أرشيف المقالات

شرح حديث أنس: لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه

مدة قراءة المادة : 9 دقائق .
2شرح حديث أنس: لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه   عَنِ الزُّبيرِ بنِ عَدِيٍّ قال: أتَيْنا أنسَ بنَ مالكٍ - رضي اللهُ عنه - فشَكوْنا إليه ما نَلْقَى مِنَ الحجَّاجِ.
فقَالَ: «اصْبروا فإنَّه لا يأتي عليْكم زَمَانٌ إلَّا والَّذي بعدَه شَرٌّ مِنْه حتَّى تلْقَوا ربَّكُم»، سَمعْتُه مِنْ نبِيِّكُمْ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ.
رَواه البُّخاريُّ.   قال العلَّامةُ ابنُ عثيمين - رحمه الله -: قال المؤلف - رحمه الله - فيما نقله عن الزبير بن عدي؛ أنهم أتوا إلى أنس بن مالك رضي الله عنه؛ خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قد عُمِّر، وبقى إلى حوالي تسعين سنة من الهجرة النبوية، وكان قد أدرك وقته شيءٌ من الفتن، فجاءوا يشكون إليه ما يجدون من الحجاج بن يوسف الثقفي؛ أحد الأمراء لخلفاء بني أمية، وكان معروفًا بالظلم وسفك الدماء، وكان جبارًا عنيدًا والعياذ بالله.   وهو الذي حاصر مكة لقتال عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، وجعل يرمي الكعبة بالمنجنيق؛ حتى هدمها أو هدم شيئًا منها، وكان قد آذى الناس، فجاءوا يشكون إلى أنس بن مالك رضي الله عنه، فقال لهم أنس رضي الله عنه: «اصبروا»؛ أمرهم بالصبر على جور ولاة الأمور، وذلك لأن ولاة الأمور قد يسلطون على الناس؛ بسبب ظلم الناس، كما قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [الأنعام: 129].   فإذا رأيت ولاة الأمور قد ظلموا الناس في أموالهم، أو في أبدانهم، أو حالوا بينهم وبين الدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ، أو ما أشبه ذلك؛ ففكر في حال الناس؛ تجد أن البلاء أساسه من الناس، هم الذين انحرفوا؛ فسَلَّط الله عليهم من سَلَّطَ من ولاة الأمور، وفي الأثر - وليس بحديث -: «كما تكونون يوَلَّى عليكم».   ويُذكر أن بعض خلفاء بني أمية - وأظنه عبد الملك بن مروان - جمع وجهاء الناس؛ لما سمع أن الناس يتكلمون في الولاية، جمع الوجهاء وقال لهم: أيها الناس، أتريدون أن نكون لكم كما كان أبو بكر وعمر؟   قالوا: بلى نريد ذلك، قال: كونوا كالرجال الذين توَلَّى عليهم أبو بكر وعمر؛ لنكون لكم كأبي بكر وعمر، يعني أن الناس على دين ملوكهم، فإذا ظلم ولاة الأمور الناس؛ فإنَّه غالبًا يكون بسبب أعمال الناس.   وجاء رجلٌ من الخوارج إلى على بن أبي طالب - رضي الله عنه - وقال: ما بال الناس انتقضوا عليك ولم ينتقضوا على أبي بكر وعمر؟ قال: لأنَّ رجال أبي بكر وعمر أنا وأمثالي، ورجالي أنت وأمثالك؛ يعني أنَّ الناس إذا ظلموا سُلِّطت عليهم الولاة.   ولهذا قال أنس: اصبروا، هذا هو الواجب، الواجب أن يصبر الإنسان، ولكل كربة فرجة، لا تظن أن الأمور تأتي بكل سهولة، الشر ربما يأتي بغتة ويأتي هجمة، ولكنه لن يدال على الخير أبدًا، ولكن علينا أن نصبر، وأن نعالج الأمور بحكمة، لا نستسلم ولا نتهور، نعالج الأمور بحكمة وصبر وتأنٍ، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 200]، إن كنت تريد الفلاح فهذه أسبابه وهذه طرقه؛ أربعة أشياء: ﴿ اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾.   ثم قال أنس بن مالك: «فإنَّه لا يأتي على الناس زمانٌ إلَّا وما بعده أشر منه، حتى تلقوا ربكم، سمعتُه من نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم».
يعني أنَّ الرسولَ صلَّى الله عليه وسلم قال: «لا يأتي على النَّاسِ زمانٌ إلَّا وما بعده أشرُّ منه».   شر منه في الدين، وهذا الشر ليس شرًّا مطلقًا عامًّا، بل قد يكون شرًّا في بعض المواضع، ويكون خيرًّا في مواضع أخرى وهكذا.   ومع هذا؛ فإنَّ الناس كلما ازدادوا في الرفاهية، وكلما انفتحوا على الناس؛ انفتحت عليهم الشرور، فالرفاهية هي التي تدمر الإنسان؛ لأن الإنسان إذا نظر إلى الرفاهية وتنعيم جسده؛ غفل عن تنعيم قلبه، وصار أكبر همه أن ينعم هذا الجسد الذي مآله إلى الديدان والنتن، وهذا هو البلاء، وهذا هو الذي ضر الناس اليوم، لا تكاد تجد أحدًا إلا ويقول: ما قصْرُنا؟ ما سيارتُنا؟ ما فرشُنا؟ ما أكلنا؟ حتى الذين يقرءون العلم ويدرسون العلم، بعضهم إنما يدرس لينال رتبة أو مرتبة يتوصل بها إلى نعيم الدنيا.
