أرشيف المقالات

حجاج ودوس. . . .

مدة قراءة المادة : 5 دقائق .
8 حلّقا في السماء الغائمة البعيدة! والأمل الطلق يبسم لهما خلال السحاب، والمستقبل الوضاء يشرق عليهما بين الضباب، والاستقبال المنتظر ينثر الأحلام على جناحي الطائرة! فالنسر الحديدي يزف في الهواء الندي زفيف الكوكب، والطيار الشاب وصاحبه يسبقانه بالخيال العجيب إلى أرض الوطن، فيريان البشر الفخور بفيض على جنبات الوادي، والمجد الاثيل ينبعث لهفان من غيابات الماضي، والشعب النبيل يتقاطر مزهوا إلى المطار الحاشد، والأعلام الخضر تخفق بالتحيات خفوق القلوب بالإكبار والحب، والطوائر العشر يهبطن على الثرى الحبيب هبوط المخيلة والعجب، واللقاءالحماسي الهاتف يغمر السرب الأول بالترحاب والإعجاب والشكر، وأكاليل القبل والغار تتوج الجباه المجلية في ميدان البطولة والنصر.
! كل أولئك كان يتمثله فؤاد، ويتخيله شهدى، حين غفا الحظ تلك الغفوة المشؤمة فإذا بالقدر الراصد يثب من بين أطباق الضباب فيصرع الأمل الناهض، ويراد النسر الطائر حطام حريق، والمستقبل الزاهر ساعة هول وضيق، والاستقبال الباهر مناحة أمة، وأكاليل الغار أكاليل نعش!! اللهم لا رادّ لقضائك، ولا معقب لحكمك! جعلت الشهادة روح الجهاد، والتضحية طريق المجد، والفداء عبادة المثل الأعلى! ومصر ذات التاريخ الأزلي والتراث الخالد، قد كتبت هذا التاريخ بدماء شهدائها وأثلّت هذا التراث بجهاد أبنائها، وعرفت السماء قبل أن يعرف غيرها الأرض، فلا يشتد جزعها لهذا الحكم، ولا يرفض صبرها لهذا البلاء؛ وما حجاجٌ ودوس إلا شهيدان كتبت لهما السعادة أن يكونا في أول سجل من نوع جديد. أن شهداءنا الذين قضوا في سبيل الوطن والحرية والعلم والطيران هم القوة الملهمة للشباب العامل، والحجة المفحمة على النشئ الخامل، والدلالة البينة على أن مصر لا تزال تعرف كيف تموت لتحيا، وكيف تشقى لتسعد! وأن الذين شهدوا أبناءنا يوم جنازة الشهيدين يتسعرون بالحماسة، ويتفجرون بالوطنية، ويهتفون بالتضحية، ليوقنون أن هذه النفوس الحرة التي تظاهرت على كبتها وإذلالها شتى العوامل تأبى أن تتكشف للخطوب إلا عن جوهر خالص وفطرة نقية. أن الوادي يوم ضم إلى أحشائه بقايا ولديه الصريعين قد قوى في صدره نبض الحياة، ودب في جسمه دبيب الفتوة، لأن الوطن تميته الدموع وتحييه الدماء! فكلما كثرت القرابين على مذبحة، وفاضت النفوس على ثراه، أزداد قداسة واتقد حماسة وأشتد قوة، فتقريب الفداء المختار نكبة لأسرته وحياة لأمته، ومجد لوطنه! التضحية بالنفس أو بالمال هي الوطنية الصادقة والزعامة الحق، لأنها أثر الإيمان الصحيح، ودليل الجهاد المخلص، ومتى بلغت النفوس حد الإيثار أعْيَت على الظلم، ونبَت على المذلة، فلا تجد حاكما يجور، ولا عالما يدجي، ولا سائسا يخاتل، ولا قائدا يَهن، ولا غنياً يشح، ولا وطنا يشقى، فهل لسادتنا وكبرائنا أن يكفكفوا ِشّرةَ الحرص في نفوسهم بالتضحية ? ومعاذ الله أن أقصد التضحية بالدم فليست من طبع الكهولة، إنما أقصد التضحية بالتهالك على الرآسة، والتهافت على المنصب، والتكالب على المال، ليصح الخلق المريض، ويأتلف الأمر الشتيت، ويعود الجائر إلى سواء السبيل. برَد الله بالرضوان ثراكما يا شهيدي الواجب! لقد هززتما للمعالي همماً توشك أن تهمد، وذكّرتما المجد نفوسا تكاد أن تنسى، وأضفتم اسم مصر إلى أسماء الأمم التي روت بدمائها أصول الخير المشترك! ولئن كان مصرعكما عثرة أليمة في أول الطريق الجديد، فأنه حريّ أن يسدد خطانا فيه، ويظهر قوانا عليه، بحسن الاقتداء بالبطولة، وصدق الاعتبار بالخطأ؛ وما مات من رجالك من أحياك، ولا ذهب من مالك ما علمك. طأطئوا الرؤوس يا قوم إجلالا لمصرع البطولة!! إن شهيدينا قُتلا في السماء، وغسلا بالنار لا بالماء، ودُرجا في علم لا في كفن، وحُملا على مدفع لا على نعش، وكتبا في سجل الخلد في دفتر (الصحة).
فهل هذه الموته العظمى تفت في الاعضاد وتفل من غرب العزيمة؟ ان الأمة التي لم تكد تأخذ بأسباب الطيران حتى يبادر إلى خوض أهواله فتاة من فتيانها، ويسبق إلى الشهادة في سبيله فتيان من فتيانها، لا يستطيع أن يكسر من ذرعها حادث، ولا يتكاءدها في طريقها إليه عقبة. سلام الله على أشبالنا في الجهاد، وعلى أبطالنا في الاستشهاد، وعلى شهدائنا في قدس الخلود! أحمد حسن الزيات

شارك الخبر

ساهم - قرآن ١