أرشيف المقالات

حكم التلفظ في البيع وبيع المعاطاة

مدة قراءة المادة : 11 دقائق .
2حكم التلفظ في البيع وبيع المعاطاة   الإيجاب والقبول: الأساس في العقود هو رضا المتعاقدين، والرضا أمر خفي، لذا كانت الصيغة تقوم مقام الرضا وتدل عليه. فالإيجاب هو قول البائع: بعتك هذه السلعة بكذا، أو أي لفظ يدل عليه.
والقبول: أن يقول المشتري: قبلت.
أو أي لفظ يدل عليه.   حكم اشتراط التلفظ في كل بيع: اختلف الفقهاء في اشتراط صيغة الإيجاب إلى قولين: القول الأول: تشترط الصيغة مطلقاً، فلا بيع بمعاطاة. وهذا المعتمد من مذهب الشافعي[1]. قال في فتح العزيز: "الايجاب والقبول اعتبرا للدلالة على الرضا الباطن ولا تكفي المعاطاة"[2].   وقال في مغني المحتاج: "وإنما احتيج في البيع إلى الصيغة لأنه منوط بالرضا...
والرضا أمر خفي لا يُطَّلَع عليه، فأنيط الحكم بسبب ظاهر وهو الصيغة، فلا ينعقد بالمعاطاة إذ الفعل لا يدل بوضعه، فالمقبوض بها كالمقبوض ببيع فاسد، فيطالب كل صاحبه بما دفع إليه إن بقي، وببدله إن تلف[3].   واستدلوا بما يلي: 1- قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ﴾ [النساء: 29].   2- حديث أبي سعيد الخدري[4] رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما البيع عن تراض"[5].   3- حديث أبي هريرة[6] رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يفترقن اثنان إلا عن تراض"[7]. والرضا أمر خفي لا يمكن الاطلاع عليه، فجُعلت الصيغة دليلاً عليه.   القول الثاني: لا تُشترط الصيغة، وينوب عنها ما يدل على التراضي، وعليه يصح بيع المعاطاة. وهذا مذهب أبي حنيفة،[8] ومالك،[9] وظاهر مذهب أحمد[10].   قال في المحيط البرهاني: "وينعقد البيع بالتعاطي بدون لفظة الإيجاب والقبول، على هذا اتفقت الروايات، والأصل فيه عرف الناس وعاداتهم"[11].   وفي "المدخل" في الفقه المالكي: "مذهب مالك - رحمه الله - جواز بيع المعاطاة وهي أن تعطيه ويعطيك من غير لفظ البيع يكون بينكما"[12]. وقال في "الإنصاف" في مذهب الإمام أحمد: " الصحيح من المذهب: صحة بيع المعاطاة مطلقًا.
وعليه جماهير الأصحاب.
وهو المعمول به في المذهب"[13].   وحجتهم: أن الله أحل البيع، ولم يبين كيفيته، فوجب الرجوع فيه إلى العرف، كما رجع إليه في القبض والإحراز والتفرق، والمسلمون في أسواقهم وبياعاتهم على ذلك، ولأن البيع كان موجودًا بينهم، معلومًا عندهم، وإنما علق الشرع عليه أحكامًا، وأبقاه على ما كان، فلا يجوز تغييره بالرأي والتحكم، ولم ينقل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أصحابه، مع كثرة وقوع البيع بينهم، استعمال الإيجاب والقبول، ولو استعملوا ذلك في بياعاتهم لنقل نقلًا شائعًا، ولو كان ذلك شرطاً، لوجب نقله، ولم يتصور منهم إهماله والغفلة عن نقله، ولأن البيع مما تعم به البلوى، فلو اشترط له الإيجاب والقبول لبينه -صلى الله عليه وسلم- بياناً عامًّا، ولم يخف حكمه؛ لأنه يفضي إلى وقوع العقود الفاسدة كثيراً، وأكلهم المال بالباطل، ولم ينقل ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أحد من أصحابه فيما علمناه، ولأن الناس يتبايعون في أسواقهم بالمعاطاة في كل عصر، ولم ينقل إنكاره من قبل مخالفينا، فكان ذلك إجماعاً.[14]   الترجيح: الذي يظهر - والله تعالى أعلم - أن القول بجواز البيع بالمعاطاة هو الأرجح، إذ لا دليل صريح في إيجاب اللفظ، ولما فيه من رِفق بالناس، ولجريان العرف به.   أما أدلة أصحاب القول الأول فهي في التراضي لا اللفظ، والتراضي يمكن أن يُفهم بالفعل كما هو جارٍ، كما أن الكثير من علماء المذهب الشافعي خالفوا المذهب في هذه المسألة وأفتوا بصحة بيع المعاطاة لا سيما في المحقرات.


