من مصر والشرق، والكساح الذي فرضته الصُّروف على الأفكار والعقول لم يمنع المصريين والشرقيين من الجري في ميادين الفكر والعقل، ولو اعتدل الميزان لعرف قوم أن القليل منا كثير وفوق الكثير، لأنه يُبذَل من دماء القلوب، ولأنه يقدَّم بلا انتظار الثواب، وقد يقدِّم من انتظار العقاب، فالفضل ذنب من لا ذنب له في (بعض) البلاد! السائر الذي يقطع ألف مِيل في طريق مسلوك ليس أعظم من السائر الذي يقطع مائة خطوة في طريق شائك، ولكن أين من يعرف؟ والكاتب الذي يُعَدّ قراؤه بالملايين ليس أعظم من الكاتب الذي يُعَدّ قراؤه بالألوف، وقد ظهر الأول في الغرب وظهر الثاني في الشرق. ارفعوا عن كواهلنا الأثقال، وانزعوا من أغلالنا، ثم انظروا كيف نستبق إلى أجواز الفكر والخيال. فإن عجزتم عن تحرير كواهلنا وأقدامنا فحرروا قلوبكم من آصار الحسد والحقد لنشعر بأننا سنُجزَي على صدق الجهاد، ولو بالبَسمات والدعوات الصالحات. إلى من يتوجه قلب الأديب في أمثال هذه البلاد، وهو من كيد الزملاء في عناء؟ إلى من يتوجه؟ يتوجه إلى الله الذي جعل سواد المداد أشبه الأشياء بسواد العيون فهو يحيي ويميت كيف يشاء. يتوجه إلى الله، وهو الأنس الأنيس لغرباء الأرواح والقلوب. يتوجه إلى الله خالق الشرق والغرب وفاطر الأرض والسموات، الله الذي أقسم بالقلم في كتابه المجيد، فكان بشهادته السامية أكرم ذخائر الوجود. يتوجه إلى الله الذي جعل بأس القلم أفتك من بأس النار والحديد، ومن القلم يخاف من لا يخاف، ومن صريره استعاد من لا يَهُو لهم زئير الأسود. يتوجه إلى الله الذي يجعل من عزلة الكاتب دنيا صاخبة هي العِوض الأنفس من كل ما يفوته من الأنس بالمجتمع الصخاب.
وهل يعرف الكاتب ما هي العزلة ودنيا الناس جميعاً ليست إلا سُمّ الخياط بالقياس إلى دنياه الفيحاء؟ يتوجه إلى الله الذي يخلق الضر للنفع، والذي يبتلي الأديب بما يشاء، ليصوغه كما يشاء، وليكون حجته البالغة على أن العاقبة للصابرين. متى أومن بك يا ربي؟ ومتى أعرف حكمتك في بعض ما سوّيت من المخلوقات؟ ارفع الحجاب لحظة واحدة لأومن بأنْ ليس في الإمكان أبدع مما كان. حول أهل الكهف. أحسنَ فضيلة الشيخ عبد المتعال الصعيدي في استدراكه على ما سميته (الرواية الإسلامية) في تحديد عدد أهل الكهف، فهذه التسمية قد توهم أن ذلك هو الرأي الإسلامي بدون موجب لذلك.
والحق أني لم أرد غير إثبات رأي كان قال به فريق من المسلمين قبل نزول سورة الكهف، وفي هذا الرأي ما يكفي لمناقشة المؤلف في خلق بيئة الرواية المسرحية، لأن هذا الرأي كان يجعل جمهوره أعظم وأضخم فيتيح له فرصة التعمق لدرس طوائف من المعضلات الاجتماعية. أما كلمة الأديب حسين محمود البشبيشي فهي تشهد بأنه قرأ الرواية وقرأ النقد بفهم، ولكني أرجوه أن يلقاني بعد عامين، فقد يعرف من الأيمان والارتياب ما لم يعرف، وقد يدرك أني رميت إلى غرض فات عليه، لأني أرمز إلى معانيَ كثيرة في أغلب ما أعرض له من الشؤون. وهنا يجب النص على أن مقالي في نقد رواية أهل الكهف وقع من الأستاذ توفيق الحكيم موقع القبول، ولم يعترض إلا على عبارة واحدة، وهي العبارة التي تقول بأنه ليس من أرباب الفكر العميق، وهو اعتراض يؤيده أسف الشاعر صاحب (الجندول) هو يرى أن الحكيم مفكر متعمق وإن أظهرته السخرية بغير ما هو عليه.
