أرشيف المقالات

من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين

مدة قراءة المادة : 10 دقائق .
2من تحلَّم بحلمٍ لم يره كلِّف أن يعقد بين شعيرتين [*]   عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((مَنْ تَحَلَّم بحُلمٍ لم يَرَه كُلِّفَ أن يَعْقِد بين شَعِيرَتَيْن، ولن يَفْعَلَ، ومن استَمَعَ إلى حديثِ قومٍ وهم له كارهون - أو يَفرُّون منه - صُبَّ في أُذُنه الآنُكُ يوم القيامة، ومَنْ صَوَّرَ صُورَةً عُذِّبَ، وكُلِّفَ أن يَنْفُخَ فيها، ولَيْسَ بنافخٍ))؛ رواه البخاري[1].   المفردات: تَحَلَّم: تكلَّف الحُلْم وافتراه، والحُلْم بضم الحاء وسكون اللام، وقد تُضمُّ أيضًا: ما يراه النائم، ولكن غلبت الرُّؤْيا على ما يراه من الخير والشيء الحَسَن، وغلبَ الحُلْم على ما يراه من الشرِّ والقبيح والأضْغاث، وهي الأخلاط التي لا تعبير لها.   والمراد بالعقد بين الشعيرتَيْن: فَتْل إحداهما بالأخرى، وربطها بها، وهي من قبيل المستحيل.   و((أو)): في مثل هذا الموضع للشكِّ من الراوي في أيِّ الجملتين قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وهي من دلائل التحرِّي في الرواية والعناية بضبطها، والمحافظة على ألفاظ الحديث.   والآنُك - بالمد وضمِّ النون: الرَّصاص المُذَاب.   والمراد بالنفخ في الصورة: إحياؤها، وهو من باب المستحيل أيضًا.   موبقات ثلاث: هذه موبقاتٌ ثلاث، نهى عنهنَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فيما نهى، وقَرَنَ كلَّ واحدة منهنَّ بجزائها؛ ليكون ذلك أبْيَن للإثم، وأبلغَ في الزَّجر، وأقْطَعَ للمعذرة، وأجْدر ألا يَقْربها مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ومَنْ كان يخشى الفضيحة بين يدي الله ورسوله.   المُوبقة الأولى: الافتراء في المَنَام، وإراءة العَيْن ما لم تره، وهذا من أقبح فنون الكذب وأشدِّها، وأبغضها عند الله عز وجل؛ روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن من أفْرى الفِرى[2] أن يُريَ عينَه ما لم تَر))[3].   دركات الكذب: والكذب دركات بعضها أسفل من بعض، فأهونُه - وإنْ كان عظيمًا - ما كان على الناس، حاشا النبي صلى الله عليه وسلم، وتختلف شناعتُه باختلاف آثاره وما يقصد منه، وأشدُّه ما كان على الله ورسوله.   فأما الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم - وهو صاحب الشَّرع - فهو كذبٌ في دين الله، وجُرأةٌ على رسول الله، بل هو كذبٌ على الله عزَّ وجل، وليس المجال هنا لبسط القول في خطر هذا الكذب ووخيم آثاره[4].   وأما الكذب على الله سبحانه - ومنه التحلُّم - فهو أشدُّ جُرمًا، وأعظم قُبحًا، وما ظنُّك بمَنْ لا يبالي بالفِرْية على مَلِك الملوك، ومَنْ يعلمُ السِّرَّ وأخفى؟   وإنَّما كان التحلُّم من قبيل الكَذب على الله تعالى؛ لأنَّ الرؤيا الصادقة - كما ثبت في الصِّحاح[5]- جزءٌ من النبوة[6]، والنبوَّة لا تكون إلا وحيًا، والكاذب في رؤياه يزعم أنه تعالى أَراه ما لم يُره، وأعطاه جُزءًا من النبوة لم يُعطه إيَّاه: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ ﴾ [الأنعام: 93].   من أجل ذلك كان الكذب في الرؤيا أعظم إثمًا من الكذب في اليقظة، وإنْ كان الكذبُ في اليقظة - في بعض أحيانه - أشدَّ ضررًا وأعظمَ خطرًا.   ولمَّا تكلَّف المُتَحَلِّم الكَذِبَ على الله في الدنيا، كَلَّفه الله في الآخرة ضربًا من ضروب المستحيل، إذ يُدفَعُ إليه شعيرتان ليعقدَ بينهما وليس بعاقد أبدًا، وإنما هو التعذيب بهذا النوع جزاءً وفاقًا.   والموبقة الثانية: الاستماع إلى حديث قوم وهم لذلك كارهون: صفةٌ من أقبح الصفات، وعادةٌ من أسوأ العادات، مبعثها دناءة في النفس، وتبلُّد الحسِّ، وشَغَفٌ بالتطلُّع على العورات والأسرار.   ولو فهم هذا المُتَسَمِّع لأدْرك أنَّ القوم ما أسرُّوا قولَهم أو انتحوا به ناحيةً إلا لرغبتهم في كتمان الحديث وطيِّه عنه، ومن أجلِ ذلك لم يكن على مَنْ تَسَمَّع لقوم حَرَجٌ، إذا جَهَروا بالحديث، أو دَعَتْ حالُهم إلى المُشَاركة فيه، فأمَّا ذلك المُتَطفِّل الذي انتهكَ حُرُماتِ الناس، وَصَرَفَ نعمة السَّمع إلى غير ما خُلقت له، فجزاؤه العدل أن تُملأ أذنه بالرصاص الذي أعدَّه الله له، كفاءَ ما اسْتَرَقَ من السمع وانتهَك من الحرمة: ﴿ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 49].   آدابٌ كريمة وأخلاق قويمة: لقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم حريصًا على شعور الفرد والجماعة، فحفظ لكلٍّ حقًّا وفرض على كلٍّ أدبًا، وجَعَل من أدب الفرد ألَّا يستمع إلى حديث الجماعة إلا بإذنهم[7]، كما فرض على الجماعة ألا تتناجى دون واحدٍ إلا بإذنه[8]؛ لأنَّ ذلك يُحزنه ويحمله على سوءِ الظنِّ بجماعته، ويُوقد فيه من نيران الألم والحقد ما يهدم الكِيان ويُصَدِّع البنيان!   آدابٌ كريمةٌ وأخلاقٌ قويمةٌ، يفرضها النبيُّ صلى الله عليه وسلم على أمَّته؛ لتدوم لها وَحدتها قويةً نقيَّةً سليمة.   وثالثة الأثافي: تصوير الصور الحيوانيَّة ذوات الروح: وقد جاء في ذمِّ المُصَوِّرين أحاديثُ كثيرةٌ لا تدع للشكِّ مجالًا في أنَّ التصوير من أُمَّهات الكبائر؛ لأنَّه مُضَاهاةٌ للخالق عزَّ وجل، ومحاولةٌ للتشبُّه به سبحانه، وذريعةٌ إلى عبادة غيره، وإن لم يقصد المُصَوِّر شيئًا من ذلك.   مفاسد التصوير: وقد تضافرت الأخبار بأنَّ قوم نوح عليه السلام ما عَبَدوا أصنامهم - ولا سيَّما وَدًّا وسُواعًا ويَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا - إلا مِنْ بعد أن صُوِّروا تبرُّكًا بهم، فلمَّا طال عليهم الأمد عُبدوا من دون الله عزَّ سلطانه! هذا قليلٌ من كثير من مفاسد التصوير في العقيدة، وأما مفاسده في الأخلاق والآداب، فَحَسْبُكَ أنه العامل الأول في انحلال الرجولة، وإماتةِ الغَيْرة، وإحياءِ الخَلاعة، وإيقاظِ الفتنة، إلى مَخازٍ كثيرة استطار شرُّها، وأعيا علاجها.
ومن العَجَب العجاب أن تَسْتمرئ شرذمةٌ من الناس - أو أشباه الناس - هذه المَخَازي، فتدعو إليها، وتُشَجِّع عليها، وتجد من العابثين والماجنين مرتعًا خصيبًا، ثم تقحم العلم والذوق في هذا السُّخف الذي يتبرَّأ منه العلم والذوق والمروءة.   نعم إنَّ دين الله - وهو العام الخالد الذي ضمن للناس سعادتَهم، وَوَسع حاجتهم إلى أن تقوم الساعة - لا يقف عقبةً في سبيل العلم النافع والمصلحة الخالصة من شوائب الضلال والهوى..   أَلا إنَّ يُسْرَ الحنيفيَّة السَّمْحَة، ورعايتَها لمصالح المجتمع، لا يَأْبيان التصوير للمقاصد العلميَّة الصحيحة؛ كتعليم الطب والجراحة، وصَوْن الأمن، وما إليها، فَمَنْ أفرط أو فرَّط فقد تعدَّى حدودَ الله، ﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ [الطلاق: 1].   وقد كَفَتْنا مجلة الأزهر مؤونة البسط في أحكام التصوير وتفصيله[9]، ولا نحبُّ أن نعيد حديثًا.


