أرشيف المقالات

الإخلاص في أركان الإسلام

مدة قراءة المادة : 13 دقائق .
2الإخلاص في أركان الإسلام   بسم الله، والحمد لله، أما بعد: ينبغي استحضار الإخلاص والقصد لله تعالى في كل قول وعمل، ومن أهم ذلك أركان الإسلام ومبانيه العظام؛ من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا؛ لأن من ضيَّع النية في مباني الإسلام، فهو لغيرها من الأعمال وفروع الإسلام أضيع.   قال عبدالله بن أبي جمرة: "وددت أنه لو كان مِن الفقهاء مَن ليس له شغل إلا أن يعلم الناس مقاصدهم في أعمالهم"؛ [المدخل لابن الحاج (ص: 5)].   الركن الأول: الإخلاص في شهادة أن لا إله إلا الله: ♦ ويكون ذلك في عبادة الله وحده لا شريك له، وعدم الإشراك به؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ [البينة: 5]، وقال سبحانه: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 256]؛ والعروة الوثقى هي لا إله إلا الله.   ♦ وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله صدقًا من قلبه، إلا حرمه الله على النار))؛ [رواه البخاري ومسلم].   ♦ ومن أنوع العبادة لله تعالى: الدعاء والخوف والرجاء والمحبة، والرغبة والرهبة، والخشية والإنابة، والاستعانة والاستعاذة، والاستغاثة والذبح والنذر، وغيرها من العبادات، كلها لله وحده لا شريك له.   ♦ وفي الأثر عن سلمان رضي الله عنه: ((دخل الجنةَ رجلٌ في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب، قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: مرَّ رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحدٌ حتى يقرِّب له شيئًا، فقالوا لأحدهما: قرِّب فقال: ليس عندي شيء أُقرِّب، قالوا له: قرب ولو ذبابًا، فقرَّب ذبابًا، فخلَّوا سبيله فدخل النار، وقالوا للآخر: قرِّب فقال: ما كنتُ لأقرِّبَ لأحد شيئًا دون الله عز وجل، فضربوا عنقه فدخل الجنة))؛ [صححه الألباني موقوفًا على سلمان رضي الله عنه؛ كما في سلسلة الأحاديث الضعيفة (12/ 722) حيث قال: وبالجملة، فالحديث صحيح موقوفًا على سلمان الفارسي رضي الله عنه].   الإخلاص في شهادة أن محمدًا رسول الله: ♦ وذلك في طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، والانتهاء عما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع، فلا تقدم طاعة أحد على طاعته، ولا محبة أحد على محبته، ولا نصرة أحد على نصرته، ولا يقدم قول أحد على قوله، أو يُخرج عن شريعته إلى ما وضعه الناس؛ قال تعالى: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾ [النساء: 80].   ♦ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به))؛ [حديث صحيح؛ قال النووي: رويناه في "كتاب الـحجة" بإسناد صحيح].   معنى (هواه): ما تحبه نفسه وتميل إليه.   ♦ وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين))؛ [رواه البخاري ومسلم].   ♦ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى))؛ [رواه البخاري].   ♦ عن عمر رضي الله عنه: ((أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبَّله وقال: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبِّلك ما قبَّلتك))؛ [رواه البخاري]، وهذا الحديث قاعدة عظيمة في التسليم والاتباع.   ♦ ومن ذلك أيضًا ما رواه أبو داود: ((لما استوى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة قال: اجلسوا، فسمع ذلك ابن مسعود فجلس على باب المسجد، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: تعال يا عبدالله بن مسعود))، وفي الحديث فضل ابن مسعود رضي الله عنه وسرعة امتثاله لأمر النبي عليه الصلاة والسلام.   وروى الترمذي في الصحيح: ((أن رجلًا عطس إلى جنب ابن عمر، فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله، قال ابن عمر: وأنا أقول: الحمد لله والسلام على رسول الله، وليس هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، علمنا أن نقول: الحمد لله على كل حال))؛ [صححه الألباني]، وفي هذا الحديث إنكار السلف للبدع.   الركن الثاني: الإخلاص في الصلاة: قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 162، 163]، وعن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى، قال: الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي، فيزين صلاته لِما يرى من نظر رجل))؛ [رواه ابن ماجه]، والصلاة تكون لله لا رياء ولا سمعة ولا تزين فيها للخلق.   ♦ وفي ذلك أن رجلًا صحب محمد بن أسلم فقال: "لازمته أكثر من عشرين سنة لم أرَهُ يصلي حيث أراه ركعتين من التطوع في مكان يراه الناس إلا يوم الجمعة"؛ [سير أعلام النبلاء (200/12)].   ♦ وفي الحديث: ((صلوا أيها الناس في بيوتكم؛ فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة))؛ [متفق عليه].   