[1] فتح الوهاب 1/ 186، وتحفة المحتاج 4/ 216، ومغني المحتاج 2/ 325، ونهاية المحتاج 3/ 375، وفتح المعين 317. [2] فتح العزيز في شرح الوجيز 8/ 97. [3] مغني المحتاج 2/ 325. [4] أَبو سَعِيد الخُدْري (10 ق هـ - 74 هـ = 613 - 693 م) سعد بن مالك بن سنان الخدريّ الأنصاري الخزرجي، أبو سعيد: صحابي، كان من ملازمي النبي صلى الله عليه وسلّم وروى عنه أحاديث كثيرة.
غزا اثنتي عشرة غزوة، وله 1170 حديثا.
توفي في المدينة.
تنظر ترجمته في: [الاستيعاب في معرفة الأصحاب: 4/ 1671، وأسد الغابة: 2/ 451، وسير أعلام النبلاء: 3/ 168، والأعلام للزركلي: 3/ 87]. [5] رواه ابن ماجة 2/ 737 برقم (2185)، وابن حبان في صحيحه 11/ 340 برقم (4967)، وعبد الرزاق في مصنفه 8/ 50 برقم (14264)، وابن أبي شيبة في مصنفه 4/ 268 برقم (19976)، والبيهقي في السنن الكبرى، في جماع أبواب بيوع الكلاب وغيرها مما لا يحل، باب ما جاء في بيع المضطر وبيع المكره، 6/ 29 برقم (11075). [6] أَبُو هُرَيْرَة (21 ق هـ - 59 هـ = 602 - 679 م) عبد الرحمن بن صخر الدوسي، الملقب بأبي هريرة: صحابي، كان أكثر الصحابة حفظا للحديث ورواية له.
نشأ يتيمًا ضعيفًا في الجاهلية، وقدم المدينة ورسول الله صلّى الله عليه وسلم بخيبر، فأسلم سنة 7 هـ ولزم صحبة النبي، فروى عنه 5374 حديثًا، نقلها عن أبي هريرة أكثر من 800 رجل بين صح أبي وتابعي.
وولي إمرة المدينة مدة.
ولما صارت الخلافة إلى عمر استعمله على البحرين، ثم رآه ليّن العريكة مشغولًا بالعبادة، فعزله.
وأراده بعد زمن على العمل فأبى.
وكان أكثر مقامه في المدينة وتوفي فيها.
وكان يفتي، وقد جمع شيخ الإسلام تَقِيّ الدِّين السُّبْكي جزءًا سمي (فتاوي أبي هريرة).
ينظر: [أسد الغابة: 6/ 313، والاستيعاب في معرفة الأصحاب: 4/ 1768، وسير أعلام النبلاء: 2/ 578، والأعلام للزركلي: 3/ 308] [7] رواه أبو داود: 3/ 273 برقم (3458)، والترمذي: 3/ 543 برقم (1248)، والبيهقي في الكبرى: 5/ 445 برقم (10446). [8] بدائع الصنائع 5/ 243، والهداية 3/ 23، والمحيط البرهاني 6/ 273، والبحر الرائق 5/ 278، ومجمع الأنهر 2/ 5، والدر المختار وحاشية ابن عابدين 4/ 503-504. [9] جامع الأمهات: 337، والمدخل لابن الحاج: 1/ 156، والتاج والإكليل: 6/ 14، ومواهب الجليل: 4/ 228، والشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي: 3/ 3. [10] المغني لابن قدامة: 3/ 481، والمحرر في الفقه: 1/ 260، والإنصاف للمرداوي: 4/ 263، والروض المربع: 305، وكشاف القناع: 3/ 148. [11] المحيط البرهاني في الفقه النعماني 6/ 273. [12] المدخل لابن الحاج 1/ 156. [13] الإنصاف 4/ 263. [14] مغني ابن قدامة 3/ 481.



شارك الخبر

المرئيات-١