أرشيف المقالات

خواطر مهاجر. . .

مدة قراءة المادة : 6 دقائق .
8 - 2 - كأنما أقبل فيضان النيل في هذا الموسم متلكئاً منزوراً ليوائم طبع هذا العام في خصومة السلام وعداوة الخير! وكأنما كانت كل سنة من عُمر الدنيا نشيداً من ملحمة القدَر تتألف أبياته من تفاعيل الخير أو من تفاعيل الشر ليصح منطق الكون فيما ينتج من أفعال الناس ومنطق الطبيعة! كل شيء من الأشياء قد انحرف اليوم عن وضعه أو خرج عن مداره؛ لأن زلزلة الشر للأرض، وانفجار الدواهي على الناس، لابد أن يحدثا الفساد في كل معنى، ويبعثا الاضطراب في كل ذات.
فمن توقع في هذه السنة النازية الجهنمية خيراً أو سكينة كان كمن يتلمس الصلاح في عمل الشيطان، ويتحسس الطرب في لحن الحزن! يُخيَّل إليَّ وأنا أقرأ أنباء الحرب وأطالعُ أحوالَ الناس أن وشائج الإنسانية قد تقطَّعت بين بني آدم فوقعوا في فَترة منكرة من فترات الوحشية الأولى، فلا وفاء بين الآحاد، ولا ثقة بين الأمم، ولا حِجاز بين النفوس؛ وإنما يعيشون على الترصد والغيلة في فزع لا يغبّ وحذر لا يغفل.
فإذا أخلف النيل بعض الإخلاف - وهو في رأي مترجمه (إميل لدّوج) معروف بخصائص الإنسانية العليا من الوفاء والسخاء والعدل - فإن ذلك لا يتنافر مع هذه الفوضى العامة المهلكة التي أصبح فيها الكذب سلاحاً مشروعاً يسمى الدعاية، والغدر سياسة مرسومة تسمى الوقاية، والخيانة خطة مدبرة تسمى الطابور الخامس! على أن النيل أوفى منذ أيام فطمَي وزخر! ففي ذات بكرة من بكرة المنصورة الغريقة في النور والفتور والهدوء والعطر، رأيت من مشرف القهوة شاطئيه الظامئين قد شرقا من فيضه بدم الحياة أو بذوب النضار فهما يفقهان كما يفقه اليهودي ذو الربو الهرم! وأبصرت الزوارق التي تجر بالأمس على رمال القاع قد غدت على صفحته الذهبية المتموجة أشبه شيء بالحمام الطائر على حقول القمح إذا إستحصدت، أو بالفراش المبثوث على رياض الشقائق إذا توردت.
ثم صور لي أن المدينتين المتقابلتين على ضفتي النهر المقدس الخالد قد صغتا إليه بوجوههما وقلوبهما كأنهما تؤديان إليه تحية العرفان، وإلى الله صلاة الشكر! حتى الكافورة بالغت أغصانها الشمالية في التدلي حتى أوشكت أن تقبل أمواجه المسلسلة وهي تنساب في ظلها الظليل شادية بالثراء والغبطة! حينئذ وجدتني على الرغم منى عانى الوجه له مستغرق الفكر فيه، يتردد في خاطري ما يردده الحيوان والشجر من تقديسه وتمجيده.
ثم قر في نفسي أن بيني وبين هذه الشجرة القريبة وذلك الرجل البعيد قرابة شابكة، لأني شعرت أن بيني وبين من يسقيه النيل إخاء من رضاع الماء كما يكون بين الولد والوالد إخاء من رضاع اللبن! ووضح في ذهني الآن معنى ما يقول الناس من أن علاقة الفرد بالأمة هي علاقة الأخوة، وعلاقة الأمة بالوطن هي علاقة الأمومة.
وكما يتجه في لحظات الصفاء الروحي فكر الأخ الممنوح إلى أخيه المحروم، اتجه فكرى في هذه الجلوة النفسية إلى ثرانا المكروب وأكبادنا الحرى في صحارينا الشرقية والغربية.
فقلت لنفسي وأنا أردد الطرف الساهم في تيار النهر الجارف وداراته المدومة ولججه الفائرة: كيف خف على ضمائر ذوي العلم والرأي في وزارة الأشغال أن يدعوا هذا الفيض الحيوي العظيم يتدفق أربعة أشهر في لهوات النحر الأبيض دون أن يحبسوه بحيلة من حيل الفن الهندسي ليحيوا به موات الناس والأرض! لو كان لمهندسي الري في بلدنا مطمح تُشرف نفوسهم عليه غير أن يكونوا موظفين يسجلون المناسيب ويضبطون المناوبات ويتعهدون الجسور ويترقبون العلاوات، لوصلوا ما انقطع من أبحاث (ولكوكس) و (سرى) حتى يبلغوا بها الغاية التي يكون بعدها كل سها واحة وكل تل غابة.
ولكن مهندسينا كسائر أهل الفكر فينا لا يعملون إلا للعيش؛ فإذا ضمنوه هدهدوا كسلهم الرخي اللذيذ على كرسي العمل الدوار في المكتب، أو على كرسي الهضم الهزاز في المنزل! قالت نفسي وقد ساءها أن اتهم العلماء والمفكرين بقلة الوفاء بعهد الضمير: لعلهم لا يوفون بعهود الوطن والفكر إلا إذا قدمت الأمة إليهم العرائس كما كانت تقدمها إلى النيل من قبل، فقلت لها: لا جرم أن العرائس أو الجوائز هي أقوى الحوافز لقرائح العلماء والأدباء والفنانين، لأنهم خُلقوا لأنفسهم قبل أن يخلقوا للعلم والأدب والفن، فإذا لم يجدوا الجزاء على ما يبذلونه للناس ضنوا به أو أنزروه، ولكن النيل خلق لغيره كما يخلق النبي المرسل والزعيم الملهم؛ فوجوده أن يفيض، وعمله أن يعطي.
ومن ذلك كان أصدق خلاله الوفاء والكرم، فهو منذ اتصلت منابعه بعيون السماء، وانشقت مجاريه في صدور الأرض، لا يزال يفي بوعده ويجود برفده على القدر الذي يريده الله لا يملك زيادته ولا نقصه.
وما كان الوفاء والسخاء غريزتين في المصري الحر إلا لأنه خلق من غرين نهره الحبيب ومائه.
فهو لابد موفٍ بما عاهد عليه وإن تثاقل.
والتثاقل مثبط عارض ينشأ من غفوة الضمير أو من كلال الذهن، فمتى نبه الدين الضمير وشحذ العمل الخاطر، عادت النفوس إلى جوهرها الخالص فسخت بما تملك؛ يومئذ لا تجدين عالماً يكسل، ولا غنياً يبخل، ولا سياسياً يكذب، ولا زعيماً يخون، ولا صانعاً يغش، ولا عاملاً يهمل؛ وإنما يجري أبناء النيل على أعراق النيل، ينشئون أطهاراً ويشبون أحراراً ويعملون أخياراً، ثم يذهبون أبراراً كما يذهب هذا النهر العظيم بعد أن يخُصب الجدب ويُنبت الحب ويرفع الحضارة ويقر السلام. (المنصورة) أحمد حسن الزيات

شارك الخبر

المرئيات-١