أرشيف المقالات

كتاب مستقبل الثقافة في مصر

مدة قراءة المادة : 17 دقائق .
8 الثقافة العامة وتعليم اللاتينية واليونانية للأستاذ أبى خلدون ساطع الحصري بك أما الفوائد التي تعزى إلى (تعليم اللاتينية واليونانية) من وجهة خدمات هذا التعليم لـ (تثقيف العقل وتقوية المحاكمة) فمن الأمور التي تحتاج إلى إنعام النظر من وجوه عديدة: فإن نظم المعارف السائدة في أوربا، كانت جعلت (الدراسة الثانوية الممزوجة بتعليم اللاتينية واليونانية) السبيل الوحيد الذي يؤدي بالطلاب إلى الدراسات العالية.
ولا حاجة للبرهنة على أن عدم وجود سبيل آخر يؤدي إلى ميادين الفكر والثقافة الفسيحة، لا يمكن أن يعتبر دليلاً على عدم إمكان أيجاد سبل أخرى أقصر وأحسن وأنفع من ذلك السبيل.
كما أن ذكر الأمثلة الكثيرة عن أعاظم العلماء الذين كانوا من النابغين والمتقدمين في دروس اللاتينية، لا يمكن أن يبرهن على أية قضية كانت في هذا المضمار.
لأن التفكير العلمي الصحيح يتطلب التساؤل - تجاه مثل هذه الأمثلة - عما إذا كانت اللاتينية من عوامل نمو عقول هؤلاء العلماء، أم أن مواهبهم العقلية كانت من أسباب تقدمهم في اللاتينية؟ ونرى من المفيد أن نوضح هذه القضية بمثال مادي: لنفرض أننا أخذنا حفنة من الحبوب وغربلناها بغربال معين؛ من الطبيعي أن هذا الغربال سيسقط الحبوب الصغيرة، وسوف لا يحتفظ إلا بالحبوب الكبيرة.
فهل يجوز لأحد أن يدعي - عند ما يشاهد هذه الحبوب الكبيرة - أن الغربال سبب (تنمية الحبوب)؟ هذا من جهة، ومن جهة أخرى هل يجوز لأحد أن يدعي أن هذا الغربال هو الواسطة الوحيدة لانتقاء البذور؟ أو أن الغربلة هي أحسن الوسائط لهذا الانتقاء؟ وهل لأحد أن ينفي احتمال سقوط بعض الأنواع من البذور الثمينة والنافعة - مع ما يتساقط من الغربال؟ أو ألا يسلم باحتمال بقاء الأنواع من البذور الرديئة والمضرة، بين ما يبقى في الغربال؟ أننا لا نقصد في سوق هذا المثال وإيراد هذه الأسئلة أن ندعي أن (عمل اللاتينية في العقول لا يختلف عن عمل الغربال في الحبوب) بل إننا نود أن نقول: إن هذه القض كثيرة التعقيد كما يظهر من المثال المادي البسيط الذي ذكرناه؛ فلا يجوز لنا أن نبت في مثل هذه القضايا قبل أن ندرسها من جميع وجوهها ونقوم بأبحاث دقيقة وشاملة في شأنها.
فلنفكر كيف يمكن أن يؤثر (تعليم اللاتينية) على القابليات العقلية.
لا شك في أن هذا التأثير يجب أن ينجم عن ممارسة تمارين الترجمة التي تجري خلال هذا التعليم.
فإن الترجمة تحمل الطالب بطبيعتها على القيام بأعمال ذهنية هامة: إنها تمرنه على نقل الفكرة الواحدة، أو المعنى الواحد من لغة إلى لغة أخرى؛ وذلك يضطره إلى تحليل المعاني والعبارات إلى عناصرها المختلفة، ويحمله على إجراء مقارنات دقيقة بين عبارات اللغتين ويعوده ملاحظة أصغر الفروق وأدق الألوان في معاني الألفاظ والعبارات التي تعرض عليه أو تخطر بباله.

