أرشيف المقالات

وسائل الدعوة وأثرها

مدة قراءة المادة : 12 دقائق .
2وسائل الدعوة وأثرها
أولًا: القدوة الحسنة: وهي وسيلةٌ من أنجح الوسائل في الدعوة إلى الله تعالى، فإذا كان الداعية إلى الله تعالى قدوةً حسنةً فيما يدعو إليه، فإنه يؤثر في الناس بعمله وشخصيته.   وعلى العكس من ذلك فإن انحراف المؤمن وسوء خُلُقه من أهم الوسائل التي تصدُّ الناس عن الإسلام، وتبعدهم عن طريقه المستقيم؛ لأن الناس ينظرون إلى الإسلام من خلال من يدعو إليه، فإن كان قدوةً حسنةً في نفسه عملًا وقولًا، فإن كلامه ينفذ إلى القلوب كالسحر؛ لأنه بمثابة الطبيب الذي يُشخِّص الداء، ويصرف الدواء المناسب.   والرسول صلى الله عليه وسلم هو القدوة الحسنة للدعاة في عصرنا الحاضر، وقد أمرنا الله بالاقتداء به في أقواله وأفعاله وأحواله؛ قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21].   فالرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغه الدعوة كان يعمل باستمرار لكي يرى الناس جميعًا قد استجابوا لدعوة الإسلام، ودخلوا في دين الله أفواجًا.   وللدعاة القدوة الحسنة في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم أجمعين، فقد كانوا القدوة الصالحة في العبادة والأخلاق والشجاعة والثبات على الحق، فهم خير القرون هَدْيًا، وأفضل العصور قدوةً.   وبهذه القدوة الحسنة انتشر الإسلام شرقًا وغربًا، ودخل الناس في دين الله أفواجًا بفضل ما تميَّز به الصحابة رضوان الله عليهم من قدوة طيبة، وأخلاق حسنة، وصدق، وأمانة، وحسن معاملة.   والتاريخ يُسطِّر بكل الافتخار والإعجاب أن الإسلام وصل إلى جنوب الهند وسيلان في المحيط الهندي، وإلى التبت وإلى سواحل الصين وإلى الفلبين، وجزر إندونيسيا، وشبه جزيرة الملايو، ووصل إلى أواسط أفريقيا في السنغال ونيجيريا والصومال وتنزانيا ومدغشقر وزنجبار وغيرها من البلاد، بواسطة تجار مسلمين، ودعاة صادقين أعطوا الصورة الصادقة عن الإسلام في سلوكهم وأمانتهم، وصدقهم ووفائهم.   ثانيًا: التبليغ بالقول: والقول هو الأصل في تبليغ الدعوة إلى الله تعالى، فالقرآن الكريم هو قول رب العالمين نزل به الروح الأمين على محمد صلى الله عليه وسلم؛ ليكون به التبليغ؛ قال تبارك وتعالى: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 6].   وكان تبليغ رسول الله صلى الله عليه وسلم لرسالة ربِّه للناس بالقول؛ قال تعالى مخاطبًا رسوله، وآمرًا له أن يقول للناس: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ [يونس: 108]، فلا ينبغي للداعي أن يغفل مكانة القول في تبليغ الدعوة، ولا أثر الكلمة الطيبة في النفوس، فالقول إذًا هو الوسيلة الأصيلة في إيصال الحق للناس.   ما يشترط في القول: يُشترط في القول شروط حتى يكون وسيلةً من وسائل تبليغ الدعوة، من هذه الشروط: 1- أن يقول القول واضحًا بيِّنًا، لا غموض فيه ولا إبهام، مفهومًا عند السامع؛ لأن الغرض من الكلام إيصال المعاني المطلوبة إلى مَنْ يُكلِّمه الداعي، فيجب أن يكون الكلام واضحًا غاية الوضوح.
2- أن يكون الكلام خاليًا من الألفاظ التي تحتمل حقًّا وباطلًا وخطأً وصوابًا، وعلى الداعية أن يستعمل الألفاظ الشرعية من القرآن والسنة والمستعملة عند علماء المسلمين؛ لأن هذه الألفاظ تكون محدَّدة المعنى، وواضحة المفهوم، خالية من أي معنى باطل قد يعلق في ذهن المدعو.   ما يشترط في القائل: هناك شروط لا بد من توافرها في القائل حتى تؤتي دعوتُه ثمرتها المرجوَّة، منها: 1- يجب على الداعي أن يتأنَّى في كلامه، فلا يسرع؛ بل يتمهَّل حتى يستوعب السامع كلامه ويفهمه؛ فعن أنس رضي الله عنه، "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلَّمَ بكلمةٍ أعادَهَا ثلاثًا، حتى تُفهَم عنهُ، وإذا أتَى علَى قَومٍ فسَلَّمَ عليهِم، سلَّمَ عليهم ثلاثًا"؛ رواه البخاري.   2- أن يبتعد الداعي عن التكلُّف والتعاظُم في نطقه؛ فعن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((هلك المتنطِّعون))، قالها ثلاثًا؛ رواه مسلم.
