أرشيف المقالات

الحقائق العليا في الحياة

8 للأستاذ عبد المنعم خلاف الإيمان.
الحق.
الجمال.
الخير.
القوة.
الحب (بعض الألفاظ إذا نطقت بها تتحرك لها في نفسي دنيا كاملة!) 1 - الإيمان أعجب لفنان لا يؤمن وهو دائماً يقلب حواسه في الطبيعة! إلا يحس الربط الجامع بينها وبين قلبه؟ أهو يعجب إن رأى صنعه إنسانية تحاكي نماذج الطبيعة، ولا يعجب من النماذج الحية نفسها، التي تقذفها الأرحام وتنفتح عنها الأكمام، وتنسجها ظلمات الأرض، وتصبغها أضواء السماء؟ ألا يعجب من يقظة القوانين الدائمة الصيانة للذرة والمجّرَّة وما بينهما؟ أنا أدعو كل ملحد إلى شيء واحد: أن يعيد النظرة مرة ثانية في أبجدية الحقائق، وأن يستحضر روح طفل يفتح عينه لأول مرة على الحياة فيرى فيها كل شيء جديداً: الحياة الماثلة في الطبيعة المجردة لا في الطبيعة (المحفوظة في علب) كما يعبر الأستاذ توفيق الحكيم أدعوه أن يترك الألفاظ الاصطلاحية التي ساقها الجدليون وأهل الخلاف، فدخلت إلى فكره واحتلته وخنقت الأصوات الطبيعية التي تنبعث فيه منادية إلى الأوليات والمبادئ الفطرية دائماً.
بل إني أدعو كل ذي لب وقلب: أن ابتدئ حياتك! كن طفلاً من جديد.

أنظر إلى الدنيا بعين ريفي أبله فوجئ بزينة المدينة.

إنس ألفاظ الناس وتعاليمهم.
إن كثيراً من معلوماتك دخلت إليك وأنت قاصر لا تميز الخبيث من الطيب.
إنهم خدعوك في الحق وخدعوك في الباطل.
فليس كل الحق عندك حقَّاً، وليس كل الباطل كذلك.

وقد بنيت أحكامك بعد أن كبرت واستقللت على أشياء لم تتأكد من صحتها ولم تخبرها بكل عقلك وإلهامك.
فأعد النظر في كل شيء تظفر بلذة عظمى: لذة انكشاف حقيقة نفسك ودنياها لك لقد أتى (ديكارت) أبو الفلسفة الحديثة بالعجب العجاب حين أعاد النظر في نفسه ودنياه من جديد.

إنه جدد حياة الفكر البشري كله حين جدد حياة نفسه فهدم كل ما فيها ثم أعاد ما يستحق البناء منه وذرى أنقاض الباطل في الريح وفي وجه الشيطان.
سترى الناس لا يسيرون على الجادة، ولكن يتفرقون على بنيات الطريق ودروبه المسدودة أو الموصلة إلى التيه.

أو أنهم يستديرون وجه الطريق ويستقبلون قفاه.