إن الفوائد التثقيفية التي ينتظر الحصول عليها من تعليم اللغة اللاتينية أو اليونانية، لا تخرج عن نطاق فوائد هذه التمارين من وجهة التأثير على القابليات العقلية.
ولا مجال للشك في أن جميع هذه الفوائد لم تكن من خصائص تعليم اللاتينية أو اليونانية؛ بل هي مما يمكن الحصول عليها خلال تعليم أية لغة من اللغات الحية الراقية أيضاً.
إن هذه القضية كانت من أهم المسائل التي احتدم النزاع عليها ودارت المباحثات والمناقشات حولها.

وقد قام عدد غير قليل من علماء النفس ورجال التربية، يدرس هذه المسألة علمياً وتجريبياً.
فقد قاموا باختبارات واسعة النطاق، وبرهنوا على أن اللاتينية لا تمتاز على سائر اللغات - من حيث القابلية التثقيفية - بوجه من الوجوه فلا يجوز لنا مع ذلك أن نتوسل بتعليم لغة ميتة إلى (تثقيف العقل)؛ بل الأجدر بنا أن نصل إلى التثقيف المذكور عن طريق تعليم لغة حية ليستطيع الطلاب أن يستفيدوا منها في الوقت نفسه طول حياتهم الفكرية والاجتماعية وعندما فكرت أنا في هذا الموضوع - على ضوء الآراء والأبحاث التي أشرت إليها - تذكرت قصة صغيرة كنت قرأتها في كتاب مدرسي، بين موضوعات الإنشاء: كان رجل يعتمد في تدبير معاشه على نتاج مزرعته.
فلاحظ يوماً أن البركة أخذت تذهب عن مزرعته، وأن النتاج أخذ يقل عن حاجته، فشكا حاله إلى أحد أصدقائه، فوعده صديقه هذا بسؤال أحد السحرة، لتدبير مسألته.
فأتى إليه - في اليوم التالي - بعلبة سحرية، قال إنها كفيلة بإعادة البركة إلى مزرعته على أن يستصحبها معه كل ليلة إلى بعض أنحاء المزرعة - من الإسطبل إلى مخزن الحبوب - فأخذ الرجل يعمل بوصايا صديقه ويطوف بالعلبة السحرية في الأنحاء المذكورة.
ولم تمض على ذلك مدة طويلة، إلا وقد رأى أن العلبة عملت عملها السحري، وأعادت البركة إلى مزرعته.
غير أن هذه العلبة، كانت في حقيقة الأمر علبة اعتيادية فارغة؛ وأما سحرها، فقد نتج من اضطرار الرجل إلى الطواف بها ليلاً في مختلف أنحاء مزرعته؛ لأن هذا الطواف، ساعده على ملاحظة أحوال مزرعته، ومراقبة أعمال مأجوريه، ووضع حد لجميع الأسباب التي كانت تؤدي إلى تناقص موارده. إنني أشبه عمل اللاتينية في حقل التفكير، بعمل (العلبة السحرية) التي ذكرتها.
فإن السحر ليس فيها، بل في الأعمال الذهنية التي تجري بواسطتها.
ولا حاجة للبيان أن هذه الأعمال مما يمكن أن تجري دون وساطتها، بل بواسطة أية لغة من اللغات الحية الراقية.
إن المناقشات التي ثارت حول مسألة تعليم اللغات القديمة لم تحمل وزارات المعارف في فرنسا على إحداث بعض الإصلاحات لمجابهة الحاجات إلا بعد انقضاء النصف الأول من القرن الأخير وأما أول التدابير العملية التي اتخذت في هذا الباب فقد كان إحداث نوع جديد من الدراسة الثانوية في عهد وزارة (ديكتور دوروى).
عرف هذا النوع الجديد باسم (التعليم الخاص) واستغنى عن تعليم اللغات القديمة، وجعل غايته إعداد الطلاب للمدارس العالية الاختصاصية التي تفتح أمامهم سبل الدخول إلى الحياة العملية غير أن إحداث هذا النوع من التعليم أثار هجمات أنصار اللاتينية، كما أنه لم يحقق رغائب المجددين.
