أرشيف المقالات

حول استقلال الكلمات في المعاجم

مدة قراءة المادة : 16 دقائق .
8 للأستاذ أبي خلدون ساطع الحصري بك لا أزال أتذكر الحيرة الشديدة التي تملكتني عندما تصفحت المعاجم العربية الحديثة قبل سنوات.
فقد كنت أريد تزويد ابني بمعجم صغير يرجع إليه في معرفة معاني الكلمات من جهة، ورسم حروفها من جهة أخرى؛ فاستشرت جماعة من معلمي العربية وعلمائها عن أحسن المعاجم المختصرة التي تحقق هذا الغرض.

غير أني، عندما قلبت صحائف المعاجم التي دلوني عليها وقعت في حيرة، إذ وجدتها جميعها مرتبة على نمط المعاجم القديمة، وسائرة على خططها، لأنها ترتب الكلمات بحسب موادها الأصلية، ولا تراعي ترتيب الحروف الهجائية إلا في تلك المواد.
وحيرتي هذه تحولت إلى دهشة شديدة عندما أفضيت بها إلى جماعة المعلمين والعلماء، ووجدتهم يحارون لحيرتي ويستغربون لاستغرابي، كان الأمر من الأمور الطبيعية التي لا داعي للحيرة فيها، ولا مساغ للاعتراض عليها.
ودهشتي هذه وصلت إلى أقصى حدودها عندما رأيت هؤلاء ينبرون للدفاع عن خطط تلك المعاجم.

إذ قال أحدهم: - ولكن اللغة العربية لا تشبه سائر اللغات.
وقال آخر: - إن طبيعتها تختلف عن طبيعة تلك اللغات.
وما كدت أستفيق من الحيرة التي أوقعتني فيها هذه الكلمات حتى همت بالرد قائلاً: - وما علاقة المعجم بطبيعة اللغة؟ إن الغرض من المعجم هو ترتيب الكلمات ترتيباً معقولاً، يضمن الوصول إلى إيجاد الكلمة المطلوبة بأعظم ما يمكن من السرعة والسهولة.
ولا شك في أن هذه السرعة والسهولة لا تحصلان إلا بترتيب الكلمات بحسب حروفها الهجائية، ومن البديهي أن هذه ليست من الأمور التي تختلف بين لغة وأخرى بوجه من الوجوه. غير أن معلماً ثالثاً اشترك في البحث سائلاً: - يعنى، تريد أن تكتب مثلاً كلمة الاستغفار في مادة الألف، وكلمة الغفران في مادة الغين؟ قلت بدون تردد: نعم فقال المعلم بلهجة المؤمن المعتقد الذي يثورعلى أمثال هذه البدع: - ولكن هذا لا يجوز في اللغة العربية.
فسألته: لماذا؟ فأجابني بحيرة ظاهرة: - لأننا إذا فعلنا ذلك لا يتعلم الطلاب، مثلاً، أن الاستغفار من باب الاستفعال، وأن مادته الأصلية هي غفر.

فحاولت أن أقنع مخاطبي ببعض البراهين، فقلت: - أن لتعليم هذه الأمور ألف وسيلة ووسيلة.

حتى إن المعجم الذي أتصوره وأقترحه يكون - هو أيضاً - من أحسن الوسائط لذلك: يدرج القاموس كلمة الاستغفار في المحل الذي يتطلبه ترتيب حروفها الهجائية، ويذكر بجانب الكلمة مادتها الأصلية.

فيجد الطالب الكلمة في المعجم بكل سهولة، ويتعلم - في الوقت نفسه - من قراءة ما كتب عنها أن مادتها الأصلية هي غفر، وأنها تدل على طلب المغفرة.
سكت مخاطبي كما سكت زملاؤه.
غير أنني لمحت في أعينهم ما يدل على أن هذا السكوت لم يتأت من الاقتناع، بل تأتى من الاعتقاد بأن كل اعتراضاتي هذه ما هي إلا نتيجة عدم إلمامي بقواعد العربية الإلمام الكافي، وعدم فهمي لخصائصها الفهم اللازم.
مضى على هذه المناقشة أكثر من عشرة أعوام.

ثم عدت إلى قضية المعاجم - في هذه الأيام - مرة أخرى، وعلمت - في حيرة جديدة - أن اللغة العربية لم تحظ إلى الآن بمعجم عصري بالمعنى الذي يفهم من كلمة المعجم في جميع لغات العالم.