[*] مجلة الأزهر، العدد السادس، المجلد السابع عشر (1365). [1] في كتاب التعبير (7042) باب من كَذَب في حُلْمه. [2] جمع فرية، وهي: الكذبة العظيمة التي يُتَعَجَّب منها، ونسبة الكذبات إلى الكذب للمبالغة، نحو قولهم: ليل أليل (طه). [3] أخرجه البخاري (7043). [4] انظر شرح حديث: ((من تعمَّد عليَّ كذبًا...)) في مثل من الحَيْطة والحذر في الرواية. [5] انظر: صحيح البخاري، كتاب التعبير، باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة 9: 30 - 31 الطبعة الأميرية (طه). [6] الرؤيا جزءٌ من النبوة حقيقة إن كانت من نبيٍّ، وإلا فهي جزءٌ على المَجَاز؛ لأنها تشبه جزء النبوَّة في الصِّدق والإخبار بالمغيَّبات (طه). [7] للحديث الذي يشرحه المؤلف: ((...
ومن استمع إلى حديث قوم، وهم له كارهون - أو يفرُّون منه - صُبَّ في أذنه الآنُك يوم القيامة)
)
. [8] روى البخاري (6288)، ومسلم (21883) (21884)، ولفظه عند مسلم من حديث ابن مسعود مرفوعًا قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما، فإن ذلك يُحزنه)). [9] المجلد الأول، ص781 - 790، والمجلد الثاني عشر، ص328 - 332 (طه).



شارك الخبر

روائع الشيخ عبدالكريم خضير