الركن الثالث: الإخلاص في الزكاة: قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 264].   وفي الحديث أن أول من تسعر بهم النار ثلاثة، وذكر منهم: ((ورجل وسَّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فيقال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقته فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليُقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أُمر به، فسُحب على وجهه، ثم ألقي في النار))؛ [رواه مسلم]، وجواد: أي: كريم.   وفي السبعة الذي يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وذكر منهم النبي عليه الصلاة والسلام: ((ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه))؛ [متفق عليه]، وهذا من شدة إخلاصه لله تعالى في صدقته.   ♦ وكان عليُّ بن الحسين زين العابدين يحمل الصدقات والطعام ليلًا على ظهره، ويوصل ذلك إلى بيوت الأرامل والفقراء في المدينة، ولا يعلمون من وضعها، وكان لا يستعين بخادم ولا عبد أو غيره؛ لئلا يطلع عليه أحد.   قال محمد بن إسحاق: "كان ناسٌ بالمدينة يعيشون، لا يدرون من أين يعيشون ومن يعطيهم، فلما مات علي بن الحسين فقدوا ذلك؛ فعرفوا أنه هو الذي كان يأتيهم في الليل بما يأتيهم به.   ولما مات وجدوا في ظهره وأكتافه أثر حمل الجراب إلى بيوت الأرامل والمساكين في الليل، وقيل: إنه كان يعول مائة أهل بيت بالمدينة ولا يدرون بذلك حتى مات"؛ [البداية والنهاية (123/9)].   الركن الرابع: الإخلاص في صيام رمضان: قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183]، ورأس التقوى وأعظمها الإخلاص لله تعالى.   وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدم من ذنبه))؛ [رواه البخاري ومسلم]؛ ومعنى (احتسابًا): أي: طلبًا للأجر والثواب، بأن يصومه إخلاصًا لوجه الله تعالى، لا رياءً ولا تقليدًا ولا تجلدًا لئلا يخالف الناس أو غير ذلك من المقاصد.   وفي الحرص على الإخلاص حتى في صيام النافلة: أنه صام داود بن أبي هند أربعين سنة لا يعلم به أهله، وكان خرازًا يحمل معه غداءه من عندهم، فيتصدق به في الطريق، ويرجع عشيًّا فيفطر معهم؛ [صفة الصفوة (89/2)].   الركن الخامس: الإخلاص في الحج إلى بيت الله الحرام: قال تعالى: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 196]، وفيها الأمر بإخلاصهما لله تعالى.   وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((من حج لله فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه))؛ [رواه البخاري]، وقال سفيان بن عيينة: "حج علي بن الحسين رضي الله عنهما، فلما أحرم واستوت به راحلته، اصفرَّ لونه وانتفض ووقعت عليه الرعدة، ولم يستطع أن يلبي، فقيل له: لمَ لا تلبي؟ فقال: أخشى أن يُقال لي: لا لبيك ولا سعديك، فلما لبى غُشي عليه ووقع عن راحلته، فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجه"؛ [إحياء علوم الدين (349/1)].   الخاتمة: الإخلاص في جميع الدين: لا بد من استحضار النية الصالحة في كل قول وعمل واعتقاد لله تعالى، في الفرائض والنوافل، والواجبات والمستحبات؛ وذلك في عموم قوله تعالى: ﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ﴾ [الزمر: 3].   ذكر بعض أخبار من أخلص لله تعالى: ♦ الإخلاص في تصنيف الكتب: للإمام الماوردي قصة في الإخلاص في تصنيف الكتب، فقد ألفَّ المؤلفات في التفسير والفقه وغير ذلك، ولم يُظهر شيئًا في حياته، وقال لمن يثق به: الكتب التي في المكان الفلاني كلها تصنيفي، وإنما لم أظهرها؛ لأني لم أجد نيةً خالصةً، فإذا عاينت الموت ووقعت في النزع، فاجعل يدك في يدي، فإن قبضت عليها وعصرتها، فاعلم أنه لم يقبل مني شيء منها، فاعمد إلى الكتب وألقها في دجلة، وإن بسطت يدي ولم أقبض على يدك، فاعلم أنها قُبلت، وأني قد ظفرت بما كنت أرجوه من الله، قال ذلك الشخص: فلما قارب الموت، وضعت في يده يدي، فبسطها ولم يقبض على يدي، فعلمت أنها علامة القبول، فأظهرت كتبه بعده؛ [تاريخ الإسلام (254/30)].   ♦ إخلاص عبدالله بن المبارك: عن سليمان المروزي قال: "كنا سرية مع ابن المبارك في بلاد الروم، فصادفنا العدو، فلما التقى الصفان، خرج رجل من العدو، فدعا إلى البراز، فخرج إليه رجل من المسلمين فقتله، ثم آخر فقتله، ثم آخر فقتله، ثم دعا إلى البراز، فخرج إليه رجل من المسلمين، فطارده ساعةً، فطعنه المسلم فقتله، فازدحم إليه الناس، فنظرت فإذا هو عبدالله بن المبارك، وإذا هو يكتم وجهه بكمه، فأخذت بطرف كمه فمددته، فإذا هو هو، فقال: وأنت يا أبا عمرو ممن يشنع علينا"؛ [تاريخ بغداد (10/ 165)].   وأخبار السلف في ذلك كثيرة، ونسأل الله أن يجعلنا من المخلصين المتابعين رسوله الكريم والسلف الصالح والتابعين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.




شارك الخبر

ساهم - قرآن ٣