أرشيف المقالات

الغرام الجديد

مدة قراءة المادة : 8 دقائق .
8 للدكتور زكي مبارك أخي الأستاذ الزيات: تفضلت فسألت مرة أو مرتين أو مرات عن سبب احتجابي عن قراء الرسالة، وكانت حجتي في الاعتذار أن كتاب (ليلى المريضة في العراق) لم يُبق من قواي ما أصلح معه لمقابلة الناس في جِدٍ أو مزاح، وقد تلطفت فقبلت عذر أخيك، وصفحت عن تقصيره إلى حين فما رأيك إذا حدثتك بأني كنت في نشوة شعرية لم أصح منها إلا اليوم؟ كنت يا صديقي مشغولاً بنظم قصيدة (الغرام الجديد) وهي تقع في مائة بيت، وذلك الغرام هو يا صديقي نفحة من نفحات القاهرة في مطلع الربيع.
هو ثورة وجدانية تعتاد من يفيق من غفوة القلب حين يتنسم أرواح الأزاهير على ضفاف النيل أعاذني الله وإياك من غفوة العواطف، وحماني وإياك من الغفلة عن تنادي القلوب! يا قلبُ هذا نعيمٌ ...
من الصفاء وليد يا قلب هذا سعيرٌ ...
من الغرام جديد لقِيتُه وفؤادي ...
غافٍ قَريرُ السرائر فعدتُ أحيا بروحٍ ...
مشرّد الأنس حائر مَن مُخبري عن نصيبي ...
من ظلّ هذا النعيم؟ من مخبري عن مصيري ...
في لفح هذا الجحيم؟ كيف انتهينا؟ أجبني ...
يا قلب كيف انتهينا؟ أللنعيم وصلنا؟ ...
أم في الجحيم ثوينا؟ وبالوصال اصطباحُكْ ...
يا قلبُ أم بالصدود؟ وبالسهاد اغتباقك ...
يا قلب أم بالهجود؟ يا قلبُ طالت شكاتُكْ ...
من الخدود الأسيلة فكيف تُرجَى نجاتُك ...
من العيون الكحيلة؟ أحبُّ نور الضلال ...
في ضافيات الغدائ ويزدهيني الخبال ...
في غافيات النواظر رباهُ ماذا تريد ...
من فتنتي بالعيون؟ رباهُ ماذا تريد ...
من محنتي بالشجون؟ أأنت يا ربّ راضٍ ...
عن حيرتي في الهُيام إن كان هذا فإني ...
إذاً نبيُّ الغرام عصرت راح غرامي ...
من زاهرات الخدود وكان نُقل مدامي ...
من ناهدات النهود يطوف بالحسن روحي ...
في صبحهِ والمساء فيجتني من شَذاهُ ...
وشوكهِ ما يشاء عن أكؤسي ودموعي ...
روى رحيقُ الخلود عن مهجتي وضلوعي ...
رَوَى سعيرُ الوجود عن شقوتي في هيامي ...
رَوَى ظلامُ الليالي وعن صفاء زماني ...
رَوَى صفاء اللآلي أنا الشقيُّ السعيد ...
في لوعتي وشجوني أنا الغويّ الرشيد ...
في صبوتي وفتوني من الهوى والأماني ...
ومن زهور الجنان ومن فنون المعاني ...
رسمتُ وجه الزمان لولا غنائي وشعري ...
لمات رُوح الوجود لولا بياني ونثري ...
لضاع سرُّ الخلود في الثغر والصبح معنىً ...
لمن أُحبُّ شرحتُهْ في الحِبر والليل سرٌّ ...
أظنني قد فضحتهْ السحرُ يأخذ عني ...
عِلم اختدِاع النفوس والخمر تنقل عني ...
عِلم انتهاب الرءوس ما السيف في يد عاتٍ ...
مضلَّل الرأي جاني يوماً بأفتك مني ...
إذا امتشقت بياني الغيُّ لو شئتُ ركنٌ ...
من الرشاد ركينُ والشكُّ لو شئتُ حصنٌ ...
من اليقين حصينُ للعقل عندي فنون ...
وللجنون مذاهب عندي بياض الصباح ...
