أرشيف المقالات

من أسباب منع القطر من السماء

مدة قراءة المادة : 7 دقائق .
2من أسباب منع القطر من السماء[1]   من أجلِّ نعم الله على عباده، نعمة المطر؛ قال تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ﴾ [الفرقان: 48 - 50]، ولا يمنع الله تعالى هذه النعمة عن العباد إلا لسبب من الأسباب، ومن هذه الأسباب:   أولًا: كثرة الذنوب والمعاصي: لقوله تعالى: ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ [الجن: 16، 17]؛ أي: لو استقاموا على الطريقة طريقة الحق والإيمان والهدى، وكانوا مؤمنين مطيعين، لأسقيناهم ماء "غدقًا"؛ أي: كثيرًا؛ "لنفتنهم فيه"؛ أي: لنختبرهم كيف شكرهم فيه[2].   وقال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الأعراف: 96][3]؛ أي: لو أن أهل القرى آمنوا بقلوبهم إيمانًا صادقًا صدقته الأعمال، واستعملوا تقوى الله تعالى ظاهرًا وباطنًا، بترك جميع ما حرم الله، لفتح عليهم بركات السماء والأرض، فأرسل السماء عليهم مدرارًا، وأنبت لهم من الأرض ما به يعيشون وتعيش بهائمهم، في أخصب عيش وأغزر رزق، من غير عناء ولا تعب، ولا كد ولا نصَب، ولكنهم لم يؤمنوا ويتقوا، فأخذناهم بالعقوبات والبلايا ونزع البركات، وكثرة الآفات[4].   فمن عقوبات الذنوب أنها تزيل النعم، وتُحل النقم، وما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب، وقد قال الله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [الأنفال: 53]، فأخبر تعالى أنه لا يغير نعمة أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه، فيغير طاعة الله بمعصيته وشكره بكفره، وأسباب رضاه بأسباب سخطه، فإذا غَير غُيِّر عليه جزاءً وفاقًا، وما ربك بظلام للعبيد، فإن غير المعصية بالطاعة، غيَّر الله عليه العقوبة بالعافية والذل بالعز[5].   ولهذا جاءت نصوص القرآن الكريم، ونصوص السنة النبوية تبيِّن أن التوبة والاستغفار، من أهم أسباب نزول الأمطار، وتفريج الكربات؛ قال تعالى: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ﴾ [نوح: 10، 12]، قال القرطبي: في هذه الآية دليل على أن الاستغفار يستنزل به الرزق والأمطار، وقد خرج عمر يستسقي فلم يزد على الاستغفار حتى رجع، فأمطروا فقالوا: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: لقد طلبت المطر بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر، ثم قرأ: استغفروا ربكم إنه كان غفارًا يرسل السماء عليكم مدرارًا[6].   وقال تعالى: ﴿ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ﴾ [هود: 52]؛ أي: يا قوم استغفروا ربكم من الشرك، ثم أخلصوا له التوبة، يرسل عليكم المطر متتابعًا من غير ضرر، ويزدكم عزًّا إلى عزِّكم[7].   وفي الحديث عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ، جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ[8].   ثانيًا: عدم إخراج الزكاة: فالزكاة فريضة أوجبها الله على الأغنياء، يؤدونها إلى الفقراء؛ لقوله تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 103]، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى اليَمَنِ، فَقَالَ: ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ[9].   وقد ذكر صلى الله عليه وسلم بالنص أن منع الزكاة يمنع القطر، ففي الحديث عن ابْن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا[10]؛أي: إن منع الزكاة من الأسباب الموجبة لمنع قطر السماء، وإن نزول الغيث عند وقوع المعاصي، إنما هو رحمة من الله تعالى للبهائم[11].


[1] الدخلاوي علال. [2] تفسير القرطبي، ج19، ص18. [3] تفسير القرطبي، ج7، ص253. [4] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص 298. [5] مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار، ج2، ص162. [6] تفسير القرطبي، ج 18، ص302، والحديث ضعفه الألباني. [7] تفسير المراغي، ج12، ص48. [8] سنن أبي داود، باب في الاستغفار. [9] صحيح البخاري، باب وجوب الزكاة. [10] شعب الإيمان، التشديد على منع زكاة المال. [11] نيل الأوطار، ج4 ص 5.



شارك الخبر

ساهم - قرآن ٢