فقد احتج عليه أنصار اللاتينية واليونانية قائلين (إن هذه الدراسة الجديدة ستجذب الشبان إليها من جراء قصر المدة التي تتطلبها والفوائد العملية التي تتضمنها، وذلك سيؤدي إلى انصراف الشبان عن سبل العلم الخالص، والى انحطاط الثقافة الفرنسية العالية).
قالوا لذلك بوجوب تطويل مدة الدراسة فيها لإزالة أسباب الإغراء منها وأما معارضو اللغات القديمة فإنهم قالوا بأن هذا الإصلاح غير واف بالمرام، لأنه أحدث سبيلاً جديداً للدراسات المهنية العالية وحدها، وترك سبل الدراسات الجامعية على حالها، في حين أنهم كانوا يطالبون بإصلاح تلك السبل أيضاً؛ كانوا يعتقدون بوجوب إحداث نوع في الدراسة الثانوية لا يقصِّر في أهدافه السامية عن أهداف الدراسة الكلاسيكية الراهنة، ولا يهمل شيئاً من المرامي الثقافية التي عرفت باسم (الإنسانيات) منذ عصر النهضة.
إنهم كانوا يدعون إلى إحداث (إنسانيات عصرية) تعوض اللغات القديمة باللغات الحية، دون أن تحيد عن أهداف العلم الخالص والدراسة الجامعية.
ولذلك ثابر هؤلاء على مطالبهم إلى أن جاءت وزارة (ليون بورجوا) وخطت خطوة جديدة في السبيل الذي كانوا يدعون إليه؛ إذ أنها حوّلت (التعليم الخاص) إلى فرع ثانوي جديد عرف باسم (التعليم العصري).
وأصبحت الدراسة الثانوية بعد ذلك متفرعة إلى فرعين متوازيين: كلاسيكي وعصري بدأ هذا الفرع يشق لنفسه الطريق بين أنواع شتى من الموانع والمشاكل - من قلة الوسائط إلى خصومة المحافظين وعراقيل المعارضين - إذ أن أنصار اللغات القديمة والتعليم الكلاسيكي بذلوا كل ما لديهم من قوة لتحذير أولياء الطلاب من الاعتماد على نتائج هذه البدعة، وحرصوا حرصاً شديداً على إبقاء الجامعات موصدة الأبواب أمام متخرجي الفرع العصري من الدراسة الثانوية واستمر النزاع والنقاش، ووصل الأمر - في أواخر القرن - إلى درجة من الحدة اضطر معها مجلس الأمة إلى القيام بتحقيق برلماني خاص؛ فألف لجنة لدرس مسألة الثانوية من جميع وجوهها دراسة واسعة النطاق.
فاستمعت اللجنة لآراء عدد كبير من رجال العلم والأدب والتربية والتعليم، من رؤساء الكليات والجامعات إلى كبار رجال العمل في المهن المختلفة وخصصت في أبحاثها موقعاً خطيراً لدرس مسألة التعليم العصري والتعليم الكلاسيكي وقد أظهر هذا التحقيق الشامل عدة حقائق مهمة حول مسألة تعليم اللغات الميتة في المدارس الثانوية إن الدراسة الكلاسيكية المستندة إلى تعليم اللغات القديمة، كانت لا تزال تتمتع بشهرة عظيمة بين أولياء الطلاب.
كان المثقفون منهم قد نشئوا نشأة كلاسيكية، فتعودوا أن ينظروا إلى أن معرفة اللاتينية - معرفة تمكن من ترصيع الكلام ببعض عبارات منها عند الاقتضاء - من دلائل (الامتياز الفكري) ولوازم (الأرستقراطية المعنوية)؛ ولذلك قلما كانوا يرضون لأولادهم نوعاً من الثقافة تحرمهم هذا الامتياز، وتحط من منزلتهم الاجتماعية.
وأما الذين كانوا نشئوا نشأة أبسط من ذلك - ومع هذا أخذوا يطمعون برفع منزلة أولادهم عن طريق تعليمهم تعليماً راقياً - فكانوا لا يرضون لأولادهم أن يفترقوا عن أولاد الفريق الأول في هذا الميدان.

