أرشيف المقالات

رقم!. . .

مدة قراءة المادة : 7 دقائق .
8 للأستاذ عباس محمود العقاد مليون ومائتا ألف! هذا هو الرقم في الحساب، وهو عدد الذين قتلوا في الحرب الأسبانية الأهلية من رجال ونساء وأطفال، ومن مقاتلين وموادعين.
بل كان عدد القتلى من الجنود أقل من عدد القتلى الذين لم يحاربوا ولم يحملوا السلاح؛ لأن هؤلاء قد بلغوا ثلاثة أرباع المليون! رقم!.

وماذا في الرقم من دلالة؟ كل ما هنالك أن ألوفاً كثيرة أصبحوا اليوم موتى وكانوا بالأمس أحياء إلا يعرف الإنسان هذا من قديم الزمان؟ ألا يعرف أن ألوف الألوف وملايين الملايين كانوا في عداد الأحياء فأصبحوا في عداد الأموات؟ فماذا في هذا الرقم الجديد؟ وأي شيء فيه يستوقف نظر القارئ أو يعوقه لحظة عن إتمام بقية السطور؟ لكن كاتباً من الكتاب يعمد إلى واحد من هذه الرمم فيخلق حوله مأساة، أو يبسط المأساة التي خلقتها الحوادث عياناً كأفجع ما يتخيل الخيال يرينا إياه إنساناً له آمال، وأباً له أطفال، وقريناً له قرينة، ومحباً له محبة، وعدواً له ضغينة يرينا أطفاله عراة جياعاً مشردين في العراء وقد كان موضعهم من الحياة فوق مهاد وبين أحضان ويرينا الفتاة اللعوب التي كانت نظرة من عينيها أو لمحة من بين أهدابها أملاً تتعلق به حياة الخاطبين، فإذا هي جيفة يعرض عنها الناظر، أو بغياً يبتذلها الطريق ويرينا على الجملة قلب إنسان واحد يتمزق بين هذه القلوب، فإذا بصدر القارئ يخفق، وبعينه تدمع، وبرأسه تقيم فيه الخواطر، وبالدنيا تضيق في وجهه، وبالرقم المهمل شيئاً مرعباً تقشعر له الأبدان وتجفل منه الأبدان ما أبلد خيال الإنسان! نعمة من النعم في بعض الأحايين أن يمني الإنسان ببلادة الخيال.
وإلا فأين هي النفس التي تتخيل ما وراء ذلك الرقم أو ما وراء ذلك المليون والآلاف المائتين من المآسي والفواجع والآلام والأحزان والأهوال والأثقال ثم تقوى على مس تلك الصدمة إلا كما تقوى على مس التيار الصاعق من الكهرباء؟ لكنها نقمة من النقم أن تبلغ بلاده الخيال ذلك المبلغ الذي لا يرى من وراء الملايين المقتولة إلا رقماً من الحساب نقمة تجر إلى شتى النقم، لأن الناس لو تخيلوا بعض ما ينبغي أن يتخيلوه من أهوال الحروب وأثقال الفواجع لبطلت منذ عهد طويل فاللهم لا ذلك الحس الذي يصعق كما تصعق الكهرباء، ولا هذه البلادة الصماء التي تلحق الآدمي بالبهيمة العجماء اللهم ذلك الحس الذي يبكي لمصرع مليون يتخيلهم مصروعين كما يبكي لمصرع فرد واحد يراه بعينيه ويعلم ما في مصابه من شقاء لذويه ومحبيه فهل تعلم ما للخيال من شأن في تمثيل المصائب والثورة عليها والتمرد على مقترفيها فلا نضن عليه بالتغذية ولا نستكثر عليه ما نسميه لهو البطالة وإزجاء الفراغ؟ وكأنما (المريخ) مخلوق له طالع من طوالع السعود، وجد لا يصيبه تقلب الجدود ففي كل عصر له رزق مسوق إليه على حسب ما يكون في ذلك العصر من علم أو صناعة أو تدبير قيل أن الناس قد لطفت خلائقهم في العصر الحديث حتى لا يطيق أحدهم أن يبقر البطون ويبتر الأوصال ويشهد اختلاج الأرواح المزهقة في الأجساد الممزقة كما كانوا من قبل يصنعون قبل ألوف السنين قيل هذا ولعله صحيح أو قريب من الصحيح، ثم هممنا أن نرجو بعض الرجاء، وهم المريخ أن يقنط بعض القنوط، فأقبل العلم الحديث برزق جديد لذلك المخلوق المجدود: إله الحرب الذي أنذره أبو العلاء بسوء المصير حين قال: ولنار المريخ من حدثان الد ...
