أرشيف المقالات

من مسائل الرهن والهبة

مدة قراءة المادة : 14 دقائق .
2من مسائل الرهن والهبة   الحمد لله الكريم المنان، ذي الفضل والإحسان، الذي هدانا للإيمان، وفضل ديننا على سائر الأديان، والصلاة والسلام على نبينا محمد، الذي أرسله ربه شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا؛ أما بعد:   فإن للرهن والهبة أحكامًا فقهية يجب على طلاب العلم معرفتها، فأقول وبالله تعالى التوفيق: الرهن   معنى الرهن: الرهن في اللغة: الثبوت والدوام والحبس. الرهن في الشرع: المال الذي يُجعل وثيقةً بالدين ليُستوفَى من ثمنه إن تعذر استيفاؤه ممن هو عليه؛ [المغني لابن قدامة، ج: 6، ص: 443].
مشروعية الرهن: الرهن جائز بالكتاب والسنة والإجماع؛ أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ﴾ [البقرة: 283].
وأما السنة: فروى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى طعامًا من يهودي إلى أَجَلٍ ورهنه درعًا من حديد))؛ [البخاري حديث (2068)، مسلم حديث (1603)].
وأما الإجماع: فأجمع المسلمون على جواز الرهن في الجملة؛ [المغني لابن قدامة، ج: 6، ص: 443 - 444].
صفة الرهن: الرهن عقد من عقود التبرع؛ لأن ما أعطاه الراهن للمرتهن غير مقابل بشيء؛ [رد المحتار، ج: 5، ص: 340].
وهو أيضًا من العقود العينية، وهي التي لا تعتبر تامة الالتزام إلا إذا حصل تسليم العين المعقود عليها؛ [الفقه الإسلامي للزحيلي، ج: 5، ص: 181].
حكم الرهن: الرهن جائز في السفر والحضر، وغير واجب باتفاق العلماء، لا نعلم فيه مخالفًا؛ لأنه وثيقة بالدين، فلم يجب، كالضمان والكتابة، وقول الله تعالى: ﴿ فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ﴾ [البقرة: 283] إرشادٌ لنا لا إيجاب علينا؛ بدليل قول الله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ ﴾ [البقرة: 283]، ولأنه أمر به عند إعواز الكتابة، والكتابة غير واجبة، فكذلك بدلها؛ [المغني لابن قدامة، ج: 6، ص: 444].
أركان الرهن: ما ينعقد به الرهن: العاقد، المرهون به، المرهون. (1) انعقاد الرهن: ينعقد الرهن بالإيجاب والقبول، وهذا محل اتفاق بين الفقهاء.
(2) العاقد: يشترط في كل من الراهن والمرتهن أن يكون مطلق التصرف في المال بأن يكون عاقلًا بالغًا رشيدًا، غير محجور من التصرف، فأما الصبي والمجنون والمحجور عليه في التصرف المالي، فلا يصح منه الرهن، ولا الارتهان؛ لأنه عقد على المال فلم يصح منهم.
(3) المرهون به: اتفق الفقهاء على أنه يجوز أخذ الرهن بكل حق لازم في الذمة.
(4) المرهون: يجوز رهن كل متمول يمكن أخذ الدين منه أو من ثمنه عند تعذر وفاء الدين من ذمة الراهن؛ [الموسوعة الفقهية الكويتية، ج: 23، ص: 177 - 180].
الانتفاع بالرهن: لا يجوز للمرتهن أن ينتفع بالشيء المرهون إلا إذا كانت دابة أو بهيمة، فله أن ينتفع بها نظير النفقة عليها؛ [المغني لابن قدامة، ج: 6، ص: 509 - 515].
روى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لبن الدر يحلب بنفقته إذا كان مرهونًا، والظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويحلب النفقة))؛ [حديث صحيح، صحيح أبي داود للألباني، حديث (3011)].
