أرشيف المقالات

خواطر مهاجر

مدة قراءة المادة : 6 دقائق .
8 - 3 - أخذت نوافح الخريف الأولى تتنفس منذ أسبوع على وجه المنصورة رخية ندية؛ وللخريف على شُطئان النيل الشرقي وهو في عنفوان الفيضان سحر لا يبلغ كنهه الشعور ولا تعبر عن تأثيره اللغة.
فللسماء اللازوردية على صفحاته ألوان وأحوال، وللسحب الرقاق البيض على حواشيه أطياف وأظلال، ولشمس الأصيل على مويجاته المرتعشات الحمر انكسار يخطف البصر، كأنما ذاب قرص الشمس فهو يتدفق من السماء على الماء، أو انبجست على النهر من الأفق الغربي عين من ذائب الماس لم يدخل علمها في الكيمياء.
وللأبكار والعشايا أنسام طيبة الشميم كأنما تنقل عن رياض الفردوس؛ والطبيعة الريفية عطار حاذق يعرف كيف يفتق الطيب من سنابل الرز وأمطار الذرة وأقناء النخيل ونوار التيل ولوز القطن ومما ينبت على حفافي الترع والطرق من أشتات الريحان والبقل.
وللمنصوريين والدقهليين على الجملة صباحة ووداعة يزيدهما الخريف حلاوة وشاعرية.
وإن بينهم وبين طبيعتهم المشرقة الجميلة من التآلف والتجاوب ما لا تجده بين الناس والطبيعة في مكان آخر.
والناظر في أخلاق هذا الإقليم ومزاياه يرى أن مثله بين أقاليم مصر كمثل أوربا بين قارات الأرض: تميز كما تميزت بالنبوغ والمدنية والجمال، وتألف تاريخه القديم والحديث من فصول وضاءة في الوطنية والعبقرية والبطولة. ففي الحروب الصليبية كان للمنصورة وإقليمها شرف القضاء على حملتها الأخيرة؛ وكان الجيش المصري قد ارتد إليها مهزوماً؛ وامتحنه القدر القاسي فمات ملكه الصالح وقتل قائده فخر الدين، فانتشر الأمر على جنوده، واستبهم الرأي على قواده؛ وكاد الرجاء من نجاة مصر ينقطع لولا أن نهض الظاهر بيبرس بالمماليك ونهض معه أهل المنصورة، فأقاموا المتاريس في الطرق وجعلوا من دورهم قلاعاً يرمون من نوافذها الفرنسيين بالأحجار والقذائف، حتى قتلوا الكنت القائد أرتوا، واستأصلوا فرقته ومزقوا الفرق الأخرى؛ ثم كانت الهزيمة الحاسمة في فارسكور حيث أبيد الجيش العدو وأسر الملك القديس سجينُ بيت ابن لقمان ومضروب الطواشي صبيح. وفي الغزوة النابوليونية كان للمنصورة وإقليمها فضل الجهاد السابق الصادق، فقد ثاروا ي السوق على جنود القائد (دوجا)، وأعملوا فيهم السلاح حتى أفنوهم.
وسجل التاريخ في ثبت الخلود من أسماء القادة في هذه الثورة: الأمير مصطفى كبير محلة دمنة، وعلي العديسي شيخ القباب، وحسن طوبار زعيم المنزلة. وفي الثورة المصرية على الاحتلال كان للمنصورة وإقليمها في البطولة الوطنية مواقف سارت مُثلاً مضروبة في الإيثار والتضحية ولا تزال أسماء الشناوي والجيار وعبد النبي والأتربي عناوين لفصول خالدة من كتاب الجهاد الوطني المقدس. على أن المزية الظاهرة للدقهلية هي انطباع أهلها على الأدب والفن حتى العامة والسوقة.
وإنك لتتبين أثر ذلك في كل ما يصدر عنهم من ثمار العقل والقلب حتى في القانون والسياسة.
وحسبك أن يكون من نوابغها في الأدب: علي مبارك، ولطفي السيد، وحسين هيكل، وعوض إبراهيم، ومحمد العشماوي، ومحمد عوض محمد، وإبراهيم رمزي، وعبد الله عنان، وصالح جودت الكبير.
وفي الشعر: إسماعيل صبري، وعلي محمود طه، والهمشري، وكامل الشناوي، وصالح جودت الصغير، وعبد الغني حسن، والوكيل.
وفي الغناء والموسيقى: أم كلثوم، ورياض السنباطي، ونجاة علي، وسعاد زكي، والدكتور الحفني.
وما اقتصرت على من ذكرت إلا لأنهم عُرفوا بالأسماع في أقطار العروبة فلا يضعف بهم المثل.
والواقع أن في كل بلد من بلاد هذا الإقليم الفنان هيكلاً لعطارد تفاديه نفثات الأولمب، وتراوحه نفحات عبقر! أقامت جريدة الإصلاح في السنبلاوين لمجلة الرسالة حفلة تكريم وترحيب؛ وشاء زميلنا الكريم صاحب الجريدة أن تكون حفلته مظهراً من مظاهر الأدب الإقليمي في صورة من صور العطف الجميل؛ فدعا إليها جمهرة من أدباء البلد المختلفين في الجنس والزي والثقافة، فأسمعونا على موائد الشاي الحافلة أفانين من النثر المشرق الأسلوب، والشعر المحكم الأداء، والزجل البارع النكتة، فعجبنا أن نجتمع هذه الجملة المختارة في هذا البلد المغمور؛ ثم علمنا أن في كل بلد من بلاد الدقهلية عكاظاً يتبارى فيها صاغة القوافي وحاكة الفقر! يا لله للريف المسكين! لقد غبنته المدينة في كل ما ينتج من مادة وأدب: ففلاحه يكد ولا ينال القوت، وشاعره يغني ولا يجد السامع، وصحفيه يجاهد ولا يلقى الجزاء! سحرتني مفاتن والخريف الريف في المنصورة فما ينفك ناظري وخاطري يسبحان في جو مشرق عبِق من حاضرها الجميل وماضيها المجيد.
وكنت الساعة أنتبع بالخيال كتائب الصليبيين وهم يسيرون على ساحل النيل الأيمن من دمياط إلى المنصورة، يقود الحملة الأولى (جان دى بيريين)، ويقود الحملة الأخرى (لويس التاسع)، حتى رأيتهم على الثرى الخصيب الحبيب جزراً للسيوف وطعاماً للوحش.
وسرعان ما انتقل ذهني إلى ساحل البحر الأبيض، فرأيت أحفاد أولئك الصليبيين يزحفون من السلوم إلى الإسكندرية في زي غير الزي وسلاح غير السلاح وعدد كأرجال الجراد! فقلت لنفسي وهي تضطرب بين الرجاء والخوف: إن رب الكنانة يا نفسُ عَسىٌّ أن يبعث (صلاح الدين) في هذا العصر، وأن يجعل في (السلوم) السلامة كما جعل في (المنصورة) النصر! (المنصورة) أحمد حسن الزيات

شارك الخبر

ساهم - قرآن ٢