وأنا أيضاً أرى الأستاذ الحكيم من ذخائرنا الأدبية، وقد أعلنت إعجابي بكتابه (عصفور من الشرق) في كثير من المناسبات، وفي بيئات لا تخطر في بال، فقد وجهتُ إليه أنظار أهل الأدب في العراق، وليس ذلك بالقليل في تكريم هذا التصديق. الأستاذ الحكيم رضي عن مقالي في نقد مسرحية أهل الكهف، فما شأنك أنت، يا سيد حسين؟ التفت إلى دروسك، أيها التلميذ النجيب، قبل أن أشكوك إلى أبيك! حشو اللوزينج سألنا الأديب فخر الدين عزي عن كتاب الثعالبي في (حشو اللوزينج) أين توجد؟ وأجيب بأن الثعالبي قال إنه كتاب (صغير الجِرم لطيف الحجم) ومعنى ذلك أنه رسالة صغيرة سجَّل بها ما صعُب عليه تسجيله في كتاب (ثمار القلوب) لئلا يخرج على شرط التأليف ولم يتفق لي أن أظفر بهذه الرسالة، فأرجو هذا الأديب أن يؤلف رسالة في معناها، فقد وَضَح المنهاج، ولم يبق إلا تقييد الشواهد وهي مبثوثة في رسائل الكتّاب وقصائد الشعراء. مناجاة القمر ومناجاة الشمس خطرتُ في بال الأستاذ محمود البشبيشي وهو ينظم مقالهُ في مناجاة القمر، فهل يعلم أنه خطر في بالي وأنا أنظم مقالي في مناجاة الشمس؟ سأوجه إليه هذا المقال بعد أن تنشر (الرسالة) كلمتي عن البلبل والروض، تعقيباً على كلمة وجَّهها إليّ منذ أسابيع، وهي كلمة لم يسرقها من (الجِنية الحسناء) لأنها صدرت في اليوم الذي تلقيت خطاباً فيه، فكان ادعاء السرقة من المستحيلات! آه، ثم آه!! لقد ذكرتني نجوى القمر حين صدرتْ عن البشبيشي وهو في المنصورة بنجوى القمر حين صدرتْ عن صاحب (مدامع العشاق) وهو في سنتريس؛ فقد جاء في مقدمة ذلك الكتاب ما نصُّه بالحرف: (وإنك لتعلم، أيها القمر، كيف كنت أَصدِف عنك، وأنا أطالع ذلك الوجه الذي نَعِمتَ معي بثغرة المفلِّج، وأنفه الأقني، وطرفه الأحور، وجبينه الوضّاح.
وإنك لتعلم، أيها القمر كيف هجرتك حين غاب، وتعلم أني لا أنظر إليك إلا حين السِّرار لأرى كيف يفعل الشحوب بك، وكيف تنال منك الليالي! وإنها لشماتة طفيفة أحزن من بَعدها على خلود متعتك بصِباح الوجوه، وعلى عودتك لشبابك، في حين أني أودِّع كل يوم جزءاً من شباب، ووا حسرتاه على ما أُودِّع من أجزاء الشباب!!)
ولكن لا بأس، فقد نويت أن أعيش إلى أن أرى الشمس والقمر من بعض ما أملك، وما دام هذا القلم طوع يميني فلن يَبيت قلبٌ إلا وهو مني على هوىً أو بغض فما كنتُ في زماني إلا صوت القلب والوجدان. نويت أن أعيش، نويت أن أعيش، وليس على الله بعزيز أن ينصر أرباب القلوب. إلى طلبة السنة التوجيهية. تلقيت خطاباً من الأقصر (بفتح الهمزة وسكون القاف وضم الصاد، وهي جمع قصر، وبذلك سنيَّ العرب تلك المدينة لكثرة ما رأوا فيها من أًقْصُر الفراعين).
أقول تلقيت خطاباً من الأقصر بإمضاء (غريب جادو) يثني فيه على الدراسات التي نشرتها (الرسالة) في تشريح الكتب الخاصة بمسابقة الأدب العربي.
ثم يقترح أن أكتب مقالاً مفصَّلاً عن كتاب (المكافأة)، ومقالاً آخر عن كتاب (الأدب التوجيهي). وأجيب بأني فصَّلت القول عن كتاب المكافأة ومؤلفه أحمد بن يوسف في بحث يقع في تسعَ عشرة صفحة من كتاب (النثر الفني)، وليس عندي ما أقوله بعد ذلك البحث المفصَّل، فمن كان يهمه أن يعرف أسرار (المكافأة) فليقرأ ذلك البحث.
أما كتاب الأدب التوجيهي فسأخصصه بمقال أو مقالين بعد أسابيع. الهجوم الآثم على الشيخ سيد المرصفي كثرت الخطابات التي تَرِد إليّ في تحقيق ما ادعاه الأستاذ السباعي بيومي في حق الشيخ سيد المرصفي، وكنت أغفلت هذا الموضوع عن عمد، لأن الأستاذ السباعي له عليّ حقوق؛ فقد كان دائماً من أنصاري، ولم آخذ عليه ما يريب ولأن مقام الشيخ المرصفي أقوى من أن يُهدَم بكلمةِ جارحة تساق إليه في إحدى المحاضرات. ولكن سكوت الأزهريين عن الانتصاف للشيخ المرصفي أزعجني، وكنت أرجو أن يكونوا درعاً واقية لذلك الشيخ الجليل، وهو رجلٌ لم يرِ مِثله الأزهر منذ أجيال طوال. فماذا أصنع؟ مضايقة الأستاذ السباعي بلاء، لأنه صديقي، والسكوت عن نصرة الشيخ المرصفي بلاء، لأنه أستاذي، فماذا أصنع؟ سأنقل القضية من وضع إلى وضع، فأصيرها قضية أدبية لا قضية شخصية، وأبيِّن أن السباعي بيومي يستُر جنايته على المبرِّد بجنايته على المرصفي. ولكن كيف؟ سيرى صديقنا السباعي أن (تهذيب الكامل) لم يكن إلا جناية أدبية، وسيعرف أن التطاول على مقام الشيخ المرصفي لا يذهب بلا عقاب. وقد زعم الأستاذ السباعي أن الشيخ المرصفي سرق بعض أفكاره، فليستعد للدفاع عن النظرية التي نهبها نهباً من كتاب (النثر الفني) ونشرها في مجلة (السراج) ولكن على شرط أن يؤمن في سريره نفسه بأني أكره البغي على أصدقائي، وأن أمري لم يكن إلا شبيهاً بأمر أكثم ابن صيفيّ حين قال: (إن قول الحق لم يَدَع لي صديقاً). وإلى اللقاء في غير بغي ولا عدوان، فما أستبيح إيذاء أصدقائي، ولو ظلموا أنفسهم فظلموني. زكي مبارك.

شارك الخبر

المرئيات-١