هر مطف وأن علت في اتقاد فما أدركه النذير؟ لأن الحرب الحديثة تحول بين القاتل وصرعاه فلا يرى ما هو صانع من فتك وتمزيق وتهشيم فإذا ركب متن الهواء وألقي بالنار في الفضاء، فلا عليه بعد ذلك أن يلبث في مكانه هنيهة واحدة ليشهد الخراب والشقاء، ويسمع الصياح والبكاء، ويندم على ما أساء، إن ظن أنه أساء أما الذي يرى الفجيعة بعينيه ويسمع الصيحة بأذنيه فليست الرؤية بمانعة له أن يصنع بأعدائه ما صنع به أعداؤه، بل لعلها حافزة له إلى الشر ومثيرة له إلى القصاص، ومضيفة إلى رزق المريخ الذي خيفت عليه المسغبة في العصر الحديث: عصر الشعور اللطيف والإنسانية المهذبة، والرفق بالحيوان قبل الإنسان! ولكل سم ترياق! العلوم الحديثة قد حالت بين القاتل والفريسة، ولكنها لم تحل بينه وبين أشباحها وأطيافها فإذا احتجبت عنه جرائر صنعه فهنالك الصور المتحركة تعيدها إلى عينه وإلى كل عين ناظرة كأنها ضمير النادم أو لسان التبكيت والتعزير. فهل في العلوم ترياق لسم العلوم؟ عسى أن ينفع ذلك الترياق إن صح أنه ترياق فليس أبشع من صورة الحرب المكسوبة إلا صورة الحرب المفقودة، كما قال ولنتون ونحن نعلم من هو ولنتون.
.
هو كاسب المعركة التي هيهات أن يفرح بالنصر أحد إن لم يكن فيها سرور لقائدها المنصور، لأنه كان نصراً على نابليون سيد المنصورين والمهزومين فإذا كان قصارى النصر أن يهون البشاعة فأخلق بالناظرين الذين لا ينتصرون فيها ولا ينهزمون أن يلمسوا كل ما فيها من بشاعة مرذولة بغير تهوين، وأن يقاوموا بشعور المقت والنفور ما أبطله الحجاب بين القاتل وصرعاه في حروب هذا الزمان ولكل ترياق آفة! نعم لكل ترياق آفة تفسد ما فيه من شفاء، إن لم تعالجه يد تحسن العلاج فمن أين لنا أن الصور المعروضة على الناظرين تعودهم أن ينظروها ولا تعودهم أن يمقتوها ويغضبوا على آثميها؟ من أين لنا أننا نشحذ الضراوة ولا نشحذ الرحمة بذلك التمثيل والتقريب؟ الأمر كله موقوف على طريقة التناول وطريقة التلقي وطريقة التعويد، وذلك الذي يقف بالترياق الناجح بين الآفة والشفاء تحدثت الأديبة الرحالة (روزيتا فوريس) إلى طاغية الروس ستالين فوصفت له ما شهدت من صرعى المجاعة والتشريد وحاولت أن تلمس ضميره من قريب أو من بعيد فالتفت إليها سائلاً: كم قتيلاً مات في الحرب العظمى؟ وأسرع الترجمان فقال: سبعة ملايين! فعاد ستالين يقول: سبعة ملايين ذهبوا لغير غاية معلومة.
أما نحن فنبني حضارة جديدة ونقيم الإنسانية بأسرها على أساس جديد، فماذا يضير أن يموت في سبيل ذلك من يموت بالمجاعة والتشريد؟ لو كان ستالين يتخيل كل واحد من أولئك الهالكين بالعرى والجوع فيأخذهم مأخذ الفنان الراوية لما أجاب ذلك الجواب.
ولكنه يأخذهم رقماً في الحساب، وليس للرقم نعيم ولا عذاب.
ولن تبطل الحرب مادامت مصاير الأمم بأيدي الحاسبين من أمثال ستالين عباس محمود العقاد

شارك الخبر

ساهم - قرآن ٣