كما علمت بأن المجمع اللغوي الملكي نفسه لم يقدر أهمية هذه القضية حتى قدرها، ولم يدخلها في عداد الأعمال التي يسعى لتحقيقها.
فرأيت من الواجب على أن ألفت أنظار علماء العربية ومعلميها إلى هذا الأمر إلهام من فوق منبر (الرسالة) الغراء، وأن أدعوهم إلى العمل على إزالة هذا النقص الفادح. أن المعجم بمثابة مخزن للكلمات، معد لمراجعة جميع الناس، بحيث يستطيع كل شخص أن يدخل هذا المخزن فيتناول منه الكلمة التي يقصدها، دون أن يحتاج إلى مساعدة أحد يدله على موضعها.

ولهذا السبب تصنف الكلمات في هذه المخازن العامة تصنيفاً يضمن إيجاد ما يراد منها بأسرع الطرق وأسهلها.
ولهذا السبب يختلف التصنيف المعجمي عن التصنيف الصرفي والنحوي اختلافاً كلياً، ويكون هذا التصنيف ألفبائياً - بوجه عام - لكي يستطيع كل فرد أن يجد أية كلمة من الكلمات فيه، بمجرد تذكر ترتيب الحروف الهجائية في الألفباء.
غير أن المعاجم العربية تشذ عن هذه القاعدة العامة شذوذاً غريباً، لأنها تصنف الكلمات تصنيفاً مفعماً بالالتواء والتعقيد، بحيث لا يستطيع أحد أن يجد كلمة من الكلمات إلا إذا عرف - مقدماً - مادتها الأصلية وكيفية اشتقاقها من تلك المادة بصورة تفصيلية. فلو أراد أحد أن يراجع المعجم في كلمة (الاستيلاء) مثلاً، فعليه أن يلاحظ بل كل شيء أن هذه الكلمة من باب (الاستفعال)، كما يعرف - سلفاً - أن مادتها الأصلية هي (ولى)، وعليه أن يبحث عنها - مستنداً إلى هذه المعلومات - في الصحائف الخاصة بحرف الواو فاللام.

وأما إذا أراد أن يراجع المعجم في كلمة (الاستواء)، فعليه أن يعرف أنها من باب (الافتعال) وإن مادتها الأصلية هي (سوى)، فعليه أن يبحث عنها - مستنداً إلى معلوماته هذه - في الصحائف الخاصة بحرف السين فالواو.

غير أنه إن كان لا يعرف ذلك فمن العبث أن يراجع القاموس ويقلب صفحاته، لأن القواميس العربية لا تدل على مواضع مثل هذه الكلمات إلا لمن يعرف مثل هذه الدقائق الصرفية واللغوية حق المعرفة. أليس ذلك مخالفاً لأبسط قواعد التعلم ولأوضح مبادئ التعليم.
؟ لنأخذ مثالاً آخر: لنفرض أننا طلبنا من أحد الطلاب أن يبحث في المعجم عن كلمتي: الاستعانة، والاستكانة.

إن هاتين الكلمتين متشابهتان ومتقاربتان من حيث اللفظ والكتابة؛ فإن الحروف الثلاثة الأولى مشتركة كلتيهما، وكذلك الحروف الثلاثة الأخيرة؛ والفرق بينهما ينحصر في الحرف الرابع وحده، مع كل هذا فإن موقع كل منهما في المعجم يتباعد عن موقع الأخرى تباعداً غريباً جداً؛ فعلى الطالب الذي يبحث عن هاتين الكلمتين في المعجم، أن يعرف أن الكلمة الأولى من باب (الاستفعال) من مادة (عون) فيراجع من أجلها حرف العين فالواو؛ كما عليه أن يلاحظ أن الكلمة الثانية قد تكون من باب (الاستفعال) من مادة (كون) أو من باب (الافتعال) من مادة (سكن)؛ فعليه أن يراجع حرف الكاف فالواو نظراً للاحتمال الأول، وحرف السين فالكاف نظراً للاحتمال الثاني. وهل يمكن للمرء أن يتصور طريقة تصنيف أعقم من هذه الطريقة، وخطة تبويب أسخف من هذه الخطة.

من وجهة مقتضيات العقل والمنطق من جهة، ومطالب التربية والتعليم من جهة أخرى؟ إن المعاجم العربية الموجودة بين الأيدي لا تزال تضع الاشتقاق في الموضع الأول من الاعتبار، فتهتم بأنساب الكلمات قبل كل شيء وفوق كل شيء، كأنها لا تريد أن تعترف بشيء من حق الاستقلال للكلمات المشتقة، مهما كان مبلغ تخصصها في معنى من المعاني، ومهما كانت درجة تباعد هذا المعنى الخاص عن المعنى الأصلي.

