أرشيف المقالات

رمضان رحل وأعماله لم ترحل

مدة قراءة المادة : 4 دقائق .
2رمضان رحل وأعماله لم ترحل   رمضان قد رحلَ، فهل نفرح أم نحزن؟ البعض قد يجد وَحشةً من فراق الصيام والقيام، ويحق له، فقد مرت به أيام عاش فيها بين هاتين العبادتين العظيمتين، عاش شهراً كاملاً يتقلب بين الصيام والقيام وأعمال البر والصدقات وتلاوة القرآن الكريم.   هذه الأيام والليالي لا شك أن لها نكهتها الخاصة وعبقها الفواح، بأجوائها الإيمانية التي اكتسى بها شهر رمضان المبارك وتحلى فيها بأبهى الحلل، فازدانت أيامه بالصيام، وتزخرفت لياليه بأجمل أصوات القراء، وتعطرت أوقاته بتلاوات القرآن، حتى لم نطِق فراقه ولا أن يغادرنا إلا بشق الأنفس.   رحل رمضان ونحن لم ننهل من معينه ما يروي عطشنا ولا يقضي نهمتنا، كنا بالأمس في شوق لقدومه، وها نحن اليوم وقد غادرنا لا ندري أندرك القادم أم يحول بيننا وبينه الأجل، رمضان وإن رحل فإن العبادات التي عشنا معها في رمضان أجمل اللحظات، وتذوقنا فيها طعم الطمأنينة والأنس بالله، لم ترحل، بل هي باقية، فإن رب الشهور واحد، والذي قد منحنا نعيم لذة العبادة في رمضان قادر على أن يمنحنا لذة العبادة في كل الشهور.   الفرح في هذا الوقت هو المشروع لنا لا الحزن، فنحن نفرح بأن منَّ الله علينا بإدراك رمضان وبالتوفيق فيه للصيام والقيام وقراءة القرآن وسائر القربات، حتى منَّ علينا بتمامه وإكماله، ثم نفرح بما فرض علينا من عبادات وسن لنا بعده من السنن، تكبير للجليل، وتعظيم للعظيم، ثم إخراج زكاة الفطر التي يطهرنا بها ربنا ويزكي نفوسنا مما نابها في هذا الشهر من الآثام والتقصير في حق الله في هذا الشهر المبارك.   وفي يوم العيد صلاة اجتمعنا فيها والتقينا، وعظنا فيها الخطيب وذكرنا بما يجب لله علينا في هذا اليوم، وبحدود الفرح المشروع لنا، فلا نتجاوز حدود ما شرع لنا بحجة العيد وأنه يوم فرح وسرور فنخرج عن إطاره بما يغضب الله علينا، وبما يفرح الشيطان ويدخل السرور على قلبه.   الصيام وإن انتهى شهره فإنه لم ينته، فبمجرد انتهاء اليوم الأول من شوال نحن على موعد مع ستة أيام تمنحنا صيام الدهر، كما أخبرنا بذلك حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، وصيام أيام البيض، والاثنين والخميس حين تعرض الأعمال، فما أجمل أن يعرض عملك على ربك وأنت صائم، وصيام عرفة ذلك اليوم الذي يكفِّر الله به عنك خطايا عامين، عام مضى وعام قادم، وصيام عاشوراء الذي يكفر السنة الماضية ويغسل أدرانها.   والقيام كذلك لا ينتهي مع نهاية رمضان، بل هو ديدن المؤمن في سائر أيامه وهو شرفه الذي شرفه الله به، وجعله موعداً في كل ليلة للوقوف بين يدي ربه في أقرب موضع، حيث إن أقرب ما يكون الرب من عبده في ثلث الليل الآخر حين ينزل إلى السماء الدنيا، فما أجل ذلك اللقاء وقد صار العبد بين قربين؛ قرب ربه منه وقربه هو في سجوده من ربه، فإن العبد أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد.   وقد علمنا رمضان أن ختم القرآن سهل للغاية، فإن كانت بعض النفوس قبل رمضان تثقل عليها قراءة القرآن، فقد اتضحت لها حقيقة سهولة ختم القرآن، فإن منا من قد أكرمه الله ومنَّ عليه بختم القرآن أكثر من مرة.   رمضان دورة تدريبية مكثفة على أنواع متعددة من العبادات كالصدقة والصلة والبر بالوالدين وتعاهد الفقراء والمحتاجين، مع ما فيه من صيام وقيام واعتكاف وتلاوة للقرآن، فما أيسر على النفس أن تبادر بإكمال هذه الأعمال بعد رمضان كما أكملتها في رمضان، فإن الانقطاع بين رمضان وما بعده قد يورث الكسل ويفت في عضد الهمة ويوهن العزيمة.   فالبدار البدار..
قبل أن تخور العزائم وتتراخى الهمم.



شارك الخبر

روائع الشيخ عبدالكريم خضير