رهن ما لا يجوز بيعه: لا يصح رهن ما لا يصح بيعه، كأم الولد والوقف والعين المرهونة؛ لأن مقصود الرهن استيفاء الدين من ثمنه، وما لا يجوز بيعه لا يمكن ذلك فيه؛ [المغني لابن قدامة، ج: 6، ص: 446].
رهن المستعار: يجوز رهن الشيء المستعار بشرط موافقة الشخص المعير، وذلك باتفاق الفقهاء؛ [المغني لابن قدامة، ج: 6، ص: 462].
ما يبطل به عقد الرهن قبل اللزوم: يبطل الرهن قبل القبض برجوع الراهن عن الرهن بالقول، وبتصرف يزيل الملك كالبيع والإصداق، وجعله أجرةً ورهنه عند آخر مع القبض وهبةً ووقفًا؛ لأنه أخرجه عن إمكان استيفاء الدين من ثمنه، أما موت أحد المتعاقدين قبل القبض وجنونه، وتخمر العصير، وشرود العين المرهونة قبل اللزوم - فلا يبطل؛ أما في الموت: فلأن مصير الرهن إلى اللزوم، فلا يتأثر بموته كالبيع في زمن الخيار، فيقوم وارث الراهن مقامه في الإقباض، ووارث المرتهن في القبض، أما المجنون ونحوه: فكالموت بل أولى فيعمل الولي بما فيه المصلحة له من الإجازة أو الفسخ والرجوع عن العقد؛ [الموسوعة الفقهية الكويتية، ج: 23، ص: 188].
ما يبطل به الرهن بعد لزوم العقد: يبطل العقد بعد لزومه بتلف المرهون بآفة سماوية، أو بفعل من لا يضمن كحربي لفواته بلا بدل، وبفسخ المرتهن لأن الحق له، والعقد جائز من جهته، وبالبراءة من الدين بأداء أو إبراء أو حوالة به أو عليه، وبتصرف الراهن بإذن المرتهن بما يزيل الملك كالهبة والوقف والبيع، أو إجارة يحل الدين قبل انقضاء مدتها، ورهن عند غير المرتهن بإذنه أيضًا؛ [الموسوعة الفقهية الكويتية، ج: 23، ص: 188 - 189].   الهبة معنى الهبة: الهبة في اللغة: العطية، يقال: وهبه مالًا: أي: أعطاه مالًا؛ [لسان العرب لابن منظور، ج: 6، ص: 4929].
الهبة في الشرع: تمليك في الحياة بغير عوض (بغير مقابل)، وتسمى أيضًا: الهدية والعطية؛ [المغني لابن قدامة، ج: 8، ص: 239].
مشروعية الهبة: الهبة مشروعة ومندوب إليها؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾ [النساء: 4]، وقوله سبحانه: ﴿ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177]، وروى البخاري عن أبي هريرة قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يا نساء المسلمات، لا تحقِرَنَّ جارةٌ لجارتها ولو فِرْسِنَ شاةٍ))؛ أي: ظلفها؛ [البخاري حديث (6017)]، وروى الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه))؛ [البخاري حديث (2589)، مسلم حديث (1622)].
ومن السنة المكافأةُ على الهبة حينما يتيسر ذلك للموهوب له؛ روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها))؛ [البخاري حديث (2585)]، وقوله: ((يثيب عليها)): أي: يعطي الذي يهدي له بدلها؛ [فتح الباري لابن حجر العسقلاني، ج: 5، ص: 249].
وانعقد الإجماع على استحباب الهبة بجميع أنواعها؛ قال الله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ [المائدة: 2]، وهي للأقارب أفضل؛ لأن فيها صلة الرحم؛ [الفقه الإسلامي للزحيلي، ج: 5، ص: (6 - 7)، المبسوط للسرخسي، ج: 12، ص: 47].