أو أنهم يتخذون قطاع الطريق إدلاء ومرشدين ورواداً.
إن الطب يدعو إلى صحة الأجسام بتصفية الفضلات والزوائد والأخلاط المضادة.
فلماذا لا تصفي كل ما في نفسك لتذهب فضلاتها وزوائدها وسمومها.
؟ إن هذا يذكرك نفسك دائماً ولا يدعك تذهل عنها بالاشتغال بقشور حياتها وبالنزاع الكاذب عليها، ولا يشغلك عن مواكب الحياة التي تمر أمامك في كل لحظة إنه مسح لزجاجتها حتى تكون شفافة صادقة الوصف والنقل لما وراءها.
والذهول عن النفس بالخبز والذهب والحديد، فَقدٌ لها وإهدار لحياتها الحقيقية، وسوء فهم لطرق أمتعها.
وإن طعم الحياة لا يذاق إلا بالتيقظ الدائم لها في كل لمحة ونَفَس والإنسانية هي هذه النقطة، لأن الحيوان في ذهول دائم يسير مكباً على وجهه لا يتيقظ إلا إلى مشتهاه.
ولذلك غلب الذهول عن الشئون الوضيعة، على عقول الفلاسفة والفنانين الصادقين، لأنهم دائماً في شغل بصيد الخواطر التي تقفز وتحوم حول حواسهم وأفكارهم ومتى ابتدأت حياتك شعرت بنفسك ثم شعرت بيد قاهرة خفية تدفعك من غير إرادة منك ولا استشارة لك إلى هذه الدار العجيبة الكبيرة الهائلة: الدنيا.
وتلك اليد هي مناط الإيمان.
يجن العقل ولا يستطيع أن يتصور أن الطبيعة خالية منها أو خارجة عن طوعها.
فالإيمان أن تقذف بنفسك دائماً في أحضان هذه القوة القاهرة الحامية لحقائقها وقوانينها وأن تكون معها كما يكون الطفل مع أبيه: يلوذ به ويعوذ، ويعتز ويفرح، ويفتخر وينتسب. الإيمان هو استمداد القلب قوته وحياته من واهب الحياة وقيوم الدنيا.
فالإنسان به مسندٌ ظهره إلى جدار السموات والأرض، مُحْتم بقوانينها، ومسلط عليهما، سائر دائماً في صف مجدهما وحقهما: مجد الحياة وميزان العمل فيها، شاعر أنه قوة خادمة للإلهية عاملة ناصبة للتعمير وإقرار الحياة فيهما، فاهم أنه قيوم صغير نائب عن القيوم الأكبر، تتجدد فيه الحياة بتجدد خواطره ويتدفق فيه فيض مستمد منها يحيا به كل الحيوات.
ثم هو في مخاطبة دائمة مع المشيئة الغالبة العالمة المبدعة التي تلتقي عندها الخلائق وإن إدراك معنى من معاني الإلهية في خفقة من خفقات الروح أمر يحطم الحدود الضيقة التي يعيش فيها الإنسان، ويجعله يتسع للعالم كله، فيرى الخلائق جميعها تلتقي وتزدحم وتنصب في قلبه.

فمن من المتأملين لا يريد أن يرى الدنيا جميعها في لحظة خارجة عن حدود الزمان؟ من منكم يا راصدي الدنيا يأبى لنفسه هذا الأتساع وهذا الإدراك لكل شيء في موضعه الحقيقي بين يدي الإله، سواء أكان صغيراً صغيراً كالذرة، أم كبيراً كبيراً كالمجرة؟! قولوا يا موصدي أبواب العلم في وجوههم وفي جوه الناس! أجيبوا يا مدمري سعادة الإنسان ومهدري معناه ومضيعيه في الأشواك والصخور بين السعالي والغيلان! أجيبوا يا مشرديه في أودية التيه، وخاطفيه من أحضان أبيه وقاذفيه إلى قرار اللعنات والطرد والحرمان والفقد الذي ليس معه عزاء! أجيبوا فإني لا أفقه ما ترمون إليه إلا أن تكونوا قطاع طرق الرحمة ومطاردي الإنسانية من فراديس سعادتها.
.
ولن تكونوا بذلك إلا شياطين ممسوخة لا تظهر في أثوابها، أو مأجورين للشياطين تدفع لهم أجورهم من الشهوات! أجيبوا يا باحثين عن فراديسهم وهي في قلوبهم.

ولكن بينهم وبين أن يعيشوا فيها شيء واحد: هو أن يؤمنوا أنها في قلوبهم قبل أن يروها وبعد أن يروا الحقيقة الكبرى التي تملأ الأكوان فلا يجحدوها.
أجيبوا يا صانعي الألفاظ ومبلبلي خواطر الناس وجالبي شقائهم الدائم بالعمى عن كل شيء يضيء والصمم عن كل شيء يصيح! إنهم يبحثون عن سعادتهم فيما وراء قلوبهم، ولذلك يهدمون كل شيء ويقتلعون كل شيء من مكانه ويفتحون كل (قمقم) كما يفعل الذي يبحث عن متاع ضائع ثمين أليم الفقد.
كل هذا لأنهم اخترعوا طائرة وسيارة وراديو وتلغراف.
.
لذلك أغضوا عن البعوضة والبعير، ونسوا خالقهما وما بينهما.
.
نسوا الذي اخترع الآلة العجيبة التي في رؤوسهم، وهي التي اخترعت هذه الأعاجيب التي بها يفتنون.
. يقول توماس كارليل ما معناه (إن رفع اليد إلى أعلى لا يقل عجباً عن طيران جسم في الجو، وسماع الصوت من قرب لا يقل عجباً عن سماعه من آخر الأرض) فالمبدأ المعجز موجود منذ الخليقة يراه كل ذي فكر يعبد الحق الأصيل ولا ينساه إذا رأى محاكاة له والإيمان وصاية واسعة المسئولية على كل شيء: يشمل رعاية النفس والقربى والرحم والوطن والإنسانية والحيوان والجماد.

