أرشيف المقالات

حول أدب الرافعي

مدة قراءة المادة : 19 دقائق .
8 بين القديم والجديد للأستاذ محمد أحمد الغمراوي - 2 - كتب سيد قطب مقالات عدة يجرح فيها الرافعي وأدبه.
وسيد قطب ليس من تلاميذ الرافعي ولا يبلغ أن يكونه، فما أظنه ولد إلا بعد أن ولدت مسألة القديم والجديد، وعمرها كما نبهنا في الكلمة السابقة لا يزيد على ثلاثين عاماً، وإذن فعمره من يوم ولد إلى يوم كتب لا يمكن أن يبلغ عمر أدب الرافعي الذي بدأ يقول الشعر الجيد على رأس التسعمائة كما يدل عليه ما نشرت الرسالة من نماذج شعره في ذلك العهد (أنظر مثلا العددين 213و214 من الرسالة)، وإذا كان عمر أدب الرافعي رحمة الله عليه أكبر من عمر صاحب تلك المقالات فقد كان المعقول أن يكتب عن الرافعي وأدبه بغير تلك اللهجة وبغير ذلك القلم لولا أننا في عصر انتقال من أسوأ سيئاته تمرد الشباب على النظم ولو كانت فاضلة، وتطاول الصغير على الكبير في الإشارة والعبارة إذا كان بينهما خلاف ونحن إذ نقول هذا لا نأخذ على صاحب تلك المقالات أن يكون له في الرافعي رأي يخالف رأي جمهرة الأدباء، ولكن نأخذ عليه ما أخذه غيرنا من طريقة إبداء هذا الرأي.
فلو كان ندا للرافعي لما حسن فيما يبدي من رأي إلا أن يكون مهذب اللفظ مؤدب القلم، فكيف وهو ليس للرافعي بند ولا لبعض تلاميذ الرافعي؟ إن الأديب من غير شك يستطيع أن يعرب عن رأيه في مقام كهذا من غير خروج على أدب القول ومن غير أن يزيد الطين بلة بالتماسه إلى هذا الخروج العلل والمعاذير على أن إسراف تلك المقالات فيما ذهبت إليه من سوء الرأي في الرافعي وأدبه لا يشك فيه أحد ممن له شيء من الاتزان في التفكير.
فلو غير صاحب تلك المقالات خطر له في الرافعي مثل هذا الرأي المسرف من أن ليس للرلفعي إنسانية ولا طبع ولا نفس ولا قلب ولا ذوق ولا ذهن ولا حياة إلى آخر ما شاءت له بغضاؤه أن ينفي عن الرافعي - لو غيره خطر له هذا في الرافعي لوقف من هذا الخاطر موقف المتهم المتشكك على أقل تقدير، إذ غير معقول أن يبلغ الرافعي رحمه الله ما بلغ من حسن السمعة وبعد الصيت في عالم الأدب العربي ثم لا يكون له من كل تلك الصفات حظ يفسر ما نال من صيت حسن وتقدير كبير عند جمهرة الأدباء رغم بعض العيوب البادية في بعض ما كتب من مثل (على السفود) ورغم ما في بعض كتاباته من صعوبة أو غموض.
فالرافعي نال ما نال من حظوة ومكانة في عالم الأدب العربي رغم هذه العيوب، ثم نال ذلك غير مؤيد بمال ولا جاه ولا سياسة، وهذا معناه عند الناقد المتزن أن أدب الرافعي لابد عند التصفية أن تبقى منه بقية.
كبيرة صالحة تكفي لتمجيده إن لم تكف لتخليده.
وإذن يكون عمل النقد الأدبي أن يميز تلك البقية ويُجليها للناس تراثاً طيباً يضم إلى ما خلفت القرون من التراث العربي الأدبي الطيب.
لكن مثل هذا الناقد يحتاج من قوة العقل، وسعة الاطلاع، ومحبة الحق والخير، ومجانبة العصبية والهوى، إلى ما لا تنبئ عنه تلك المقالات إن أظهر ما تنبئ عنه تلك المقالات أنها نتاج العاطفة قبل أن تكون نتاج العقل.
فالعاطفة الجامحة أوحت بكتابتها، والعاطفة الجامحة لونت الوقائع لقل صاحبها حين سخرته لحياكة ذلك النقد طبق وحيها.
ومدار هذه العاطفة هو حب العقاد وبغض الرافعي: حب العقاد حب مفتون، وبغض الرافعي بغض مجنون.
فلا مدح أكبر من أن يفيضه على العقاد، ولا ذم أوضع من أن يكيله للرافعي، وكأنه يعتذر في الحالين من التقصير.
