أرشيف المقالات

القصص

مدة قراءة المادة : 11 دقائق .
8 أماني حسناء للقصصي الفرنسي كاتول مانديز بقلم الأديب صلاح الدين المنجد (كاتول مانديز شاعر وروائي وقصصي.

أوتي من الفهم والذكاء ما جعله يخوض في كل فن ويطرق كل باب.

قضي حياته في العمل المثمر والسعي المتواصل، وكان يعشق الحياة والشباب والجمال وله في ذلك قطع أرق الشعر وأحلاه.
أشهر مؤلفاته: الأماسي الكئيبة، مجموعة أقاصيص، عذراء افيلا) كانت رائعة الحسن غضه الصبا.
ظهر الورد في خديها الناعمين فوق الزغب الحريري الجميل.
وبدا السحر في أهدابها الوطف الناعسة، وتفتحت أنوثتها الرقيقة عن جسم بض ريان، وثديين بارزين فيهما السحر الحلال، فغدت كزهرة من أزهار التفاح في أوائل نيسان.

كلها فتنة، وكلها جمال انطلقت ذات صباح تتهادى بين الحقول بتيه وخيلاء؛ يعلو جبينها المشرق سحابة من هّم روع قلبها وأضناه.
فرأتها جنية صغيرة كانت تتنقل بين الأعشاب، فحزنت لها وأشفقت على ذلك الشباب.

فخرجت إليها تجرر ثوبها الأزرق الحريري، وسألتها بصوت هادئ رنان: - ما الذي يشجيك يا حسناء.
؟ لقد أوتيت من الحسن ما تتمناه كل فتاة! إن لك لشعراً لونه كلون سنابل القمح في حزيران.

وإن لك لعينين لونهما في زرقة السماء إذا تنبه الفجر الوسنان.

وإن لك لفماً رقيقاً وطلعة ساحرة مشرقة، ومشية خفيفة فاتنة، فما الذي ينغص عيشك ويحزنك يا أختاه.
؟ -.

.
؟ - لم لا تقولين ما بك يا فتاة.
؟ أتشتهين ارتداء ثوب حريري جميل.
؟ أتودّين لبس حذاء رصع بجوهرة نادرة وزين بشرط ناعمة؟ - أواه! أواه! - لكن حدثيني.

مالك.
؟ أتشكين من الخبر الذي تأكلينه؟ أترغبين في العسل الشهي والرُطب الجني؟.
.
لشد ما تحزنيني يا صبية! تكلمي وأسمعيني.
.
أتطمعين في أن تكوني ابنة أمير غني ظالم ترفلين في قصره بالدمقس وبالحرير بين ستور الخز ونضائد الديباج، وتحيط بك الوصائف والجواري، تغمضين أجفانك إذا أقبل الليل بين أناشيدهن العذاب، وتفتحين أجفانك إذا أقبل النهار بين رقصاتهن السواحر.

ويأتي إليك الأمراء ينشدون ودك ويطلبون رضاك.
.
لتنظري إليهم بطرفك الفتاك، أو لتبتسمي لهم بثغرك الفتان.
! تكلمي.
.
تكلمي.
. قالت الفتاة وقد وضعت كفيها الصغيرتين فوق وجهها لتخفي ابتسامة علت ثغرها كلها سحر ودلال.
. - كلا.
.
كلا.
.
ما أريد هذا ولا ذاك! ولكني أغار.
.
نعم أغار من الأزهار.
إنهن لجميلات.
.
وإني لأغبطهن تارةً، ويداخل قلبي الحسد لهن أخرى.

آه لو كنت زهرة بنفسج في أحد المروج الخضر.
! - هه.
.
هه.
.
إذن كوني زهرة بنفسج يا حسناء.
! فانقلبت حسناؤنا فجأة إلى زهرة بنفسج نبتت بين الأعشاب الندية في أحد الحقول.

وراحت تغازل الشمس في النهار، وراح القمر يغازلها في الليل.
.
لقد كانت فاتنة تبهر العين وتغريها.
ولقد كان لها أريج عَطِرٌ يسكر النفس ويحيها.

يا لجمالها! إنها ترقد بهناء وسرور.
.
تضحك وتلهو.
.
وترسل شذاها يملأ السهل والوادي.
.
حتى إن أزاهير الغاب حسدنها، ورحن يتهامسن ويقلن: (يا لسحر هذه الزهرة!.
إن الفراشات ليتشاجرن من أجلها، ويترامين فوقها.
.
يا لسحرها.
.
يا لسحرها! ولكن.
.
ما لها.
.؟ أن الكآبة قد عاودتها، وكاد الذبول يقضي عليها؛ وإنها لتذرف الدموع صباح مساء.
.! وجاءت إليها جنيتا تمشي فضلاً بثوبها الأزرق الحريري.

وقالت لها: - إيه يا زهرة البنفسج! ما الذي يشجيك أيضاً.
؟ أما تمنيت أن تكوني زهرة بنفسج فكنتها.
؟ إنك الآن سيدة الأزهار.

أن صواحبك زهرات الغاب ليحسدنك على جمالك ونضرتك.
فتكلمي يا زهرة البنفسج.
-.

.
! - لك الله يا زهرة البنفسج! كم أنت حزينة.

