أرشيف المقالات

حاجة المفسر للقواعد الأصولية

مدة قراءة المادة : 10 دقائق .
2حاجة المفسر للقواعد الأصولية
من المعلوم أن القرآن الكريم هو المصدر الأساس لتلقي الأحكام الشرعية، وتمتاز نصوصه بأن منها ما هو قطعي الدلالة، ومنها ما هو ظني الدلالة، وهذا الأخير يجعل الباب مفتوحًا لتعدد الآراء والأقوال، وذلك بسبب تعدد الوجوه، وتنوع المعاني، والذي يحدد طريقة استفادة المعاني إنما هي القواعد الأصولية، باعتبارها أداة للتفسير الصحيح، والاستنباط السليم، غير أنه قد علم أن أكثر هذه القواعد مختلف فيها بين المذاهب والعلماء، وعليه فإن هذا الاختلاف الواقع في القواعد تتأثر به لا محالة عملية التفسير والاستنباط، ومن أمثلة ذلك: اختلاف المفسرين في معنى النفي الواقع في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ﴾ [المائدة: 33]؛ إذ إن النفي في الآية يحتمل أن يكون نفيًا حقيقيًّا؛ أي: الإخراج من الأرض التي ارتكب فيها الفساد، أو يكون مجازيًّا؛ أي: السجن، وبناءً على ذلك اختلف الفقهاء، فذهب الجمهور إلى المعنى الحقيقي محتجين بأن اللفظ إذا تردَّد بين الحقيقة والمجاز، فإنه يجب حمله على الحقيقة، ما لم توجد قرينة تصرفه عن المعنى الحقيقي، وذهب الحنفية إلى المعنى المجازي، وقالوا: إن القرينة الصارفة عن المعنى الحقيقي موجودة، وذلك لأنه يستحيل أن يحمل معنى النفي على النفي من الأرض جميعها؛ لأن ذلك لا يتحقق إلا بالقتل، والقتل عقوبة أخرى غير النفي، بخلاف السجن فإنه يحقق معنى النفي دون قتلٍ[1]، وسبب الخلاف كما رأينا يرجع إلى الاختلاف في قاعدة أصولية، وهي إذا احتمل اللفظ الحقيقة والمجاز، فهل نقدم الحقيقة أو المجاز؟ ومثله كذلك اختلاف المفسرين في معنى اللمس في قوله تعالى: ﴿ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ﴾ [النساء: 43]، فاللمس في الآية يحتمل أن يكون حقيقيًّا؛ أي: اللمس باليد، ويحتمل أن يكون مجازيًّا؛ أي: الجماع، وبناءً على ذلك اختلف الفقهاء، فذهب الحنفية إلى أن المراد به المعنى المجازي وهو الجماع، وبموجبه لا ينتقض الوضوء بمجرد اللمس والمباشرة باليد، بينما ذهب المالكية والشافعية وغيرهم إلى أن المراد به المعنى الحقيقي، وهو اللمس باليد، وبموجبه ينتقض الوضوء بمجرد اللمس باليد والجماع من باب أولى[2]، فسبب الخلاف أيضًا احتمال اللفظ الحقيقةَ والمجاز، ومثال ذلك أيضًا: اختلاف المفسرين في معنى "الباء" في قوله تعالى: ﴿ وَامْسَحُوا بِرُؤوسِكُمْ ﴾ [المائدة: 6]؛ حيث يحتمل أن تكون زائدة، ويحتمل أن تكون للتبعيض، وبناءً على هذا اختلف الفقهاء في المقدار الذي يمسح من الرأس في الوضوء، فذهب المالكية إلى أن الواجب مسح جميع الرأس معتبرين أن الباء زائدة، وذهب الحنفية والشافعية إلى أنه يجزئ مسح بعض الرأس، مستدلين على ذلك بأن الباء للتبعيض[3]، فسبب الخلاف كما رأيناه يرجع إلى الاشتراك الواقع في الحرف.   فهذه الأمثلة وغيرها توضح لنا بالملموس مدى صلة التفسير بالخلاف الواقع في القواعد الأصولية، وبناءً على هذا تتجلى حاجة المفسر إلى العلم بالقواعد الأصولية، سواء المتفق عليها أو المختلف فيها، بل إن العلم بهذه القواعد يعتبر شرطًا لا بد منه في التأهل لتفسير كلام الله تعالى، واستنباط الأحكام الشرعية منه؛ يقول الإمام الراغب الاصفهاني في مقدمة جامع التفاسير وهو يعدد شروط المفسر لكلام الله: "فجملة العلوم التي هي كالآلة للمفسر، ولا تتم صناعة التفسير إلا بها عشرة، وهي: علم اللغة، والاشتقاق والنحو، والقراءات، والسِّير، والحديث، وأصول الفقه، وعلم الكلام، وعلم الاحكام، وعلم الموهبة، فمن تكاملت فيه هذه العشرة واستعملها، خرج عن كونه مفسرًا للقرآن برأيه[4]، فذكر من ضمن الشروط أصول الفقه.   وفي نفس المعنى يقول الذهبي: اشترط العلماء في المفسِّر الذي يريد أن يُفسِّر القرآن برأيه بدون أن يلتزم الوقوف عند حدود المأثور منه فقط، أن يكون مُلِمًّا بجملة من العلوم التي يستطيع بواسطتها أن يُفسِّر القرآن تفسيرًا مقبولًا، وجعلوا هذه العلوم بمثابة أدوات تعصم المفسِّر من الوقوع في الخطأ، وتحميه من القول على الله بدون علم[5]، ومن هذه العلوم: علم أصول الفقه؛ إذ به يعرف كيف تستنبط الأحكام من الآيات ويستدل عليها، ويعرف الإجمال والتبيين، والعموم، والخصوص، والإطلاق، والتقييد، ودلالة الأمر والنهي، وما سوى ذلك من كل ما يرجع إلى هذا العلم[6].   هذا ويمكننا أن نحدد وجه حاجة المفسر للقواعد الأصولية بناءً على الوظائف التي تقوم بها هذه القواعد التي تتجلى في: أولًا: الوظيفة التفسيرية، ونعني بالوظيفة التفسيرية أن من مقاصد علم أصول الفقه تقديم منهج متكامل لفَهم نصوص الشريعة وبيانها[7]، وقد بسط العلامة ابن عاشور في مقدمة تفسيره التحرير والتنوير وجه حاجة المفسر للقواعد الأصولية؛ حيث قال: وأما أصول الفقه فلم يكونوا يعدونه من مادة التفسير، ولكنهم يذكرون أحكام الأوامر والنواهي والعموم، وهي من أصول الفقه، فتحصل أن بعضه يكون مادة للتفسير، وذلك من جهتين:   إحداهما: أن علم الأصول قد أودعت فيه مسائل كثيرة هي من طرق استعمال كلام العرب وفَهم موارد اللغة، أهمل التنبيه عليها علماء العربية؛ مثل: مسائل الفحوى ومفهوم المخالفة، وقد عد الغزالي علم الأصول من جملة العلوم التي تتعلق بالقرآن وبأحكامه، فلا جرم أن يكون مادة للتفسير.   والجهة الثانية: أن علم الأصول يضبط قواعد الاستنباط ويفصح عنها، فهو آلة للمفسر في استنباط المعاني الشرعية من آياتها[8].

