أرشيف المقالات

ويلات السَّلم. . .!

مدة قراءة المادة : 10 دقائق .
8 للأستاذ سيد قطب هذه الحياة الدنيا عجيبة، فهي ما تزال تنشئ السم وتدس فيه الترياق، وتخلق السقم وبين طياته عناصر الشفاء.
وما تزال تخيل لأبنائها السذج أنها موشكة على التلف مشرفة على البوار، فتثير فيهم قواهم الكامنة، وتستحث منهم هممهم الراكدة؛ ثم إذا هي تنصل من الداء، وتنهض من الكبوة، أشد ما تكون عافية، وأوفر ما تكون قوة؛ كصحو الطبيعة غب الوابل المنهمر، وصفو الكون بعد العاصفة الهوجاء! وإن من عجائب هذه الحياة أن تكون للسلم ويلات، ربما فاقت ويلات الحرب، بل هي تفوقها بكل تأكيد.
ألا وإن من عجائبها أن تجعل الحرب ترياقاً لسموم السلام! وما يخالجني الشك في أن فرنسا كسبت بهذه الهزيمة أضعاف ما كسبت غداة الهدنة بالنصر.
ومهما بدا هذا القول عجيباً فإنه بالتصديق.
ومن شاء أن يختبر صدقه فلينظر فيما كانت عليه فرنسا قبل الحرب، وما يلوح أنها ستكون عليه بعدها لقد عبث النصر السابق والرخاء الغابر بفرنسا عبثاً شديداً، فلقد غدت قبل الهزيمة شيعاً وأحزاباً لا حصر لها، ولا تدرك أسماؤها فضلاً على مبادئها، بل أهوائها.
ولقد كان التشعب السياسي والحزبي أهون ما نكبت به فرنسا، فلقد أصابها ما يصيب الأمم المنحلة من تدهور خلقي، إباحية، وبيئة، وفردية مقيتة، واستهتار معيب؛ ولقد نُسيت فرنسا ليُذكر الفرنسيّ! وبات كل فرد أمة، فكل فرد وشأنه، وكل امرئ ولذائذه، وكل نفس وشهواتها، وعاد الأخذ شهياً والمنح مريراً وغلبت الرفاهة وحب الراحة على الجميع هذه فرنسا التي هزمت في أسبوعين، وكانت ستهزم نفسها لو لم يهزمها الجرمان، وكانت ستخذل قضيتها لو لم تخذل في الميدان.
وهذه - ولا شك - بعض ويلات السلام، أو الاطمئنان إلى السلام! أما فرنسا بعد الهزيمة، فها هي ذي مغلوبة على أمرها ولكنها أشد حيوية وأكثر يقظة؛ فلقد تنبهت فيها كل حاسة؛ ولقد وحدها الخطر وهي ممزقة كل ممزق - والجسم الحي يتنبه ليدفع الخطر -؛ وأخذ كل فريق يعمل على طريقته، ولكن لفرنسا، لفرنسا وحدها لا لنفسه أو حزبه، ولا لمطامعه ولذائذه فهذا (بيتان) الشيخ يجدد شباب فرنسا! ويوحي إليها في كل حركة وكل عمل وكل خطبة أن تنهض، ويبشرها بالنهوض، وهو في الوقت ذاته يذكرها بالخطر الجاثم والهول المحدق، ويستنهض فيها الماضي المستقبل، ويقودها إلى الإيثار بعد الأثرة، والى التضامن بعد الفردية، والى الإنسانية العفة بعد الارتكاس في الشهوات وهذا (فيجان) يحتمي في الشمال الإفريقي، ليشد ساعد الشيخ، ويثبت أقدامه أمام الغول الجرماني؛ وليبث في نفوس الفرنسيين الثقة بأن لهم بقية من قوة، ومسكة من مقاومة، وأنهم خليقون بالثبات بعد التقهقر، والنهوض بعد العثار، والرجاء بعد القنوط، والعزة بعد الاستسلام أما (ديجول) فالحديث عنه نافلة، ذلك أن موقفه خطبة صامتة أبلغ من كل خطبة، وذلك أنه يمثل قلب فرنسا الحي، قلبها الشجاع الأبيّ، الذي لم يعترف بالهزيمة غداة الهزيمة.
وإن (ديجول) وحده لشهيد بأن في هذه الأمة حياة، ولم طمست كل الأدلة والبراهين وما من شك أن فرنسا ستنهض وقد تطهرت من أرجامها ونقيت من أدرانها.
ستنهض باسم الرجولة والتضحية والأخلاق، وستكون خيراً لنفسها وللعالم من فرنسا الممزقة الغارقة في الشهوات. ولقد صنعت ألمانيا سنة 1918 ما تصنعه فرنسا اليوم؛ فكانت الهزيمة حافزها الأول إلى وثبتها الجديدة.
ولو لم يقم على هذه النهضة رجل مريض النفس، شاذ السليقة، لانتفع بها العالم في التعمير بدل التخريب، ولصرفت هذه الطاقة الضخمة من القوة الخارقة في غير هذا السبيل وما أريد أن أضرب المثل بإنجلترا، فقد يكون الخلق الإنجليزي فوق مستوى إفهامنا، بل فوق إفهام العالم.
هذه الخلق الذي يخلق من الشعب كله أبطالاً في ساعة المحنة، ويجعل من البشر ملائكة في لحظة الخطر، ويحيل الأفراد كتلة واحدة ما لها من فكاك ومع هذا فقد كاد السلم، وكاد الغنى، يضعفان من أعصاب هذه الشعب، فذهب إلى الحرب متثاقلاً، ونام عن الاستعداد حتى دهمته الأهوال.
ومن يدري لو طال به السلم، وأمِليَ له في الدعاية ما كان يصيب هذه الخلق المتين من الوهن، وهذه الأعصاب الفولاذية من الانحلال للسلم ويلات.
ومصر - كنانة الله في أرضه - أشد أمم الأرض بلا استثناء إصابة بهذه الويلات! فأين ما كان في فرنسا من تشعب وتشعث مما في مصر؟ وأين ما كان هناك من فردية مقيتة وأثرة بغيضة مما في كنانة الله؟ وأين ما كان في وطن نابليون من رفاهة مريضة وترف ذليل، وفساد في الخلق والضمير، مما يجري هنا في وطن رمسيس؟ لا يحاول أحد أن يكتم عنا ما نحسه في أعماقنا، ولا يجادل أحد فيما تلمسه أيدينا وتراه عيوننا، ولا يفهم أحد أنه من الخير لنا أن نعصب عيوننا فلا نرى سوءاتنا إن في مصر من (ويلات السلم) ما لا يتصوره أي أجنبي عنها؛ وفرنسا المنحلة المريضة الغارقة في الشهوات كانت قديسة طهوراً بالقياس إلينا.

