أرشيف المقالات

شرح حديث صفوان بن عسال.. وفيه بيان متى تنقطع التوبة (2)

مدة قراءة المادة : 10 دقائق .
2شرح حديث صفوان بن عسال..
وفيه بيان متى تنقطع التوبة (2)   عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أسْألُهُ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ، فَقالَ: مَا جَاءَ بِكَ يَا زِرُّ؟ فقُلْتُ: ابتِغَاءَ الْعِلْمِ، فَقَالَ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَضَعُ أجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ العِلْمِ رِضًا بِمَا يطْلُبُ، فقلتُ: إِنَّهُ قَدْ حَكَّ في صَدْرِي الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّينِ بَعْدَ الغَائِطِ والْبَولِ، وَكُنْتَ امْرَأً مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَجئتُ أَسْأَلُكَ هَلْ سَمِعْتَهُ يَذكُرُ في ذلِكَ شَيئًا؟ قَالَ: نَعَمْ، كَانَ يَأْمُرُنا إِذَا كُنَّا سَفْرًا - أَوْ مُسَافِرينَ - أَنْ لَا نَنْزعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيالِيهنَّ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، لكنْ مِنْ غَائطٍ وَبَولٍ ونَوْمٍ، فقُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَهُ يَذْكُرُ فِي الْهَوَى شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ، كُنّا مَعَ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- في سَفَرٍ، فبَيْنَا نَحْنُ عِندَهُ إِذْ نَادَاهُ أَعْرَابيٌّ بصَوْتٍ لَهُ جَهْوَرِيٍّ: يَا مُحَمَّدُ، فأجابهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- نَحْوًا مِنْ صَوْتِه: «هَاؤُمْ» فقُلْتُ لَهُ: وَيْحَكَ! اغْضُضْ مِنْ صَوتِكَ؛ فَإِنَّكَ عِنْدَ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- وَقَدْ نُهِيتَ عَنْ هذَا! فَقَالَ: وَاللهِ لَا أغْضُضُ، قَالَ الْأَعْرَابيُّ: الْمَرْءُ يُحِبُّ القَوْمَ وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ؟ قَالَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ يَومَ القِيَامَةِ»، فَمَا زَالَ يُحَدِّثُنَا حَتَّى ذَكَرَ بَابًا مِنَ المَغْرِبِ مَسيرَةُ عَرْضِهِ أَوْ يَسِيرُ الرَّاكبُ في عَرْضِهِ أرْبَعينَ أَوْ سَبعينَ عامًا - قَالَ سُفْيانُ، أَحدُ الرُّواةِ: قِبَلَ الشَّامِ - خَلَقَهُ اللهُ تَعَالَى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاواتِ والْأَرْضَ مَفْتُوحًا للتَّوْبَةِ، لَا يُغْلَقُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْهُ[1]، رواه الترمذي، وغيره، وقال: «حديث حسن صحيح».   قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: ولكن لا بد من شروط لجواز المسح علي الخفين: الشرط الأول: أن يلبسهما على طهارة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال للمغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - حينما أراد أن ينزع خفي النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «دَعْهُمَا؛ فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»، ومسح عليهما.   ولا فرق بين أن تكون هذه الطهارة قد غسل فيها الرجل، أو مسح فيها على خف سابق، فمثلًا: لو توضأ وضوءًا كاملًا، وغسل رجليه، ثم لبس الجوارب؛ يعني: الشراب أو الخفين، فهنا لبسهما على طهارة.   كذلك لو كان قد لبس جوارب من قبل، ومسح عليهما، ثم احتاج إلى زيادة جورب، ولبسه على الجورب الأول الذي مسحه، وهو على طهارة، فإنه يمسح على الثاني، لكن يكون ابتداء المدة من المسح على الأول، لا من المسح على الثاني؛ هذا هو القول الصحيح؛ أنه إذا لبس خفًّا على خف ممسوح، فإنه يمسح على الأعلى، لكن يبني على مدة المسح على الأول.   ولا بد أن تكون الطهارة بالماء، فلو لبسهما على طهارة تيمُّم، فإنه لا يمسح عليهما؛ مثل رجل مسافر ليس معه ماء، فتيمم، ولبس الخفين على طهارة تيمم، ثم بعد ذلك وجد الماء، وأراد أن يتوضأ، ففي هذه الحال لا بد أن يخلع الخفين، ويغسل قدميه عند الوضوء، ولا يجوز المسح عليهما في هذه الحال؛ لأنه لم يلبسهما على طهارة غسل فيها الرجل، فإن التيمم يتعلق بعضوين فقط، وهما الوجه والكفان.   