ثانيًا: الوظيفة الاستنباطية: وهذه الوظيفة هي أبرز وظائف علم أصول الفقه، حتى إن بعض الأصوليين يقتصرون عليها في تعريفهم لعلم أصول الفقه، كما في قولهم: العلم بالقواعد التي يُتوصَّل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية[9]".   وعليه فإن قواعد هذا العلم تعين المفسر على حسن الفَهم لكلام الله تعالى ودقة الاستنباط منه؛ "إذ ليس لأحد أن يستنبط من القرآن على وَفق ما يهوى، بل هناك قواعد عامة وخاصة تحكمه وتقيِّده[10]، وقد اعتبر الدكتور عبدالرحمن بن صالح بن سليمان الدهش أن من أسباب الخطأ في التفسير الغفلة عن القواعد الأصولية[11]، وذكر من أمثلة ذلك: تخصيص العام من غير دليل[12]، وتقييد ما أطلقه القرآن من غير دليل[13]، والتوسع في النسخ وعدم التنبه لاصطلاح السلف في ذلك[14].   هذا، وقد وجدنا من المفسرين مَن برع في ضبط القواعد الأصولية براعته في التفسير على حد سواء، وأذكر منهم: الإمام الجصاص، فله تفسير في "أحكام القرآن"، وكتاب في الأصول مشهور باسمه "أصول الجصاص"، ومنهم كذلك: الإمام الرازي المفسر، وكتابه من أشهر الكتب الأصولية واسمه: "المحصول في علم الأصول"، ومنهم أيضًا: الإمام القاضي البيضاوي، فله تفسير معروف واسمه: "أنوار التنزيل وأسرار التأويل"، وله كتاب في الأصول اسمه: مناهج الوصول إلى علم الأصول، ومنهم كذلك: الإمام السيوطي له كتابه في التفسير اسمه: "الدر المنثور"، وقد أسهم في التفسير الشهير بتفسير الجلالين، وله كذلك كتاب في الأصول اسمه: الأشباه والنظائر، ومنهم أيضًا الإمام الشوكاني له تفسير: "فتح القدير"، وكتاب في الأصول هو "إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق في علم الأصول"[15].


[1] مراعاة الخلاف والخروج منه في أصول المالكية؛ لعبدالغفور الصيادي، ص33. [2] الخلاف الفقهي؛ للدكتور البوشيخي، ص76. [3] الخلاف الفقهي؛ للبوشيخي، ص74. [4] مقدمة جامع التفاسير لأبي القاسم الحسين بن محمد، المعروف بالراغب الأصفهاني، ص96. [5] التفسير والمفسرون للدكتور الذهبي، ج1، ص 189. [6] دراسات في علوم القرآن الكريم لفهد الرومي، ص 167، شرح مقدمة التسهيل ص134-135. [7] التجديد الأصولي ص64. [8] التحرير والتنوير، للطاهر بن عاشور، ج1، ص25-26. [9] القاموس المبين في اصطلاحات الأصوليين ص60. [10] منهج الاستنباط من القران؛ للدكتور فهد بن مبارك الوهبي، ص 238. [11] الأقوال الشاذة في التفسير؛ لعبدالرحمن بن صالح بن سليمان الدهش، ص 244. [12] الأقوال الشاذة في التفسير ص 243. [13] الأقوال الشاذة في التفسير ص251. [14] الأقوال الشاذة في التفسير ص257. [15] المنار في علوم القرآن مع مدخل في أصول التفسير ومصادره لمحمد علي، ص253.



شارك الخبر

المرئيات-١