كانت أمة ولسنا نحن أمة، وهذا أخصر ما يصورنا من ألفاظ في مصر ما لا يحفظ التاريخ من ...
فحش يعج بها وفحش يكتم كما قلت في قصيدة منذ سنوات وليس هذا (الفحش) بقاصر على ما ينصرف الذهن إليه أول وهلة، ولكنه فحش يشمل كل شيء.
يشمل الضمائر والأسرار، ويشمل التصرف الشخصي اليومي للألوف والملايين في مصر فحش من الفقر من الغنى، فحش من الحرمان وفحش من المتاع.
وفيها فحش من النعومة التافهة يقابله فحش من الخشونة العارمة وفي مصر مشاحنات ومنازعات، ولكنها ليست على شأن جليل ولا غرض عظيم.
وفي مصر أثرة عمياء صغيرة المطامع قريبة الآفاق لا تعدو لذة كلذة الحشرات والهوام ومنشأ هذه كله طول عهدنا بالسلم الرخيصة والدعة المريضة والأمان التافه.
كل ذلك عبث بأعصابنا فأوهنها وبآمالنا فقرب مداها، وبهمومنا فأصغر قيمتها، والخطر الذي يثير الأعصاب، وينبه الحواس، ويكبر الهمم، ويغذي الطموح قد حرمتنا الأقدار إياه، فمنحتنا طبيعة سمحة لا تحوجنا للجهد ولا تثير فينا الجهاد، وسلبتنا نعمة الاستقلال أحقاباً متطاولة فلم نضطلع من عهد طويل بأعباء الاستقلال علم الله لقد كانت أكبر أمنية لي أن أعيش حتى أرى مصر تخوض معركة.
معركة واحدة، تطهرها كما تطهر النار الخبث، وتبعث فيها الرجولة الكامنة والتضامن الوطيد، وتشفيها من رخاوة السلم وانحلال الدعة ونعومة الفراش! وإن مصر لكاسبة لو خاضت المعركة.
كاسبة ولو تحطمت دورها وتمزقت أجسادها، لأنها ستبني أخلاقاً وتوحد كياناً، وترتفع فوق مستوى الحرص الحيواني على الحياة إلى مستوى الحرص الإنساني على الكرامة.
ولأن حيويتها ستنبض في ساعة العسرة، وأعصابها ستشتد في مواجهة الخطر، فتعوض في المستقبل أضعاف ما تخسر من دور وما تفقد من أجساد! لو خضنا المعركة - أية معركة - ما بقى ذلك الشباب الناعم الناعس، وما كان الإنذار بغارة جوية - لا الغارة - سبباً في ارتعاد الفرائص من الهلع، واصطكاك الأسنان من الذعر، وتساوي الرجال بالنساء في العويل والصياح! لو خضنا المعركة - أية معركة - ما حدثك شاب (أرستقراطي) عن (النكبة) التي حلت به لأن (سهرة) فاتته، ولا عن الكارثة) التي تسود حياته لأن منافساً له من بني طبقته فاز بقلب راقصة - إن كان لها قلب!.