ولا عليه في حب العقاد أو غير العقاد أسرف في الحب أو اقتصد، بل لا عليه في بغض الرافعي أو غير الرافعي ما بقى بغضه سلبي الأثر؛ أما إذا حركه الحب أو البغض إلى العدوان على من يبغض في سبيل من يحب، فعندئذ تبدأ تبعته، وعندئذ تجب مراقبته ثم محاسبته على ما يكتب أو يقول خصوصاً إذا أراد أن يستتر بالنقد مبالغة في الكيد أو احتماء من القانون لو كان للنقد الأدبي في مصر أو في العالم العربي قوامون يغارون عليه ويرعونه لتهيب اقتحامه من لا يحسنه، ولما أقدم على نقد مثل الرافعي من لا يعرف أو لا يراعي أوليات النقد.
إن من أبسط أوليات النقد الإحاطة بالموضوع.
وصاحبنا الذي لا يعجبه مذهب الأقدمين في النقد، ويريد أن يشق للناس طريقا جديدا، يقدم على نقد الرافعي فيما زعم من غير أن يحيط بأدب الرافعي أو يحاول أن يحيط به.
وهو فيما يظهر لا يحس أنه اقترف بهذا جرما لأنه يعترف به في غير اعتذار ولا حياء.
يقول في مقاله الثالث إنه كتب كلمته الأولى على صدى مطالعته القديمة للرافعي، وكتب كلمته الثانية وليس بين يديه إلا وحي الأربعين.
ثم ذهب إلى رسائل الأحزان يتلمس الأمثلة توضيحا لرأيه فاصطدم بالرافعي كما يقول من جديد؛ وعلى وقع هذا الاصطدام كتب عن الرافعي ثم كتب حتى أبلغ كلماته إلى ثمان.
فعمدته في تقدير الرافعي على الأخص شيئان: صدى مطالعاته القديمة، ورسائل الأحزان.
وصدى مطالعاته القديمة هو كما يقول (صدى غامض يدل على الجملة ولا يمد الناقد بالتفصيل).
ومطالعاته القديمة لا تعدو (حديث القمر) وما كان يكره نفسه على قراءته بعد (حديث القمر).
و (حديث القمر) كما أخبر في كلمته الأولى كان أول ما قرأ للرافعي وقد أحس بعده ببغض الرافعي بغضا جعله لا يقرأ للرافعي إلا كارها، فتزداد كراهيته بما يقرأه من غير أن يعرف لذلك تعليلا كما يقول.
فصدى هذه المطالعات كان من غير شك صدى بغضاء وكراهية، ومع ذلك فقد ظفر الرافعي من صاحبنا في مقاله الأول بنصيب يكاد يعدل نصيب العقاد حين أراد صاحبنا أن يقسم المزايا الأدبية بين الاثنين.
فالعقاد أديب الطبع، والرافعي أديب الذهن.
(العقاد أديب الطبع القوي والفطرة السليمة، والرافعي أديب الذهن الوضاء والذكاء اللماع.
والعقاد متفتح النفس ريان القلب، والرافعي مغلق من هذه الناحية متفتح العقل وحده للفتات والومضات) هكذا حكم سيد قطب بين الأديبين الكبيرين، وحكم لنفسه ضمنا بشيء كثير حين نصب نفسه حكما بينهما.
وإذا تذكر أنصار الرافعي أن هذا الحكم فيما يتعلق بصاحبهم هو صدى غامض لمطالعات قديمة محفوفة بالكراهية والبغضاء كان لهم حقا أن يغتبطوا به.
ولا عليهم من (مغلق) (ومتفتح العقل وحده للفتات والومضات) فان الحكم لا يعطي العقاد شيئا من التفتح العقلي ولو للفتات والومضات.
فهو سوى بين الاثنين تسوية تكاد تكون تامة، أو بالأحرى جعل المزايا الأدبية قسمة بينهما على سواء تقريبا: أخرج العقاد من دائرة الذهن والعقل، كما أخرج الرافعي من دائرة النفس والقلب، وخص أحدهما بما نفى عن الآخر.
فإذا شك أنصار العقاد في أن هذا مفهوم حكم صاحبهم على صاحبه ومنطوقه فليقرءوا مقدمة الحكم إذا شاءوا: (وبعد فما كان يمكن أن يتفق العقاد والرافعي في شيء! فلكل منهما نهج لا يلتقي مع الآخر في شيء) فهل لا يزال أنصار العقاد بعد هذا على شك من مفهوم حكم صاحبهم؟ إنهم ليس لهم أن يشكوا بعد هذه المقدمة، إذ لو كان العقاد يشرك الرافعي في أدب الذهن لاتفق الاثنان في شيء، والتقى الأدبان على شيء! أما وهما لا يتفقان ولا يلتقيان في شيء في حكم هذا الحكم المجدد، فما أثبته للرافعي من أدب الذهن الوضاء والذكاء اللماع لا بد أن يكون نفاه عن العقاد إن كان يعرف ما المنطق وما التفكير.