نعم الجماد فله على المؤمن أن يضعه موضعه في الفكر وأن يجمله ويسخره ويتأمله ويسبغ عليه من حياته هو.
فالمؤمن ليس فردياً أنانياً ضيقاً حياته له وحده.
حتى عياله؛ إنه يلدهم لجيش المبدأ الذي يعمل له، هو متجرد من سلطان كل شيء، لأن معه كل شيء؛ إذ كان على موعد مع ما يفنى منه هنا حيث يتلاقيان عند ملتقى كل شيء، عند الله الذي إليه تصير الأمور فله عين ممتدة البصر وراء الفاني تصير معه وتعرف مقره النهائي، فلا يشعر فقده ولا يحرم رفده لأنه معه على اتصال فيما وراء الحجب والكثافات.

فأيُّما سموٍ وخلود للنفس يشبه هذا فيما بين يدي عشاق الخلود من الفنانين والعلماء؟ فمن يتبع الخلود فليلتمسه عند ملتقى كل شيء وكل ظل وكل ضوء وكل صوت.
ما بين المؤمن وبين الإلهية شيء من الحب لا يقاس معه شأن آخر من شئون الحب في قليل ولا كثير.

لأنه يدري أن أباه الحقيقي هو واهب الحياة وحافظها والقائم عليها والمنظم لآلاتها في جسده.
وليس لأبويه من ذلك الحب شيء إلا لأنهما سبيل شعوره بهذه الرحمة والحب من الإلهية التي أوجدته ليتمتع بأفانين الدنيا وأفانين النفس، وإنه ليرجع إليه في كل أمر سار أو ضار بفرح طفل أو حزنه، وإنه ليدري أن لضحكه ودموعه صدى عنده.
وشتان بين معتقد هذا ومحسه وبين من يرى نفسه وحيداً بين معارك الدنيا وحرب الشر والخير، ليس معه عين أبيه ترعاه! إن الثاني يدخل إلى الدنيا ويراها داراً من غير صاحب يملكها ويتعهدها.
فهي عنده شيوع ليس لأحد فيها حرمة إلا بمقدار قوته، فيأخذ منها جهرة إن وسعه الجهر، وخلسة إن أحس القهر.
لا حدود أمام أطماعه.
وأطماعه غير محدودة، والإنسانية عنده قطعان آبدة متوحشة لا رحمة بينها ولا حب إلا في نطاق الضرورة. وأي شقاء للنفس إذا لم تعرف أن للدنيا مالكاً! إنه شقاء يوحي بالجريمة في صور فظيعة فاجعة كجريمة (نيرون) في حرق (روما) بأهلها.
وكجرائم (جوف فوشيه) وزير نابليون، الذي استعمل كل ذكائه في التنكيل والتخريب وخدع نفسه إذ كتب على قبره (الموت نوم أبدي)، وكجرائم الفوضويين والمعطلين والدهريين الذي يرتكبون كل شنيعة على حساب العدم لا يدخل نفس المؤمن شيء إلا بعد استئذان إيمانه.
وما عرفت سلطاناً لشيء على النفس مثل سلطان الإيمان كما غرسه وعمقه القرآن.
وإن النفس لتلاقي به كل شيء، فان كان من عوامل البطش استمدت من جبار السموات مدداً عليه، وإن كان من عوامل الرحمة استمدت من الرحمن صوراً من رحمته وإن المؤمنين ليصبرون على غزو الشبهات لعقولهم ولا يدعونها تصل إلى قلوبهم.
وهم أكثر الناس انقذافاً بالشبهات لأنهم ليسوا أغبياء ولا عجزة مغفلين عما في الدنيا من الأحاجي والألغاز؛ فعقولهم دائماً في احتكاك مع حقائق الحياة وما فيها من الآراء والمذاهب والأديان وفي تعجب دائم قد يصل بهم إلى درجة الحيرة (ولم تزل الحيرة سمة العارفين) ولم أر إلا واضعاً كف حيرة ...
على ذَقّنٍ أو قارعاً سن نادم نهاية إدراك العقول عقال ...
وغاية سعي العالمين ضلال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ...
سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا قالوا وقلنا دعاوى ما تفيد لنا ...
إلا الأذى واحتجاجاً في المداجاة وإنهم ليعلمون أن الله راض لهم الفتنة ليصفيهم، ولا يأخذ منهم إلى قدسه وسبحات عرشه إلا من يثبت على اتجاهه إليه برغم حجب الغيب الكثيفة من جهة وبرغم أضاليل الحياة وتناقض بعض صورها في ظاهر بعض العقول القاصرة، وبرغم همزات الشياطين ونزغهم (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون) (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) وإنهم ليكتمون ما عساه يصيبهم منها في صدورهم علماً منهم أنها أمراض طارئة في عصر الشك الذي يصيب كل باحث كما أصاب الغزالي أبا الزهد والمعرفة حتى تكسرت عنه العقائد الموروثة) كما يقول في كتابه: (المنقذ من الضلال)، فيرون تحصين الناس منها حتى تبرأ قلوبهم ويهديهم الله إليه بعد جهادهم فيه، فيعرضوها بعد ذلك مع دوائها وبراهين كذبها وبطلانها وعلما منهم كذلك أنهم ما أوتوا علمهم كل شيء، وأن أساطين العلم المادي لم يعرفوا إلى الآن ما هي المادة التي هي أول ما يدرك.
.
دع عنك ما خفي في عالم الآفاق وعالم الأنفس، وعلماً منهم كذلك أن أكثر الناس ليسوا مثلهم متفرغين للتفكير في الحقائق ومقابلة بعضها ببعض، وإنما أكثرهم يأخذون الحقيقة أو الشبهة أو الأضلولة فيعيشون بها طول حياتهم، وقد يموتون عليها إلا أن يتداركهم الله بمن يغسل قلوبهم من الشبه والأضاليل تلك ذخيرة الإيمان في قلب! فأين منها تفريغ الإلحاد للقلوب من كل معاني عزائها وهنائها وقوتها وخلودها؟ أين منها ملؤه لها بكل معنى أثيم أو تافه أو فان؟ يا ويل من أراهم فارغي القلوب وقد صاروا الآن لا عدد لهم! لقد ضاعوا لأنهم فقدوا ميراث عزائهم ولم ينالوا الدنيا وعندي أن كل ملحد واجب عليه إخلاصاً لإلحاده أن يكون مجرماً سفاكاً أنانياً وحشياً حتى يحقق مقتضيات إلحاده فلا فائدة من الأخلاق والعلوم والبدوات مادام القلب فارغاً من الله.
وقد قلنا في مقال (حرمة البيان) (ما هو الحق؟ ما هو الشرف؟ لولا الله، كل المعايير ساقطة باطلة مبلبلة إذا لم تكن في يده هو.