الشرط الثاني: أن يكون المسح عليهما في الحدث الأصغر، ولهذا قال صفوان بن عسال: «إلا من جنابة، ولكن من غائط، وبول، ونوم»؛ فإذا صار على الإنسان جنابة؛ فإنه لا يجزئ أن يمسح على الجوربين أو الخفين، بل لا بد من نزعهما وغسل القدمين؛ وذلك لأن الطهارة الكبرى ليس فيها مسح إلا للضرورة في الجبيرة، ولهذا لا يمسح فيها الرأس، بل لا بد من غسل الرأس، مع أنه في الحدث الأصغر يمسح؛ لكن الجنابة طهارتها أوكد، وحدثها أكبر، فلا بد من الغسل، ولا يمسح فيها على الخف؛ لهذا الحديث، ولأن المعنى والقياس يقتضي ذلك.   الشرط الثالث: أن يكون المسح في المدة التي حددها النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، كما صح ذلك أيضًا من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في «صحيح مسلم»، قال: «جعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم»[2]؛ يعني: في المسح على الخفين.   فإذا انتهت المدة، فلا مَسْحَ، لا بد أن يخلع الجوربين أو الخفين، ثم يغسل القدمين، ولكن إذا انتهت المدة وأنت على طهارة، فاستمر على طهارتك، لا تنقض الطهارة، ولكن ذا أردت أن تتوضأ بعد انتهاء المدة، فلا بد من غسل القدمين.   ثم إن زِرَّ بن حبيش سأل صفوان بن عسال: هل سمع من النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول في الهوى شيئًا؟ الهوى: المحبة والميل، فقال: «نعم»، ثم ذكر قصة الأعرابي الذي كان جهوري الصوت، فجاء ينادي: يا محمد بصوت مرتفع، فقيل له: ويحك، أتنادي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بصوت مرتفع؟ والله - عز وجل - يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ [الحجرات: 2]، ولكن الأعراب لا يعرفون الآداب كثيرًا؛ لأنهم بعيدون عن المدن وبعيدون عن العلم.   فأجابه النبي -صلى الله عليه وسلم- بصوت مرتفع كما سأل الأعرابي؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أكمل الناس هديًا، يعطي كل إنسان بقدر ما يتحمله عقله، فخاطبه النبي -صلى الله عليه وسلم- بمثل ما خاطبه به، قال له الأعرابي: «المرء يحب القوم ولما يلحق بهم»؛ يعني: يحب القوم ولكن عمله دون عملهم؛ لا يساويهم في العمل، مع من يكون؟ أيكون معهم أو لا؟
فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»؛ نعمة عظيمة - ولله الحمد - وقد روى أنس بن مالك - رضي الله عنه - هذه القطعة من الحديث أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال لرجل يحب الله ورسوله: «إِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ»، قال أنس: فأنا أحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبا بكر، وعمر، وأرجو أن أكون معهم[3].   وهكذا أيضًا نحن نشهد الله - عز وجل- على محبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه الراشدين، وصحابته، وأئمة الهدى من بعدهم، ونسأل الله أن يجعلنا معهم.   هذه بُشرى للإنسان أنه إذا احب قومًا صار معهم، وإن قَصَّرَ به عمله؛ يكون معهم في الجنة، ويجمعه الله معهم في الحشر، ويشربون من حوض الرسول -صلى الله عليه وسلم- جميعًا، وهكذا كما أن من أحب الكفرة، فإنه ربما يكون معهم - والعياذ بالله - لأن محبة الكافرين حرام، وأن يعلم أنهم أعداءٌ له، مهما أبدَوْا من الصداقة، والمودة، والمحبة؛ فإنهم لن يتقربوا إليك إلا لمصلحة أنفسهم، ومضرتك أيضًا، أما أن يتقربوا إليك لمصلحتك، فهذا شيء بعيد، إن كان يمكن أن نجمع بين الماء والنار، فيمكن أن نجمع بين محبة الكفار لنا وعداوتهم لنا؛ لأن الله تعالى سمَّاهم أعداءً، فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾ [الممتحنة: 1]، وقال عز وجل:  ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 98].   فكل كافر فإن الله عدو له، وكل كافر فإنه عدو لنا، وكل كافر فإنه لا يضمر لنا إلا الشر، ولهذا يجب عليك أن تكره من قلبك كل كافر، مهما كان جنسه، ومهما كان تقربه إليك، فاعلم أنه عدوُّك؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾ [الممتحنة: 1]؛ إذًا نأخذ من هذه قاعدة أصَّلها النبي - عليه الصلاة والسلام- ألا وهي: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ»[4]؛ فعليك يا أخي أن تشد قلبك على محبة الله تعالى، ورسوله، وخلفائه الراشدين، وصحابته الكرام، وأئمة الهدى من بعدهم؛ لتكون معهم.   نسأل الله أن يحقِّق لنا ذلك بمنه وكرمه، والله الموفق.


[1] أخرجه الترمذي (3535)، وقال: «حسن صحيح». [2] أخرجه مسلم (276). [3] متفق عليه: أخرجه البخاري (3688)، ومسلم (2639). [4] متفق عليه: أخرجه البخاري (6168)، ومسلم (2640).



شارك الخبر

ساهم - قرآن ١