ولا عن (ويلات الحرب) التي رفعت من أثمان العطور والخمور! أي والله هذه أحاديث شباب (الوسط الراقي) في مصر، وتلك مطامعه وآفاقه في الحياة.
وإن كثيرين من أبناء الطبقة الوسطى - عماد الأمم - ليقلدون هؤلاء مع الأسف، فإن لم يقلدوه في هذا، فالكارثة عندهم أن لم يجدوا وظيفة بعد تخرجهم، والنازلة أن بعض زملائهم سبقوهم في الدرجات، وويلات الحرب عليهم هي وقف العلاوات والترقيات! لو خضنا المعركة - أية معركة - لبرئنا من الأثرة الحمقاء التي يحسب فيها التبرع بالجنيه من صاحب الألوف مفخرة تشيد بها الصحف، وتطوع فتاة في مستشفى مبرة تنتشر من أجلها الصور.
ذلك أن التبرع بالأرواح والتطوع بالدماء يصحبان إذ ذاك عملاً يومياً لا يلفت الأنظار! لو خضنا المعركة - أية المعركة - لسكتت ألسن الدعاة الحزبيين عن الخوض في الشخصيات ولترفعوا عن المغانم والأسلاب، ولكان لهم من هموم مصر ما يشغلهم عن هموم الحكم، ومن مطالب الوطن ما يلهيهم عن مطالب الأنصار! ولو خضنا المعركة لكان لنا أدب غير أدبنا الباكي الحزين ولكانت لنا أمجاد نتغنى بها، ومخاطر ندعو إلى اقتحامها، ومخاوف نثير الهمم إزاءها، ولكانت لنا عزة تستشعرها نفوسنا ويتغذى بها إحساسنا إي والله، ولا سمعنا في ذلة باكية (ما يهو نش) أو (ميلت بختي في الحب يختي) أو (يا حبيبي تعال إلحقني شوف اللي جرالي من نار حبك) أو (ليه تلا وعيني وأنت نور عيني).
ولأنفنا لأن يكون نشيدنا القومي المختار: (لا والنبي يا عبده)! اللهم إن تكن قد كتبت علينا إلا نخوض المعركة، فابعث اللهم علينا بركاناً ثائراً أو زلزالاً محطماً أو سيلاً جارفاً أو كارثة ما من كوارثك الرحيمة التي تنقذ بها عبادك من نعومة الأمن ورخاوة الدعة وويلات السلام! فإن تكن اللهم قد أردت حرمان هذا الجيل من رحمتك فلا تحرم الأجيال الآتية ما حرمتنا، إنك أرحم الراحمين! (حلوان) سيد قطب

شارك الخبر

المرئيات-١