أركان الهبة: للهبة أربعة أركان هي: (1) الواهب، (2) الموهوب له، (3) الموهوب، (4) صيغة الهبة هي الإيجاب والقبول؛ [الفقه الإسلامي للزحيلي، ج: 5، ص: 7].
شروط الهبة: هناك شروط تتعلق بالواهب، والموهوب له، والشيء الموهوب.
أولًا: الواهب: يشترط في الواهب الشروط الآتية: (1) أن يكون بالغًا عاقلًا رشيدًا. (2) أن يكون مالكًا للشيء الموهوب. (3) أن يكون راضيًا ومختارًا؛ [الفقه الإسلامي للزحيلي، ج: 5، ص: 12، وبدائع الصنائع للكاساني، ج: 6، ص: 118].
ثانيًا: الموهوب له: يشترط في الموهوب له: (1) أن يكون الموهوب له موجودًا في الحقيقة وقت الهبة. (2) أن يكون الموهوب له أهلًا لملك ما يوهب له؛ [الموسوعة الفقهية الكويتية، ج: 42، ص: 125].
ثالثًا: الموهوب: يشترط في الشيء الموهوب ما يلي: (1) أن يكون موجودًا قبل الهبة؛ لأنه تمليك في الحال. (2) أن يكون مالًا متقومًا، فلا تنعقد هبة ما ليس بمال كالميتة. (3) أن يكون معلومًا ومملوكًا للواهب؛ [الفقه الإسلامي للزحيلي، ج: 5، ص: 12 - 15].
ألفاظ الهبة: الهبة تكون بلفظ يدل على التمليك؛ مثل: وهبتك، أو أهديت لك، أو أعطيتك، أو هذا لك، ونحو ذلك من الألفاظ التي تدل على هذا المعنى؛ [المغني لابن قدامة، ج: 8، ص: 345].
هبة الوالد لأبنائه: يجب على الوالد التسوية بين أولاده في العطية، وإذا لم يختص أحدهم بمعنًى يبيح التفضيل، فإن خصَّ بعضهم بعطيته، أو فاضل بينهم فيها، أثِمَ ووجبت عليه التسوية بأحد أمرين؛ إما رد ما فضل به البعض، وإما إتمام نصيب الآخر؛ [المغني لابن قدامة، ج: 8، ص: 256].
هبة المجهول: لا تصح هبة الشيء المجهول، مثل الحمل في البطن، واللبن في الضرع، وما شابه ذلك؛ لأن هذا مجهول معجوز عن تسليمه؛ [المغني لابن قدامة، ج: 8، ص: 249].
تعليق الهبة على شرط: لا يصح تعليق الهبة بشرط؛ لأنها تمليك لمعين في الحياة، فلم يجز تعليقها على شرط كالبيع، فإن علقها على شرط كان وعدًا، وإن شرط في الهبة شروطًا تنافي مقتضاها؛ نحو أن يقول: وهبتك هذا، بشرط ألَّا تهبه، أو لا تبيعه، أو بشرط أن تهبه أو تبيعه، أو بشرط أن تهب فلانًا شيئًا - لم تصح الشروط؛ [المغني لابن قدامة، ج: 8، ص: 250].
هبة المريض عند الموت: لا تصح هبة الشخص المريض مرض الموت، وهو الذي يعجز المريض فيه عن ممارسة العمل وينتهي به إلى الموت.
الرجوع في الهبة: لا يجوز للواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد فيما أعطاه لولده؛ [المغني لابن قدامة، ج: 8، ص: 277]؛ روى أبو داود عن ابن عمر وابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يحل لرجل أن يعطيَ عطيةً أو يهب هبةً فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده))؛ [حديث صحيح، صحيح أبي داود للألباني، حديث (3023)].
أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجعله ذخرًا لي عنده يوم القيامة، ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88، 89]، كما أسأله سبحانه أن ينفع به طلاب العلم الكرام، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.   وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.



شارك الخبر

المرئيات-١