عندي سواد الغياهب إن كان في الناس قومٌ ...
رأوا هلال السماء ففي سرائر قلبي ...
والروح ألف ذُكاء ما عندكم؟ حدثوني ...
يا أخوتي في الجنون فبي غرامٌ وشوقٌ ...
إلى حديث الفُتون من الذي طاف منكم ...
ليلاً بتلك المناسك ومن هداه هواهُ ...
إلى ضلال الزمالك؟ في ذلك الدوح غصنٌ ...
لولا العفافُ هصرتُهُ في ذلك الروضُ زهرٌ ...
لولا الحياء قطفْتُه أباحني في التداني ...
والبعد عزّ الفضيحة وذاك لو يرتضيهِ ...
في الحبِّ خيرُ مَنِيِحه لقيتُهُ ذات يومٍ ...
في العصر عند الجزيرة والنيل سكرانُ صاحٍ ...
مثل العيون الكسيرة لقيتُ من لو دعاني ...
إلى الفداء فديتُهُ لقيتُ من لو دعاني ...
بعد الممات أجبتُهُ لقيتُ فيه وجودي ...
وكان بالصحو زالْ فعدتُ نشوانَ حيَّا ...
أعيش عيش الضلال رأيتُ حين رأيتُهُ ...
ما سوف يجني الصفاء فصاح روحيَ يهذي ...
ما الحبُّ إلاَّ بلاء أذاك نورٌ جديد ...
يلوح في قلب شاعر أم ذاكَ روحٌ مَريد ...
يصول في قلب ساحر كان الفؤاد استراح ...
من فاتكات الشجون فمن إليهِ أتاح ...
كيد الهوى والفتون أفي ظلال الجزيرة ...
وفي شِعاب الزمالك يهيم روحي ويشقى ...
ويلاهُ مما هنالك! يا ليتني ما رأيتُكْ ...
يا أجمل الحافظين يا ليتني ما عرفتُكْ ...
يا أقبح الغادرين ما أنت والزهرات ...
على خدود الملاح يا لوعتي في المساء ...
وفتنتي في الصباح أثرتَني للصِّيال ...
يا أُقحُوان الرياض وهجِتني للقتال ...
يا أُفعُوان الغياض أأنت ترمي وتمضي ...
إلى رِحاب الخلاص غرتْك نفسُك فاعلمْ ...
أن الجروحَ قصاص في لحظ عينيك نبلٌ ...
وفي عيوني نبال ونظرةُ الليث قيدٌ ...
لألفِ ألفِ غزال حاول خلاصك واسلُكْ ...
إلى النجاة المذاهب فلن يفوتك سهمي ...
ولو علوتَ الكواكب الرأيُ، الرأيُ عندي ...
إذا نشدتَ الأمان أن تستحيل نسيماً ...
ونفحةً من حَنان عندي وفي ظل حبي ...
تحسُّ روح الوجود وفي ضريم غرامي ...
ترى شُعاع الخلود أنا النجيُّ القريب ...
من القلوب الشوارد أنا الظلوم الحبيب ...
إلى الصدور النواهد رباهُ ما الصادحات ...
من ضاحكات الأماني رباهُ ما النائحات ...
من شاديات المثاني رباه ما الشارقات ...
من النجوم الثواقب رباه ما الغاربات ...
من الظنون الكواذب رباه كيف تراني ...
وكيف حاليّ عندك؟ هل كنت في كل حالٍ ...
إلا فتاك وعبدك؟ الكون، ما الكون؟ قل لي ...
يا مُبدعَ الكائنات هل كان إلا مَراحاً ...
لأنفُسٍ حائرات؟ أريتَنِي في هواك ...
ما يُوحش الصابرين فهل أرى من نداك ...
ما يؤنس الشاكرين رباه أنت الأمين ...
على خفايا الغيوب فهل تكون المُعين ...
على مآسي القلوب خاصمتُ فيك أناساً ...
حجبتَهم عن جمالِكْ فأرجفوا بي وظنوا ...
أني ضللت المسالَك قلبي وعقْلي وروحي ...
نسائمٌ من شذاك فهل يكون ضلالي ...
إلا بقايا هداك (مصر الجديدة) زكي مبارك

شارك الخبر

المرئيات-١