ليس عن ذلك محيص لكن لا عليهم هم أيضاً من حكم صاحبهم فانه لا يعني ما يقول ولا ينظر في أعقاب الكلام ونتائج المقدمات.
هو حسن النية يلقي الكلام دفاعاً عن صاحبه كما ألقت الدبة ذلك الحجر المعروف على أنه كان لحكمه هذا قيمة فقد عاد فنقضه في مقاله الثالث.
نقضه بالنسبة للرافعي من غير أن يصلحه بالنسبة للعقاد.
ولو خطر بباله أن حكمه ينتج غير ما يريد بالنسبة لمن يحب لأصلحه، ولكن ذلك يخطر بباله فاكتفى بأن نفى عن الرافعي الدائرة التي كان أثبتها له، دائرة أدب الذهن، وترك العقاد في الدائرة التي كان أثبتها له، دائرة أدب القلب، من غير أن يثبت له الدائرة الأخرى التي كان قد نفى عنه.
وليس لرجوعه عن حكمه للرافعي داع إلا أنه فيما زعم ذهب يتلمس في (رسائل الأحزان) الأمثلة التي تفصل مجمل ما دل عليه الصدى الغامض لمطالعاته الرافعية السابقة، فاصطدم بالرافعي (واختلف الصدى الغامض القديم عن الصوت الواضح الجديد) كما يقول.
فهو حين ذهب إلى (رسائل الأحزان) لم يذهب ليستوثق من صحة دلالة الصدى القديم التي بنى عليها حكمه الأول، لأنه لم يكن يخالطه في صحتها شك، إذ (ما من شك أن الرافعي كان ذكيَّا قوي الذهن) كما يؤكد في كلمته الأولى حين كان يلتمس أن ينفي أن يكون أدب الرافعي أدب طبع عن طريق تبيين أنه (كثيراً ما يختلط أدب الذهن وأدب الطبع إذا كان مع ذكاء وقوة).
لم يذهب إلى رسائل الأحزان إذن ليستوثق من صحة تلك الدلالة أو ذلك الحكم ولكن ليؤيدهما ويفصلهما بأمثلة.
فلما اختلف الصوتان وتعارضت الدلالتان مال عن الدلالة القديمة الغامضة إلى الدلالة الجديدة الواضحة؛ وهو يظن أن هذا كاف للرجوع عن حكم حكمه ورأى أرتاه، ولا يرى في ذلك شيئاً من سطحية الحكم والنظر التي كثيراً ما يرمي بها خصومه من غيره مبرر.
لكن النظر السطحي وحده هو الذي يبرر الرجوع عن ذلك الحكم بمثل هذه السهولة لمثل هذا السبب.
إن الغموض الذي وصف به صدى مطالعاته القديمة قد فسره هو وحده بأنه عدم إمداد الناقد بالتفصيل.
فذلك الصدى إذن صحيح في جملته وإن لم يكن واضحاً في تفاصيله.
والتفكير الصحيح كان يقضي ويتطلب أن يتفق الصديان أو الصوتان في الجملة إن كانا مما يبني عليهما حكم، فإن اختلفا لم يمكن بناء حكم على أيهما حتى يتبين وجه الحق فيهما ببينات جديدة.
وكان المنتظر ممن جشم نفسه دراسة المباحث النفسية الجديدة ومباحث علم الأحياء ومباحث الضوء في الطبيعة إلى آخر ما حدث عن نفسه في مقالة السادس أنه قد درسه كي يرقى إلى محاولة استيعاب العقاد - كان المنتظر من مثل هذا أن يكون قد انتفع أيضاً بتلك الدراسات العلمية إلى حد الرقي إلى تذوق الروح العلمية وتفهم الطريقة العلمية في النظر، فهذا أنفع له وأجدى عليه من كل ما عرف من مفردات الوقائع والحقائق والنظريات.
فلو كان رقي إلى الروح أو الطريقة العلمية في النظر والاستدلال، ووجد في البحث الذي كان بصدده أن رسائل الأحزان تخالف في دلالتها حديث القمر، وما تبعه من مطالعات للرافعي وأن قلَّت، إذن لوقف موقف العالم الذي يجد نفسه حيال فرضين كل منهما يفسر شطراً من الوقائع التي لديه من غير أن يفسر الشطر الآخر، فينبذ الفرضين جميعاً ويسعى للوصول إلى فرض جديد يفسر الوقائع جميعاً.