إنها لا تعترف لها بحق الاستقلال في بيت خاص حتى ولو كانت قد أصبحت رئيسة أسرة خاصة، ومنشأ ذرية كبيرة، كأنها تريد أن تبقيها تحت وصاية مستمرة وتحتم عليها أن تسكن على الدوام، في دار (جدها الأعلى) مع جميع أفراد العشيرة التي تنتسب إليها.
فلنترك الألفة المخدرة جانباً، ولنفسح لأذهاننا مجال التفكير الحر خارجاً عن الطرق المألوفة قليلاً: هل من المعقول أن نستمر على هذه الخطة في معاجمنا، ولا سيما في المدرسية منها. هل من المعقول - مثلاً - أن نستمر على إدخال كلمة المصباح في مادة الصبح، فنتركها في معاجمنا ضائعة بين كلمات الصباح، والصباحة، والصبوح، والصبيحة والاصطباح والاستصباح.
؟ وهل من المعقول أن نستمر على عدم اعتبار لفظة (الأنبوبة) كلمة قائمة بنفسها، وعلى إدخالها في درج الـ (نب) ونظل نطلب من أطفالنا وطلابنا أن يجدوها هناك؟ وهل من الحكمة في شيء إلا توجد محلاً ملائماً لوضع كلمة (الميزانية) في غير الخزانة المخصصة لمادة (الوزن).
؟ وعندما ما أكتب هذه الأسطر يتوارد على ذهني أمثلة كثيرة من هذا القبيل، كأنها تتسابق في التباعد عن قواعد العقل والمنطق ومبادئ التربية والتعليم إلى أقصى حدود التباعد.
أن كلمة الاستئناف - مثلاً - بالرغم من معناها الخاص الذي يلعب دوراً هاماً في الحقوق والقوانين، وبالرغم من كثرة المحاكم التي تسمى بها لا تزال تلتجئ في المعاجم إلى ظل كلمة (الأنف)!.
وكلمة (الاستراحة) - التي يستعملها الناس في كل يوم مئات من المرات - لا تزال محبوسة في المعاجم في دار (الراح)، ومحشورة بين كلمات شتى المعاني والألفاظ: كالرياح والرائحة والأريحية والريحان!.
حتى أن كلمة (المدرسة) نفسها لم تكتسب في معاجمنا حق الاستقلال؛ فهي لا تزال تابعة - في نظرها - إلى كلمة الدرس ومجبرة على الاندساس بين كلمات متخالفة النزعات مثل (اندراس) المعالم والمباني و (دراسة) الحنطة والحبوب!.
وكلمة (الاقتصاد) التي أصبحت بمعناها الاصطلاحي الجديد من أهم محاور الحياة الاجتماعية - لا تزال مختفية في معاجمنا بين الكلمات التي من طراز القصد والمقصود، والقاصد والقصيدة وبين المعاني التي تدل على موت الكلب، واستقامة الطريق، وأغصان العوسج!.
ولكن، لماذا أطيل الكلام في هذه الأمثلة العجيبة؟ إن معاجمنا لم تعترف بحق الاستقلال، حتى لكلمة الاستقلال نفسها! فهي لا تزال تعتبرها تابعة لـ (قل)، فتحتم عليها السكنى في مسكن (القلة والقليل)!.
نعم، إن كلمة الاستقلال التي تثير في النفوس ما تثيره من العواطف الجياشة على الدوام، والتي تتكرر في القصائد الوطنية والأناشيد المدرسية كل يوم مئات، بل آلاف المرات.