والمتنطعون: المتعمِّقون المشدِّدون في غير موضع التشديد.   3- أن يبتعد الداعي عن الاستعلاء على المدعوِّ واحتقاره وتحديه، وإظهار فضله عليه؛ وإنما عليه أن يكلمه بروح الناصح المخلص المتواضع الذي يُدلُّ غيرَه على ما ينفعه ويعرفه به.   4- أن يتلطَّف الداعي بالقول، فيستعمل في كلامه وخطابه ما يُثير رغبة المدعوِّ إلى السماع، وخير دليل على ذلك ما حكاه القرآن الكريم على لسان سيدنا إبراهيم: ﴿ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ﴾ [مريم: 42]، فسيدنا إبراهيم عليه السلام ذكر لأبيه رابطة الأبوَّة التي من شأنها أن تجعل الابن حريصًا على مصلحة الأب، وتجعل الأب جديرًا بأن يُصغي إلى خطاب ابنه.   أنواع القول: ينقسم القول باعتباره الأصل في تبليغ الدعوة إلى الله تعالى إلى أنواع: 1- الخطبة: تعتبر الخطبة وسيلة هامة من وسائل التبليغ بالقول، ولها أهمية كبيرة؛ وهي إرشاد الناس إلى الحقائق، وحملهم على ما ينفعهم في الدنيا والآخرة، والخطابة معدودة من وسائل السيادة والزعامة.   ولو نظرنا إلى الدعوة الإسلامية، لوجدناها قد جاءت في قوم اشتهروا بالبلاغة والفصاحة وقوة البيان، قوم القول صناعتهم، والبلاغة عنايتهم، فكانت الخطابة الأداة الأولى للدعوة الإسلامية، وفي التاريخ نجد خطبًا وخطباء كثيرين قد اشتهروا.   2- الدرس: يعتبر من وسائل تبليغ الدعوة، ولا يقلُّ أهميةً عن الخطبة؛ بل الدرس أصعبُ؛ لأن الخطبة تكون في موضوع معين، والخطيب لا يعنيه إلا ما يتصل بغرضه من الخطبة، أما المدرِّس فقد يستطرد في موضوعه بسبب الأسئلة التي تُوجَّه إليه من الحاضرين، والدرس عادة يكون في المسجد بغرض شرح آية أو حديث، والمفروض في الداعية أن يكون على صلة وثيقة بالأحداث التي تجري حوله في المجتمع، وأن يستخلص من الآية أو الحديث أو القصة ما يحتاج إليه المستمعون، ومن هنا فإن فائدة الدرس عظيمة؛ حيث يستطيع الحاضر أن يسأل المدرس، ويستفسر عن كل ما يجول بخاطره.   3- المحاضرة: وهي عبارة عن معلومات منسَّقة، يُعالج بها المحاضر موضوعًا معينًا من الموضوعات من غير أن يلجأ إلى الانفعال والإثارة.   والمحاضرة الناجحة تهدف إلى هدف معين ومحدد، وتوضح هذا الهدف وتبيِّنه البيان المقنع، ويجب على المحاضر أن يكون دقيقًا في كلامه، لا يُلقي القول جزافًا، ولا يُكثِر من العبارات العاطفية؛ لأن مجالها الأصلي الخطبة وليس المحاضرة.   فالمحاضر يختار موضوع المحاضرة مما يعرض له من مشاكل الحياة، ثم يدرسه دراسة عميقة، مدعمًا الدراسة بالحجج والبراهين، والأدلة الواضحة، ثم يختار له النصوص التي تُؤيِّده من القرآن والسنة والأحداث التاريخية الصحيحة.   4- الكتابة: وهي وسيلة جيدة لو أحسن الداعية القيام بها، ويجب أن تكون الكتابة بأسلوب سهل ممتع، يفهمه عامة الناس.   وعند كتابة مقالة دعوية لا بد من اختيار مفردات بسيطة سهلة الفهم، واجتناب الكلمات الصعبة التي تحتاج إلى تفسير وشرح لمعانيها، وإذا دعا السياق لذكر كلمة غير معروفة، فلا بد من بيان معناها للقارئ.   والكتابة إما أن تكون كتابة رسائل إلى من يريد الداعي دعوتهم، وإما أن تكون بتأليف الكتب والأبحاث والمقالات في المجلات وغيرها، وكلها وسيلة جيدة للدعوة إلى الله تعالى.   