أرشيف المقالات

شرح حديث أبي بكرة: « إذا التقى المسلمان بسيفيهما... »

مدة قراءة المادة : 6 دقائق .
2شرح حديث أبي بكرة: « إذا التقى المسلمان بسيفيهما..
»
  عَنْ أَبِي بَكْرَةَ نُفَيْعِ بْنِ الْحَارِثِ الثَّقَفِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولُ؟ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ»؛ متفق عليه [أخرجه البخاري (6875)، ومسلم (2888)].   قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: قوله: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا»؛ أي: يريد كل واحد منهما أن يقتل الآخر، فسل عليه السيف، وكذلك لو أشهر عليه السلاح كالبندقية أو غيرها مما يقتل؛ كحجر ونحوه، فذِكْر السيف هنا على سبيل التمثيل، وليس على سبيل التعيين، بل إذا التقى المسلمان بأي وسيلة يكون بها القتل، فقتل أحدهما الآخر، فالقاتل والمقتول في النار - والعياذ بالله - فقال أبو بكرة للنبي صلى الله عليه وسلم: «هذا القاتل؟»؛ يعني: أن كونه في النار واضح؛ لأنه قتل نفسًا مؤمنة متعمدًا، والذي يقتل نفسًا مؤمنة متعمدًا بغير حق، فإنه في نار جهنم؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 93]، فأبو بكرة رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «هذا القاتل»، وهذه الجملة هي ما يُعرف في باب المناظرة بالتسليم؛ يعني: سلَّمنا أن القاتل في النار، فما بال المقتول؟ كيف يكون في النار وهو المقتول؟!   فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لِأَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ»، فهو حريص على قتل صاحبه، ولهذا جاء بآلة القتل ليقتله، ولكن تفوق عليه الآخر فقتَله، فيكون هذا - والعياذ بالله - بِنيَّتِه القتل، وعمله السبب الموصل للقتل يكون كأنه قاتل، ولهذا قال: «لِأَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ».   ففي هذا الحديث دليل على أن الأعمال بالنيات، وأن هذا لما نوى قتل صاحبه، صار كأنه فاعل ذلك؛ أي: كأنه قاتل، وبهذا نعرف الفرق بين هذا الحديث وبين قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ»[1]، وقوله فيمن أتى ليأخذ مالك: «إِنْ قَتَلْتَهُ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَإِنْ قَتَلَكَ فَأَنْتَ شَهِيدٌ»[2]، وذلك أن الإنسان الذي يدافع عن ماله وأهله ونفسه وعِرضه، إنما دافع رجلًا معتديًا صائلًا، لا يندفع إلا بالقتل، فهنا إذا قُتِل الصائلُ كان في النار، وإن قُتِل المدافع كان شهيدًا في الجنة، فهذا هو الفرق بينهما.   فبهذا عُلِم أن من قتل أخاه مريدًا قتلَه، فإنه في النار، ومن قتله أخوه، وهو يريد قتل أخيه، لكن عجز، فالمقتول أيضًا في النار، القاتل والمقتول في النار.   وفي هذا الحديث دليل على عِظَم القتل، وإنه من أسباب دخول النار، والعياذ بالله، وفيه دليل على أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يوردون على الرسول صلى الله عليه وسلم الشُّبَهَ، فيجيب عنها، ولهذا لا نجد شيئًا من الكتاب والسنة فيه شبهة حقيقية إلا وقد وُجِد حلُّها، إما أن يكون حلُّها بنفس الكتاب والسنة من غير إيراد سؤال، وإما أن يكون بإيراد سؤال يجاب عنه.   ومن ذلك أيضًا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لَمَّا أخبر بأن الدجال يمكث في الأرض أربعين يومًا، اليوم الأول كسنة، والثاني كشهر، والثالث كالأسبوع، وبقية الأيام كأيامنا، سأله الصحابة فقالوا: يا رسول الله، هذا اليوم الذي كسنه هل تكفينا فيه صلاة يوم واحد؟ قال: «لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ» [مسلم (2937)]، ففي هذا أبين دليل على أنه لا يوجد ولله الحمد في الكتاب والسنة شيء مشتبه ليس له حل، لكن الذي يوجد: قصور في الأفهام تعجِز عن معرفة الحل، أو يُقصِّر الإنسان، فلا يطلب ولا يتأمل ولا يراجع، فيَشتبه عليه الأمر.   أما الواقع، فليس في القرآن والسنة ولله الحمد شيء مشتبه إلا وُجِد حلُّه في الكتاب أو السنة؛ إما ابتداءً، وإما جوابًا عن سؤال يقع من الصحابة رضي الله عنهم، والله الموفق.   المصدر: « شرح رياض الصالحين »


[1] أخرجه أبو داود (4772)، والترمذي (1421)، وقال: «حسن صحيح»، وصححه الألباني في «الإرواء» (708). [2] أخرجه البخاري (48)، ومسلم (64).



شارك الخبر

مشكاة أسفل ١