كل الصدق كذب.

وكل الخير شر، إذا لم يقله لنا هو.
!) لعمر الحياة لو كان الإيمان كذباً لكان ألد من الصدق! ومادام الإنسان يطلب السعادة والراحة فلماذا لا يطلبهما هنا؟ لماذا يخطئ معنى دوامهما؟ افرضوه كذباً.

فهل برئت حياتكم من الكذب؟ إنها مجموعة أكاذيب مات منها حكماؤكم غيظاً أيها الناس! إنه قياس أدركه الأقدمون واختار العقلاء منهم ما عبر عنه شاعرهم بقوله: إن صح قولكما فلست بخاسر ...
أو صح قولي فالخسار عليكما ومادمتم تقيسون قيمة الشيء بالمنفعة، فأيما شيءٍ أنفع من معنى الإيمان في حياتكم؟ إنه أعظم معنى جلب النفع للبشرية.
وقصة تقدم الإنسانية هي قصة المؤمنين منها؛ فإنهم هم الذين تسلموا قيادها مرحلة مرحلة لأنهم أحسوا الإيمان بالقيوم الأكبر فأحسوا الوصاية نيابة عنه على القطيع القاصر، وحملوا أعباءه ونهضوا بها نهوض الجليدين الضليعين الذين لم يستول عليهم ضعف البشر لأنهم أولو العزم الذين في قلوبهم ذلك المعنى الحديدي الذي لا يفلت منه شيء: وهو الصبر! (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) فكل معاني شرف الإنسانية شعب وفروع من تلك الأرومة ولذلك لو تغيرت فكرة الإلهية يجب أن تتغير موازين الخير والشر.
ولكم في ضمير الإنسانية إيماناً عميقاً بالخير من غير سبب ظاهر، وكفراً عميقاً بالشر من غير سبب ظاهر؛ وقد أدى ذلك الفيلسوف الإنجليزي (باركلي) إلى أن يأخذ من هنا برهانه على أن هناك عقلاً أعظم قد أقر موازين الخير والشر في القلوب كما هما، لأن الخير والشر عنده كذلك (الرستمية) عبد المنعم خلاف

شارك الخبر