5- ضرب الأمثال: ضرب الأمثال له أهميته بين فنون القول وقدرته على التأثير في المخاطب؛ يقول الإمام السيوطي رحمه الله: ضرب الأمثال يستفاد منه أمور كثيرة: منها تقريب المراد للعقل، وتصويره بصورة المحسوس، فإن الأمثال تصوِّر المعاني بصورة الأشخاص؛ لأنها أثبت في الأذهان، لاستعانة الذهن فيها بالحواس، ومن ثم كان الغرض من المثل التشبيه الخفي بالجلي، والغائب بالمشاهد، ومن هنا فإن ضرب الأمثال يعتبر وسيلة من وسائل الإقناع؛ حيث إن المورد للمثل إنما هو في الحقيقة يقيس الأمر الذي يدعيه على أمر معروف عند من يخاطبه، والقرآن الكريم زاخر بضرب الأمثال؛ لقدرتها على التأثير في نفس المخاطب.   6– الجدل عند الحاجة إليه: النفس البشرية متعددة الجوانب من وجدان وعقل وإرادة، والتعامل معها لا بد أن يتجه إلى كل منافذ التأثير فيها؛ لكي نوصل إلى تغيير ما بها من عقائد فاسدة، ليحل مكانها الإيمانُ بالدعوة ومبادئها، والقرآن الكريم في دعوته يلاحظ الطبيعة البشرية، ولا يترك بابًا يمكن أن ينفذ منه ليحقق هدفه، ومن هنا اتجه بدعوته إلى العقل والمنطق ينفي الشبهة ويسوق الدليل.   7- القسَم: يعتبر القسم وسيلة من وسائل التبليغ بالقول، وله خصائص تمنحه القدرة على التأثير، وتجعل المتكلم يختاره ليستعين به إذا كان المقام يقتضيه، فالقسم يقوم بدور التهيئة النفسية للمخاطب وإثارة انتباهه لما سيخبر به، فيستقبل القسم مستجمعًا حواسه، مركزًا فكره وانتباهه إليه، وذلك لأن الإنسان إذا حلف على شيء كان ذلك دالًّا على أهميته، وأنه مما تجب العناية والإقبال عليه، وقد روي عن بعض الأعراب أنه سمع قوله تعالى: ﴿ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ﴾ [الذاريات: 23]، فصاح الأعرابي وقال: يا سبحان الله من الذي أغضب الجليل حتى حلف؟!   8- وسائل الإعلام: وسائل الإعلام بكافة أنواعها وسيلة عظيمة من وسائل التبليغ، إذا أُحسن استغلالها، فالصحف اليومية، والمجلات الأسبوعية أو الشهرية والنشرات الدورية، والإذاعة والتلفزيون، كل هذه وسائل هامة ومفيدة في نشر الدعوة وتبليغها للناس؛ لأننا نلاحظ أن كل ما يبث عن طريقها يتقبَّله الناس ويفهمونه، وله أثره في نفس السامع والقارئ.   وهذه الوسائل سلاح ذو حدَّينِ تستعمل للخير، وتستعمل للشرِّ، وما دامت هذه الوسائل لها خطرها في التبليغ، فمن الواجب على الأمة الإسلامية أن تُوجِّهها الوجهة الصحيحة، وجهة يكون أساسها البناء لا الهدم.   9- القصص الديني: القصص الديني بأسلوبه الجميل له دوره العظيم في الدعوة إلى الله من خلال القرآن الكريم، ويمتاز القصص الديني بسموِّ غاياته، وشرف مقاصده، وعلوِّ مراميه؛ حيث اشتمل على فصول في الأخلاق مما يهذب النفوس، ويجمل الطباع، وينشر الحكمة والآداب، وطرق في التربية والتهذيب شتى، تُساق أحيانًا مساق الحوار، وطورًا مسلك الحكمة والاعتبار، وتارة مذهب التخويف والإنذار، كما حوى كثيرًا من تاريخ الرسل مع أقوامهم، وشرح أخبار قوم هُدوا، فمكَّن الله لهم في الأرض، وأقوام ضلُّوا، فساءت حالهم، وخربت ديارهم، ووقع عليهم العذاب والنكال، كل هذا قَصَّهُ الله في قول بَيِّن، وأسلوب حكيم، ولفظ رائع؛ ليدل الناس على الخُلُق الكريم، ويدعوهم إلى الإيمان الصحيح.



شارك الخبر

ساهم - قرآن ٣