كلمة الاستقلال التي كان معناها - ولا يزال - سبباً لتضحيات كبيرة في الجهود والأموال والأنفس - كلمة الاستقلال هذه لم تستقل في معاجمنا إلى الآن. فعلى كل من يود التعرف إليها في القاموس أن يطرق باب الـ (قل) وإن يعرف أنه سيلاقيها بجانب كلمة (لقليل)! أنا لا أدري بماذا أنعت معاجمنا لاتباعها هذه الخطط العوجاء، وسكوت علمائنا عن هذه النقائض الفادحة.
غير انني أميل إلى تعليل هذا الاستمرار وذلك السكوت بتأثير عاملين أساسيين: أولاً: عمل قانون الألفة الذي يجعل الإنسان لا يشعر بأكره الروائح، ولا ينتبه إلى أفدح النقائض، عندما يألفها ألفة طويلة، ولا سيما عندما تكون ألفته هذه اجتماعية.
ثانياً: عمل روح المحافظة التي تطلب إبقاء القديم على قدمه فتعطل نوازع العمل عندما ترمي إلى تغييرات أساسية في الأمور المقررة سابقاً، ولا سيما عندما تكون تلك الأمور متعلقة بالتقاليد الاجتماعية.
إنني أستطيع أن أضيف إلى هذين العاملين الأصليين عاملاً فرعياً ثالثاً، وهو عمل نزعة الاهتمام بالأمور الرنانة التي تلفت الأنظار، أكثر من الانصراف إلى معالجة المسائل الجوهرية التي لا تأتي بنتائج تبهر الأبصار وإن كانت كثيرة الفائدة.
إنني اعتقد أن الخروج على هذه العادات والنزعات بوضع معاجم عصرية بالمعنى المشروح آنفا - أصبح من أهم الواجبات التي تجب على رجال العلم والتعليم، ومحافل اللغة والأدب، ووزارات التربية والمعارف - في جميع البلاد العربية.

كما اعتقد أن وضع مثل هذه المعاجم العصرية التي تعترف باستقلال الكلمات، وتجعل الوصول إلى كل واحدة منها من الأمور المتيسرة لكل شخص - لهو أهم بكثير من البحث عن الكلمات التي تقابل: التلفون، والكلور، والراديوم.

وحتى من إيجاد الاصطلاحات التي تدل على أسماء الأمراض، ودقائق التشريح. وأما الخطة التي يجب السير عليها لوضع هذه المعاجم فهي بسيطة وجلية: أولاً - يجب أن تبذل الجهود اللازمة لوضع معجم مختصر يحتوي على الكلمات التي يستعملها الناس ويحتاج إليها طلاب المدارس الابتدائية.
ولتعيين هذه الكلمات يجب أن تستعرض طائفة من الكتب المدرسية من جهة، وتدرس كمية من الأخبار والإعلانات المنتشرة في الجرائد اليومية من جهة أخرى؛ وتستحضر بطاقات خاصة بكل كلمة من الكلمات التي تصادف خلال هذا الدرس والاستعراض؛ ثم ترتب هذه الكلمات حسب نظام حروفها الهجائية، ويكتب إزاء كل واحدة منها معناها الاصطلاحي، كما يشار إلى مادتها الأصلية، وإلى كيفية اشتقاقها من تلك المادة.
وأخيراً تذكر أهم الكلمات المشتقة منها، تسهيلاً لمراجعتها في سائر أقسام المعجم. هذا من جهة، ومن جهة أخرى تبذل الجهود اللازمة لتنظيم معجم أكثر تفصيلاً من ذلك، ليكون مرجعاً لطلاب المدارس الثانوية والعالية، ولرجال الطبقة المثقفة بوجه عام، على أن تعين كلماته على طريقة استعراض الكتب المدرسية من جهة، ودرس المجلات العلمية والأدبية من جهة أخرى. وأخيراً يجب أن يسعى لوضع معجم مفصل عام.

يتضمن جميع الكلمات المستعملة في الكتب القديمة والحديثة على اختلاف أنواعها وتواريخها.
وأما المعاجم القديمة، فتبقى كمراجع أساسية يرجع إليها العلماء والاختصاصيون. واعتقد أنه لا يحق لنا أن نتوقع تقدماً حقيقياً في تعليم اللغة العربية ما لم توجد مثل هذه المعاجم.

ويحمل أمر (مراجعة المعجم) من الواجبات المدرسية.
أنا لا أدري كم يكون طول المدة التي ستمضي بين كتابة هذه الأسطر وبين ظهور المعاجم التي نشير إليها.

كما لا أدري ماذا يكون مبلغ ونوع مساهمة كل من الكتاب والناشرين والهيئات العلمية والدوائر الرسمية في تحقيق هذا المشروع المهم عن طريق العمل المباشر أو التشجيع والمساعدة.
مع هذا أتمنى بكل قلبي أن تتضافر جهود الأفراد والهيئات والحكومات في هذا السبيل - بكل الوسائل الممكنة - لكي تقر أعيننا بمعاجم عصرية من هذا القبيل.

قبل أن يمضي وقت طويل. (بغداد) أبو خلدون

شارك الخبر

روائع الشيخ عبدالكريم خضير