فإن كانت الوقائع قليلة، كما هي في حالة صاحبنا حين أراد أن يحكم على الرافعي من كتابين اثنين - سعى العالم إلى تكثير الحقائق قبل أن يطمئن إلى فرض يفسرها، كما كان يجب على صاحبنا أن يقرأ كل ما كتب الرافعي قبل أن يطمئن إلى حكم يحكمه، لا أن يقرأ كتابين على فترة طويلة من الزمن حتى إذا اختلف صداهما عنده حكم لأحدهما على الثاني من غير قرينة ولا مرجح.
وإذا كان الرأي الذي حكم له أقرب إلى ميله واتجاه عاطفته - كما هو الواقع - لم يبق شك في أن صاحبنا الناقد المجدد مسير بعاطفته لا بعقله: يتبع العقل ما اتفق وعاطفته، فإذا اختلفا ترك عقله واتبع هواه ومن عجيب أمر كاتبنا الناقد أنه أصدر في أمر الرافعي أحكاماً ثلاثة في كلمتيه الأولى والثالثة من غيره أن يكون لأحد هذه الأحكام أساس معقول.
قرأ حديث القمر وما إليه فازداد كراهية لذلك اللون من الأدب من غير أن يجد لذلك تعليلا، غير أنه كان يزعم لإخوانه أن الرافعي خواء من (النفس) وأن ذلك سبب كراهيته له.
هذا حكمه الأول أبداه على تردد وكأنه يعتذر منه فكان بذلك أقرب إلى المعقول ثم كتب صديق الرافعي الحميم فصوله الممتعة في تاريخ الرافعي وضمنها تاريخ حب الرافعي في الأعداد 226 إلى 232 من الرسالة بدأها أول نوفمبر وانتهى منها حوالي منتصف ديسمبر سنة 1937 فاغتبط ناقدنا كما يقول لأنه وجد للرافعي حبا له مظاهر وخطوات وأخذ يعلل اغتباطه ذلك بقوله: (إن خيالي المنبعث من قراءة الرافعي لم يكن يطوع لي أن ألمح إمكان وجود هذه العاطفة في حياته، فالحب يتطلب قلباً وكنت أزعم أن ليس للرجل قلب، والحب يقتضي (إنسانية) وكنت أفتقدها فيه).
حسن.
ها هو ذا قد عرف أن خياله المنبعث من قراءته الرافعي كان مخطئاً، فهل تراه غير رأيه في الرافعي وأثبت له ما كان ينفيه عنه من قبل من أخص خصائص الإنسان بله الأديب؟.
لا.
واسمع له يتم لك بقية حديثه فانه حديث عجب: (لقد ظللت هكذا) - أي قاسياً على الرافعي ينفي الإنسانية والقلب عنه - (حتى استطعت أن أكون ناقداً لا يكتفي بالتذوق والاستحسان والاستهجان ولكن يعلل ما يحس ويحلله فماذا كانت النتيجة؟ لقد عدلت حكمي قليلاً، وخفت حدته ولم أعد أستشعر البغض والكراهية للرجل وأدبه ولكن بقي الأساس سليما كنت أنكر عليه (الإنسانية) فأصبحت أنكر عليه (الطبع)؛ وكنت لا أجد عنده (الأدب الفني) فأصبحت لا أجد عنده (الأدب النفسي) كلام مرصوص قد ينخدع به مثل كاتبه، إن جاز على أصحاب (الأدب النفسي) فلا يجوز على أصحاب (الأدب الذهني) تأمل هذا الكلام قليلا، تأمل أوله ثم تأمل آخره.
لقد ظل ينكر على الرافعي الإنسانية والقلب حتى أصبح ناقداً يعلل ويحلل.
وقد رأيت من كلامه قبل ذلك أنه كان على هذا الإنكار حتى حدثه العريان بحديث حب الرافعي في أواخر سنة 37.
إذن فاستطاعته أن يكون ناقداً لا يمكن أن تكون سبقت هذا التاريخ، وإن حدثنا في مقاله الخامس عن محاضرة له في وحي الأربعين ألقاها سنة 34.
فتلك المحاضرة إذن كتبها قبل أن يستطيع نقداً أو تعليلاً أو تحليلاً إن كان يعني كلامه السابق، ويكون كلامه السابق هدما لما في تلك المحاضرة من نقد وتحليل يحيل عليه في مقاله الخامس.