ولهذا ظلت رغبة الأكثرية متجهة نحو التعليم الكلاسيكي القديم.
وزد على ذلك أن معظم مديري المدارس الثانوية ومعلميها أيضاً كانوا متشبعين بفكرة تفوق الدراسة الكلاسيكية على العصرية؛ ولذلك كانوا لا يفتئون يشوّقون التلاميذ الأذكياء إلى اختيارها.

حتى أن البعض منهم كان يغالي في هذا الاعتقاد أشد المغالاة، فيظهر الفرع الجديد بمظهر (ملجأ المتأخرين) من الطلاب، ويبذل كل ما لديه من قوة إقناع المتفوقين منهم للرغبة عن هذا الفرع.
وأخيراً كان في خدمة الدراسة الكلاسيكية جيش كبير من المعلمين المتمرنين المزوَّدين بأحسن الاختبارات وأطول التقاليد؛ في حين أن الدراسة العصرية كانت في حاجة شديدة إلى معلمين خبيرين، يحسنون القيام بالمهام المطلوبة من هذه الدراسة الجديدة.
ومع كل ذلك قامت الدراسة العصرية بأعباء التثقيف أحسن قيام وأعطت نتائج باهرة، لا تقل عن نتائج الدراسة الكلاسيكية واللجنة قررت (بعد ما اقتنعت بذلك) إبقاء الفرع العصري في الدراسة الثانوية (مع العمل لتوسعه وترقيته) ومع هذا قررت في الوقت نفسه الاستمرار على اشتراط معرفة اللاتينية، للقبول في كليتي الطب والحقوق.
غير أنه مما يلفت الأنظار، أن القرار الأخير لم يتخذه إلا أكثرية ضئيلة جداً لأن الأصوات التي التزمت جانب اشتراط اللاتينية للقبول في الكليتين المذكورتين لم تتغلب على مخالفيها إلا بصوت واحد فقط! ولإظهار قوة الآراء المخالفة لذلك، أود أن أذكر بعض الفقرات المستخرجة من التصريحات التي أدلى بها ثلاثة من رجال العلم والفكر في هذا الصدد: وهم ليون بورجوا، وأرنست لاويس، وريمون بوانكاريه.
قال الأول ما مؤداه: نحن لم نعتقد أن الذين يتثقفون بالدراسات القديمة، هم وحدهم جديرون بتكوين الأرستقراطية الفكرية؛ بل اعتقدنا بإمكان (إنسانيات عصرية)، مستقلة عن اللغات القديمة، اعتقدنا بأننا نستطيع أن نعطي نوعاً من الثقافة العامة، تختلف عن الثقافة الكلاسيكية، دون أن تكون أقل سمواً منها.

فإن الدراسات الكلاسيكية بطبيعتها (كلامية) فلا تسد حاجات عصرنا هذا، ومطالبه الفكرية والأدبية والاجتماعية.

إن العالم قد تبدل تبدلاً أساسياً منذ عشرين قرناً؛ فالثقافة الكلاسيكية التي توارثت مكتسبات الحضارات القديمة وقيمتها، أصبحت بعيدة عن ملاءمة الحضارة الحالية.
) ثم جابه مخاطبيه بالسؤال التالي: (أيها السادة، لنستنطق أنفسنا بكل صراحة؛ من منا يستطيع أن يقول بأنه تذوق ما في مآسي (سوفو كليس) أو محاورات أفلاطون، من جمال فني، على طريف قراءة نصوصها الأصلية.

إذا لم يكن قد أولع باللغات القديمة ولعاً شخصياً، فتعمق في دراستها بعد الانتهاء من الدراسة الكلاسيكية؟ أما أنا فأعترف - من جهتي - بكل إخلاص - بأنني لم أفهم عظمة (أوديب الملك) إلا في الكوميدي فرانسيز.