وكأن الإنسان لم يخلق لأمر عظيم، والدنيا ونعيمها إنما هي وسيلة فقط، نسأل الله أن نستعمله - وإياكم - وسيلة.   قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ما معناه: ينبغي على الإنسان أن يستعمل المال كما يستعمل الحمار للركوب، وكما يستعمل بيت الخلاء للغائط.   فهؤلاء هم الذين يعرفون المال ويعرفون قدره، لا تجعل المال أكبر همك، اركب المال، فإن لم تركب المال ركبك المال، وصار همك هو الدنيا.   ولهذا نقول: إنَّ الناس كلما انفتحت عليهم الدنيا، وصاروا ينظرون إليها، فإنهم يخسرون من الآخرة بقدر ما ربحوا من الدنيا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله ما الفقرَ أخشى عليكم» يعني ما أخاف عليكم الفقر، فالدنيا ستفتح.
«ولكني أخْشَى أن تُبْسَطَ عليكم الدُّنيا كما بُسِطتْ على مَنْ كان قبلَكم، فتَنافَسُوها كما تنافَسُوها، وتُهلِككم كما أهْلكَتْهم»، وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام، هذا الذي أهلك الناس اليوم، الذي أهلك الناس اليوم التنافس في الدنيا، وكونهم كأنهم إنما خُلِقوا لها لا أنَّها خُلقت لهم، فاشتغلوا بما خُلق لهم عمَّا خلقوا له، وهذا من الانتكاس نسأل الله العافية.   وفي هذا الحديث وجوب الصبر على ولاة الأمور وإن ظَلموا وجاروا، لأنَّك سوف تقف معهم موقفًا تكون أنت وإياهم على حدٍّ سواء؛ عند ملك الملوك، سوف تكون خصمهم يوم القيامة إذا ظلموك، لا تظنَّ أن ما يكون في الدنيا من الظلم سيذهب هباءً أبدًا، حقُّ المخلوق لابدَّ أن يؤخذ يوم القيامة؛ فأنت سوف تقف معهم بين يدي الله - عزَّ وجلَّ - ليقضي بينكم بالعدل، فاصبر وانتظر الفرج، فيحصل لك بذلك اطمئنان النفس والثبات، وانتظار الفرج عبادة، تتعبَّدُ لله به، وإذا انتظرت الفرج من الله فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «واعلَمْ أن النصرَ مع الصبر، وأن الفرَجَ مع الكرب، وأن مع العُسْرِ يسرًا».   وفي هذا التحذير من سوء الزمان، وأن الزمان يتغير، ويتغير إلى ما هو أشر.
وقد قال النبي - عليه الصلاة والسلام - ذات يوم لأصحابه: «مَنْ يعشْ منكم فسيرَى اختلافًا كثيرًا» وأظنُّ أننا - وعيشنا في الدنيا قليل بالنسبة لمن سبق - نرى اختلافًا كثيرًا.
رأينا اختلافًا كثيرًا بين سنين مضت وسنين الوقت الحاضر.   حدثني من أثق به؛ أنَّ هذا المسجد - مسجد الجامع - كان لا يؤذن لصلاة الفجر إلا وقد تم الصف الأول، يأتي الناس إلى المسجد يتهجدون، أين المتهجدون اليوم إلا ما شاء الله؟.
قليل!! تغيرت الأحوال، كنتَ تجد الواحد منهم كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كالطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا»، إذا أصبح يقول: اللهم ارزقني، قلبه معلق بالله - عزَّ وجلَّ - فيرزقه الله، وأما الآن، فأكثر الناس في غفلة عن هذا الشيء، يعتمدون على من سوى الله، ومن تعلَّق شيئًا وكل إليه.   نعم في الآونة الأخيرة - والحمد لله - لا شك أن الله سبحانه وتعالى فتح على الشباب فتحًا؛ أسأل الله تعالى أن يزيدهم من فضله، فتح عليهم وأقبلوا إلى الله، فتجد بين سنواتنا هذه الأخيرة، والسنوات الماضية بالنسبة للشباب فرقًا عظيمًا، قبل نحو عشرين سنة؛ كنت لا تكاد تجد الشباب بالمسجد، أما الآن - ولله الحمد - فأكثر من في المسجد هم الشباب، وهذه نعمة ولله الحمد، يرجو الإنسان لها مستقبلًا زاهرًا، وثقوا أن الشعب إذا صلح فسوف تضطر ولاة أموره إلى الصلاح مهما كان فنحن نرجو لإخواننا في غير هذه البلاد - الذين مَنَّ الله عليهم بالصلاح واستقاموا على الحق - أن يصلح لهم الولاة، ونقول: اصبروا فإنَّ ولاتكم سيصلحون رغمًا عنهم، فإذا صلحت الشعوب؛ صلحت الولاة بالاضطرار.   نسأل الله أن يصلح للمسلمين ولاة أمورهم وشعوبهم؛ إنه جواد كريم.   «شرح رياض الصالحين» (2 /34 - 40)



شارك الخبر

مشكاة أسفل ٢