أما إذا كان لا يعني كلامه السابق وكانت محاضرته تلك تحتوي على نقد نفيس فان هناك تفسيراً واحداً لهذا التناقض هو أن صاحبنا الكاتب الأديب لا يحسن التعبير عما يريد باللغة التي هو أخصائي فيها عد عن هذا وسلم له استطاعته النقد حين قرأ حديث حب الرافعي، بصرف النظر عن مبدأ هذه الاستطاعة؛ وانظر في النتيجة التي رتبها عليها.
لقد عدل حكمه قليلاً.
لماذا هذا التعديل القليل أو الكثير؟ وما علاقته باستطاعة صاحبه النقد والتعليل والتحليل؟ إنه لم يقرأ للرافعي شيئاً جديدا ينقده، ولم يرجع إلى ما قرأ قديما فيعيد قرأته ليحلله أثره في نفسه.
إن المقروء القديم هو: حديث القمر وأكره نفسه عليه.
ولو كان قرأه ثانيا من جديد ما كان صداه ذلك الصدى الغامض الذي يدل على الجملة ولا يمد بالتفصيل.
إذن فماذا نقد وماذا حلل ولماذا عدَّل؟ هل نستطيع لهذا جوابا؟ هل يستطيع هو لهذا جوابا لا مراوغة فيه ولا (لعب على حبل)؟ إن أحاديث العريان عن حب الرافعي يجب أن تؤخذ كلها أو تترك كلها لأنها من قبيل الأخبار.
فان أخذت كلها لزم الكاتب الناقد إثبات (الإنسانية) و (القلب) للرافعي من غير قيد ولا شرط.
وإن تركت كلها لزمه الوقوف عند رأيه الأول من غير تعديل كثير أو قليل.
فلماذا إذن ذلك التعديل القليل وما علاقته باستطاعة صاحب المقلات النقد والتعليل والتحليل؟ أم هي كلمات ترص ليس تحتها معنى مقصود محدود؟ أم هي العاطفة تسير صاحبها في حكمه وإن قام على خطئها الدليل؟ على أننا سنغض الطرف عن هذا كله ونفرض أن استطاعته النقد مكنته بطريقة ما من تعديل الحكم تعديلا قليلا.
فهل تراه عدله تعديلا ما! لقد كان يزعم قبل أن يعرف للرافعي حبا أن الرافعي خواء من (النفس) والآن وقد عرف للرافعي حبا كثيرا أصبح لا يجد عند الرافعي (الأدب النفسي) بعد إن كان لا يجد عنده (الأدب الفني)! أتجد فرقا بين خلو الرافعي من (النفس) وخلو أدبه من (الأدب النفسي) الذي لا يصدر إلا عن (نفس) على حد تعبيره؟ ما نرى صاحبنا إلا وقد سلب الرافعي باليمين ذلك القليل الذي أعطاه بالشمال، وقد صرح بهذا السلب في صدر مقاله الثالث وإن زعم في مقاله الأول أنه اغتبط لما حدثه به العريان من حديث حب عدَّل حكمه من أجله بعض التعديل. بقيت واقعة صغرى ليست بذات بال في نفسها وإن كان لها دلالتها النفسية على تعبير صاحب تلك المقالات.
إنه حين أحس بالغضاضة في التراجع عن حكمه الأول بين الرافعي والعقاد إلى حكمه الأخير الذي بناه على رسائل الأحزان، أراد أن يمهد لذلك التراجع لدى القارئ في مواربة وجمجمة، فهل تدري ماذا صنع؟ إنه زعم أنه أخطأ في عدم تحديد (الذهن) الذي قال إن الرافعي يصدر عنه في أدبه في مقاله الأول، فإن من الأذهان ما هو مشرق أو خاب وما هو متفتح أو مغلق إلى آخر ما قال.
لكن رجعة إلى صيغة حكمه الذي نقلناه لك في هذا المقال تبين لك حظ هذا الزعم من الصراحة والصدق.
إنه لم يخطئ في عدم (تحديد) الذهن لأنه حدده بأوضح الألفاظ في ذلك الحكم.
وقد كان يستطيع أن ينكر ويتراجع في صدق وصراحة من غير لف أو اختداع للقارئ.
ولا عليه من شيء قاله أو يقوله من مدح أو ذم، من إطراء أو هجاء، فان المدح والذم يستويان عند (ذوي المواهب الذهنية) إذا صدرا عن (ناقد) تسخَّر عقله العاطفة، كما بينا في هذا المقال، وكما نرجو أن نزيده إن شاء الله بياناً فيما يأتي من الكلام محمد أحمد الغمراوي

شارك الخبر

ساهم - قرآن ٢