أرشيف المقالات

المعتصم بن صمادح على فراش الموت

مدة قراءة المادة : 4 دقائق .
8 للدكتور عبد الوهاب عزام الأندلس في أمر مريج، زال عنها سلطان الخلافة فاضطربت، وفقدت رواسيها من بني أمية فمادت.
وأصبحت كرقعة الشطرنج يتغالب الملوك على كل بيت فيها.
كل قوي يحوز ما وسع حوله وهمته، والعيش غلاب.
(والبر أوسع والدنيا لمن غلبا). في هذا المعترك ملك محمد بن أحمد بن صمادح التجيبي (مدينة (وشقة) وملك بنو عمه مدينة (سرقسطة).
ثم غلبوه على مدينته. ثم ملك ابنه معن بن محمد مدينة (المرية) غصبها من عبد العزيز بن أبي عامر.
وخلفه ابنه أبو يحيى المعتصم بالله وهو في سن الرابعة عشرة.
نشأ في ملك ضيق الرقعة، فاستعاض منه سعة الخلق وبعد الهمة، وحلية العلم والادب، والسخاء الشامل، والجود العمم، حتى طاول المعتمد بن عباد كبير ملوك الطوائف ونافسه، وحتى قال أمير المسلمين يوسف بن تاشفين حينما لقيهما بالأندلس (هذان رجلا هذه الجزيرة). قال ابن خلكان: (وكان رحب الفناء، جزيل العطاء، حليماً عن الدماء، طافت به الآمال، واتسع في مدحه المقال، وأعملت إلى حضرته الرحال، ولزمه جماعة من فحول الشعراء) وقال الفتح بن خاقان: (ملك أقام سوق المعارف على ساقها، وأبدع في انتظام مجالسها واتسقها، وأوضح رسمها، وأثبت في جبين أيامه وسمها.
لم تخل أيامه من مناظرة، ولا عمرت إلا بمذاكرة أو محاضرة.

وكانت دولته مشرعاً للكرم، ومطلعاً لهمم، فلاحت بها شموس، وارتاحت فيها نفوس.
ونفقت فيها أقلام الأعلام، وتدفقت بحار الكلام، كإجادة ابن عمار وإبداعه، في قوله معتذراً من وداعه. أمعتصماً بالله والحرب ترتمي ...
بأبطالها والخيل بالخيل تلتقي دعتني المطايا للرحيل وإنني ...
لأفرق من ذكر النوى والتفرق وإني إذا غربت عنك فإنما ...
جبينك شمس والمرية مشرقي وكان المعتصم، كالمعتمد بن عباد، شاعراً مجيداً: كتب إلى الوزير الشاعر بن عمار؛ وزهدني في الناس معرفتي بهم ...
وطول اختباري صاحباً بعد صاحب فلم ترني الأيام خلاً تسرني ...
مباديه إلا ساءني في العواقب ولا قلت أرجوه لدفع ملمة ...
من الدهر إلا كان إحدى المصائب طوى الأمير أربعين عاماً في إمارته، شاع فيها ذكره ونبه اسمه، وحلب الدهر أشطره، ورأى أحداثه وعبره.
ثم حم القضاء وبعث ابن تاشفين جنوده على ملوك الطوائف تثل عروشهم، وتعفي على آثارهم.
ولقي (رجلا الجزيرة) الصدمات الأولى فدارت على المعتمد الدائرات، فإذا هو أسير أغمات، وللمعتمد بن عباد قصة ملؤها العبرات والزفرات. وعلم ابن حماد بما أصاب صاحبه فملكه الغم، وناء به الحزن، وكان أسعد من صاحبه جداً، نجاه الموت من الإسار، وأنقذه الحمام من المذلة: رب عيش أخف منه الحمام.
ولله ابن بسام حين يقول: (وكان بين المعتصم وبين الله سريرة أسلفت له عند الحمام يدا مشكورة.
فمات وليس بينه وبين حلول الفاقرة به إلا أيام يسيرة، وفي سلطانه وبلده، وبين أهله وولده). دع ما نمق الكتاب، وأنشد الشعراء، ودع أربعين طواها الزمان كأنها أحلام، وانظر المعتصم ليلة الخميس لثمان بقين من شهر ربيع الأول سنة أربع وثمانين وأربعمائة - الليلة التي طلع عليه بالردى فجرها - هاهو ذا على فراش الموت في قصره بالمرية، ومعسكر ابن تاشفين على مقربة من المدينة ترى خيامه، وتسمع ضوضاءه.
ويسمع المعتصم وجبة من الجيش اللجب، والجند المصطخب، فيقول كأن لم ينعم بالملك والجاه أربعين عاماً! لا إله إلا الله! نغص عليها كل شيء حتى الموت، قالت (أروى) إحدى جواريه: (فدمعت عيني، فلا أنسى طرفاً إلي يرفعه، وإنشاده لي بصوت لا أكاد أسمعه) (ترفق بدمعك لا تفنه ...
فبين يديك بكاء طويل) عبد الوهاب عزام

شارك الخبر

ساهم - قرآن ٣