مع أنني كنت من المبرزين في دروس اللغات القديمة وآدابها.
) وأما (أرتست لاويس) - الذي يعد من أشهر كتاب التاريخ في فرنسا، والذي ظل مديراً لدار المعلمين العالية مدة طويلة - فقد اعترف خلال تصريحاته بأنه كان مرتاباً في نجاح تجربة الدراسة العصرية - عند إحداثها - غير أنه تخلص من هذا الريب، بعد أن رأى النتائج الفعلية، فأصبح يعتقد بأن قيمة الثقافة التي تكتسب خلال مثل هذه الدراسة، لا تقل - بوجه من الوجوه - عن قيمة الثقافة التي تكتسب من الدراسة الكلاسيكية.
وزيادة على ذلك فند الرأي القائل بضرورة اللاتينية لإجادة الفرنسية؛ وصرح باعتقاده الجازم في مساواة قيمة الثقافتين؛ وقال بأن (الحجج التي تذكر لتبرير إيصاد أبواب كليتي الحقوق والطب أمام خريجي الدراسة العصرية، ما هي إلا من قبيل الأوهام الباطلة التي لا تستند إلى تجربة وتفكير) وأظهر استعداده لمناقشة القضية، عند الاقتضاء. وأما (بوانكاريه) الذي كان من كبار رجال الفكر والحقوق، والذي قام بأعباء وزارة المعارف، وتدرج بعد ذلك إلى رياسة الوزراء فرياسة الجمهورية - فهو أيضاً قد دافع عن الدراسة العصرية من وجهة قيمتها الثقافية دفاعاً حاراً؛ وردّ على آراء القائلين بضرورة اللاتينية للدراسات الحقوقية رداً عنيفاً: فقد قال - في هذا الصدد - ما مؤداه: (إنني لا أستطيع أن أسلم بضرورة معرفة اللاتينية لدرس الحقوق الرومانية بل أقول بإمكان درس هذه الحقوق بأساليب جديدة غير التي تعودناها إلى الآن، كما أعتقد بأنه لم يبق لهذه الحقوق من فائدة سوى متعتها التاريخية.
فلست متأكداً من أن الاستعاضة عن دراسة الحقوق الرومانية بدراسة الشرائع المعاصرة، لا يكون أشد موافقة وأكثر ملاءمة لمقتضيات الثقافة الحقوقية العصرية) (هذا، وإني سأذهب إلى أبعد من ذلك وسأزيد على قولي قولاً آخر - مع علمي بأن القول سيعتبر في نظر البعض من ضروب الكفر والإلحاد - فأقول بدون تردد: إن سيطرة الحقوق الرومانية على الفكر الفرنسي المعاصر، لا تخلو من مضار.

فإننا إذا شاهدنا محافلنا البرلمانية تسترسل في المناقشات البيزنطية إلى الحد الذي نعرفه، يجب أن نعلم أن مصدر ذلك إنما هي الأساليب الرومانية التي تعودناها في تفهم وتصور المناقشات الحقوقية) غير أن هذه الحجج القوية وأمثالها من التصريحات، لم تتمكن من زعزعة الاعتقادات القديمة كلها من أذهان جميع أعضاء اللجنة البرلمانية، ولذلك أيدت اللجنة - بأكثرية صوت واحد - النظام المتبع في اشتراط معرفة اللاتينية للدراسة الحقوقية.
غير أن ضآلة الأكثرية التي أقرّت ذلك كانت دليلاً واضحاً على أن الحل المذكور لم يكن من الحلول التي تطمئن إليها الأفكار، وتستقر عندها الأمور.
بل كان من الحلول المؤقتة التي تؤجل النتيجة النهائية، دون أن تضع حداً حاسماً للاختلافات.
فكان من الطبيعي ألا تقف الأمور عند هذا الحد، فتستمر المناقشات إلى أن يتقرر (مبدأ المساواة) بين الثقافتين الكلاسيكية والعصرية وهذا ما حدث فعلاً، فإن مناهج الدراسة التي وضعت بعد التحقيق البرلماني الآنف الذكر، حاولت أن توجد حلولاً متوسطة لكثير من المشاكل فأوجدت مثلاً نوعاً جديداً من الدراسة الثانوية، يحتفظ باللغة اللاتينية، ويضحي باليونانية لتعوضها بالعلوم أو اللغات الحية.
ولا شك في أن هذا النوع كان يشغل موقعاً متوسطاً بين (الكلاسيكية القحة) التي تتمسك باللغتين القديمتين في وقت واحد و (العصرية البحتة) التي تستغني عن هاتين اللغتين مرة واحدة.
غير أن الإصلاحات التي تقررت بعد الحرب العالمية، انتهت (بعد شيء من الجزر والمد) بتقرير حق المساواة بين الدراسة الكلاسيكية والدراسة العصرية، واتخذت عدة تدابير عملية لضمان هذه المساواة بصورة فعلية.
هذا هو ملخص الأطوار الأساسية التي مرت بها مسألة تعليم اللاتينية واليونانية في المدارس الثانوية والفرنسية. (يتبع) أبو خلدون

شارك الخبر

المرئيات-١