أرغبت عن الحياة بين الأعشاب؟ أتريدين العيش وسط الخمائل والرياض؟ تكلمي.

أيتها الزهرة الصامتة! -.

.
؟ - أأصابك الملل يا حسناء من أولئك الفراشات اللائي يطفن حولك ليل نهار ويتشاجرن من أجلك ويسعين لتقبيلك؟ فتنهدت الزهرة ولم تقل شيئا قالت الجنية: - لشد ما يغيظني صمتك يا زهرة البنفسج! ألم ترقك الحياة هنا؟ أتريدين أن تعيشي في قصور الأميرات لتوضعي في أواني الصين الفاخرة فيعجب من حسنك كل من يراه! ولتحلي صدور أولئك النواعم الحسان.
! آه منك يا زهرة البنفسج.

لم لا تكلمينني! قالت الزهرة: - كلا يا أختاه.
.
ولكن حسبت أن زهرة البنفسج هي أجمل الأزهار، وما علمت أنها صورة الحزن ورمز الألم.
.! وأنا أنفر كما تعلمين من الحزن وأخاف الألم.

آه لو كنت زنبقة في إحدى الرياض.

أن الزنبق لأجمل الأزهار.
أليس كذلك؟ - أوه! أهذا كل ما تتمنينه؟ إذن كوني زنبقة كما تريدين! فانقلبت زهرة البنفسج إلى زنبقة ما رأت العين أجمل منها أبداً.
ولكن.

لقد عاودتها الكآبة بعد أيام.
إنها تريد أن تكون ياسمينه بيضاء.
.
كلا.
.
كلا، أن الفل أجمل من الياسمين.
.
وأن شذاه لمسكر! ولكن.

الورد.

الورد.
.
أليس الورد ملك الأزهار؟ إنها تريد أن تكون وردة.

وردة حمراء.
! وانقلبت الفتاة من زنبقة إلى ياسمينه، ومن ياسمينه إلى وردة؛ عندئذ قالت: - الآن طاب لي المقام وطاب لي العيش.
لقد أصبحت سيدة الأزهار وهدية الأحباب إلى الأحباب.
! وما عليَّ إلا أن ألهو براحة وهناء.
! فلما كان الليل رأت فتى وإلى جانبه فتاة يتقدمان على مهل حتى أستقرَّ بهما المكان إلى جانبها.
فهمست في أذن جارتها: - أواه أنها لجميلة.

انظري إلى الجمال كيف يرفَّ في وجهها، وإلى السحر كيف يشيع في صوتها.

لقد كنت أجمل منها إذ كنت فتاة! يا حسرتاه!.
وراحت الوردة تنظر وتصغي.

تنظر إلى الحبيب يعانق حبيبته، فيلثم تغرها ويجس نهدها.

أو يناجيها بأرق الغزل وأحلاه.
في هدأة هذا الليل المقمر الشاحب، فتجيبه بكلمات تخالها قطع الرياض كسين زهراً! وذرفت الوردة دمعة.

وقالت - آه لو بقيت فتاة إذن لكنت.

ولكان لي فتى.
! ولكن.

أن جنيتي قد تولت عني فمن لي بها؟ لقد قالت لي إنها سترجع، ولكن أين هي؟ وتنبهت الوردة عند السحر، فذكرت ما رأته في الليل.

وما سمعته، وذكرت جمالها وسحرها، وكيف ذهب الجمال وغاض السحر.
فذرفت دمعاً بلَّل خديها وراح يروى الثرى؛ وقضت نهارها في وجوم يبعث في النفس الأسى.
فلما كان أصيل الغد، وكادت الشمس أن تطفل، رأت امرأة بارعة القد، صبيحة الوجه، تمشي الهوينا إلى جانب رجل في ريعان الشباب، ومعهما طفل يعدو وراء الفراشات فجلسا إلى جانبها.
قالت المرأة: - أنظر إلى طفلنا يا عزيزي.
.
كيف يهيم وراء الفراشات هه.

هه.

أتذكر يوم لقيتني لأول مرة على ضفاف البحيرة في حديثة كهذه، فجئت إلى فصددتُ عنك.

ثم.

يا لله لشد ما تزدحم الصور في مخيلتي! ثم جئت إليَّ وكلمتني كلمات.
.
وكلمُك كلمات.

وكان يوم الزفاف بعد أسبوع!.
أتذكر يوم قلت لي إنك تريد طفلاً يدخل على نفسينا السرور وعلى عيشنا الهناء؟ فأضحك.

ها هو ذا طفلنا يلهو ويلعب، وها هي ذي الحياة تبسم لنا وتضحك! تعال يا طفلي أقبلك.
تعال فأنت الذي أذقني طعم الهناء.
وقام الزوج يطبع على ثغر زوجته قبلة أودعها كل معاني الحب والإخلاص.
قالت الوردة: - الآن فهمت معنى الأمومة ومعنى الزواج كانت الشمس ترسل أول شعاع لها فتنبه شجيرات الورد الناعس عندما جاءت إليها الجنية تقبلها قبلة الصباح وتسألها عما بها فتجيبها بصوت هادئ حزين: - آه! لن أتمنى بعد اليوم شيئاً! أريد أن أرجع فتاة لأكون أماً! صلاح الدين المنجد

شارك الخبر

ساهم - قرآن ٣