أرشيف المقالات

بعد إسدال الستار على مأساة فنلندا

مدة قراءة المادة : 5 دقائق .
8 فشل العقل.
فشل العقل في السياسة كفشل القلب في الطب معناه الانخذال والانحلال والموت.
وليس في مقدورنا نحن أصحابَ الكلام وأرباب الأقلام إلا أن نصنع ما يصنع صاحب القصر الأبيض في واشنطون ورب القصر المقدس في روما: نصوغ اللفظ والدمع مرائي ومآسي وأكاليل كلما فشل الضمير والعقل، فمات بفشلهما الحق والعدل، وكان لذلك ضحايا من الأمم والناس ذهبوا أشلاءً ودماء بين الألم والعَدم! أُسدل الستار الختامي أول أمس على المأساة الفنلندية الفاجعة بعدما ظلت ثلاثة أشهر ونصفاً تمثل على مسرح من الجليد والدم اصطرعت عليه القوة والحق، والبغي والعدالة، والكثرة والشجاعة، والنذالة والحميَّة، والعالم كله يشهد هذا الصراع الهائل وهو شاخص البصر مشدوه اللب لا يملك إلا التصفيق للبطل والتصفير للنذل! كان كل واحد من الفنلنديين أمام ستين من الروس! وكان هذا الواحد ضئيل الحظ من الميرة والذخيرة والسلاح والمدد؛ وكان هؤلاء الستون وراء صفوف متلاحقة من آلات الحديد والنار، ومع ذلك استطاع هذا الواحد أن يمعن في أولئك الستين تقتيلاً وتنكيلاً وأسراً، وهو يغوص في الثلج ويكز من البرد ولا يكاد يجد الدفء ولا القوت ولا النوم! ذلك هو الإيمان الصادق الصابر الذي يأذن به الله أن تغلب الفئة القليلة الفئة الكثيرة.
وتلك هي البطولة القائمة على عزة النفس وكرامة الجنس وإيثار التضحية وتقديس الوطن.
فلو أن العقل السياسي في جارتي فنلندة ساعد هذه المزايا النادرة فنهضتا لمناصرتها، ومكنتا الحليفتين من مؤازرتها، لخنس ستالين خنوس الجبان، وذلّت البلشفية ذل الأبد! حاربت فنلندة مكرهة ثم سالمت مكرهة.
أكرهها أعداؤها على الحرب، وأكرهها أصدقائها على السلم، فدافعت عظيمة، ثم صالحت كريمة.
والجاني عليها في الحالين هو فشل العقل فيمن عادى وفيمن صادق.
فلو أن ستالين لم يصب باحمرار العقل في مفاوضته لفنلندة قبل الحرب، لظفر منها بخير مما ظفر به بعد الصلح.
إنه اقتطع من الوطن الفنلندي مقاطعات عزيزة، ولكنه أخذها بعد أن جعلها المرشال البطل مانِرْهايم مقبرة هائلة، دفن فيها مائتي ألف جندي من الروس معهم ألف وخمسمائة دبابة وسبعمائة طائرة؛ وكل أولئك مكفن بهي الجيش الأحمر وكرامة قواده وقيمة عتاده! ولو أن الدول الشمالية لم تصب بشلل العقل لفكرت قبل هذه الحرب أو أثناءها فيما تفكر فيه اليوم من التحالف العسكري بينها، فإن ذلك كان عسِيّاً أنه يشفي الدب من غروره ويكسر من طماحه ولو أن الدول الديمقراطية لم تصب بتردد العقل لخرقت حياد السويد والنرويج لتدفع الموت المحقق عن الجارة الباسلة الصغيرة.
وهل عليك من بأس إذا وطئت حمى الجار لتطفئ الحريق في بيت جاره؟ إن فنلندة حاربت في سبيل الحق والسلام والمدنية، وكان لها على المجاهدين في هذه السبيل الحفيظة والنصرة.
ولو لم يكن لها وللحلفاء قضية عادلة مشتركة توجب التضامن والتعاون، لكان من شهامة الطبع المدني ألا يدعوا هذه البطولة العجيبة التي أدهشت العالم في مغربي الأرض ومشرقيها تيأس من النصير فتستكين للظلم وتستنيم للمذلة! فما أحرى الذين فرطوا في جنب فنلندة بالأمس أن يتداركوا عواقب تفريطهم اليوم! لقد تثاقلوا عن إسعافها حتى اندك القائم وأقفر الآهل وأجدب الخصيب، فأصبح أربعمائة ألف من أهلها لا يجدون مورداً ولا مأوى.
إنهم ساعدوا العدو سلباً على التدمير، فليساعدوها إيجاباً على التعمير.
ومن لم ينهض ليقيك الطعنة النفاحة، فلا أقل من أن يساعدك عليها بالضماد والمرهم هذا أوان الثمر المرجو من عطف الديمقراطية في أوربا وأمريكا على فنلندة البائسة.
ولن يخالجنا الشك في أن دعاة الحرية وحماة المدنية سيذكرون اليوم أن فنلندة أصيبت بنقص شديد في الأنفس والأموال والثمرات، ففقدت من شبابها البر العامل خمسين ألفاً بين قتلى وعجزة، وخسرت من ثراها الغالي المثمر ثلاثين ألف كيلو متراً من أزكى الأرض تربة وأوفرها ثروة.
وسيذكرون غداً متى جلسوا للصلح على أنقاض البلشفية والنازية أن صلح فنلندة قد انعقد على دخن، وجرحها قد اندمل على بغي، وسيرون يومئذ أن هذا الجرح لا يزال تحت جُلبته الخادعة يجيش ويقيح ويضرب.
فهي حرية أن تعد محاربة معهم بالقوة، وإن لم تستطع مباشرة هذه الحرب بالفعل إن في أخطاء الناس وأرزاء القدر عبراً لا تنقضي الإفادة منها.
فاستشهاد بولندة واستخذاء فنلندة نذيران للأمم الصغيرة بخطر التواكل والتخاذل والعزلة.
وقد قلنا مرة في هذا المكان إن سياسة الاتحاد هي وحدها الأمان من سياسة السمك.
فإذا أرادت الدويلات المجاورة التي حكمت عليها الطبيعة بالضعف لقلتها أو جهالتها أن تحفظ على نفسها الحياة وتضمن لشعوبها الحرية، فليس لها غير سبيل الولايات المتحدة الأمريكية؛ فإن في الاتحاد القائم على صلاة الدم والروح والجوار الخيرَ المتصل للعالم، والضمان الدائم للسلام! احمد حسن الزيات

شارك الخبر

المرئيات-١